المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 6
  • ياسر مناع

انطلقت جولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في 14 نيسان 2026 في العاصمة الأميركية واشنطن، برعاية أميركية؛ بهدف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإعادة قدر من الاستقرار إلى الجبهة اللبنانية. جاءت هذه الجولة في ظل حرب مع إيران؛ ما جعل المسار اللبناني جزءًا من حساب إقليمي أوسع. من هذه الزاوية، تتعامل إسرائيل مع المفاوضات كجزء من ضغط متعدد الاتجاهات على حزب الله.

أدناه، نتناول كيف تنظر إسرائيل إلى المفاوضات مع لبنان؟ وما الذي تريده من الاتفاق؟ وأبرز العقبات التي تعترضه؟ ثم نناقش موقع إيران في هذا المسار بوصفه جزءًا من صورة إقليمية أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

كيف تنظر إسرائيل إلى المفاوضات مع لبنان؟

تنظر إسرائيل إلى المفاوضات مع لبنان كمسار سياسي يخدم هدفًا أمنيًا محددًا. فوفق قراءةأورنا مزراحي، من "معهد دراسات الأمن القومي"، لا تتعامل إسرائيل مع هذا المسار كمدخل إلى تسوية شاملة ولا كتحول لبناني نهائي تجاهها، وإنما كقناة ضرورية لإدارة الجبهة الشمالية وتثبيت واقع أمني جديد في جنوب لبنان مع تقليص قدرة حزب الله على العودة إلى الحدود أو ترميم قوته العسكرية.

في السياق نفسه، يرى عدي شوارتس ونوعا لازيمي في تقدير موقف صادر عن "معهد مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية" في 4 حزيران 2026، أن الاتفاق مع لبنان لا يمكن أن يتحول إلى هدف قائم بذاته؛ لأن الاتفاق الذي يقيّد إسرائيل ولا يلزم حزب الله قد يتحول - في تقديرهما - إلى عبء سياسي وأمني على إسرائيل بدل أن يمنحها ضمانة حقيقية في الشمال.

قناة سياسية محدودة القدرة؟

ترى مزراحي أن استمرار المحادثات بين إسرائيل ولبنان يحمل أهمية سياسية خاصة، لأنه يعكس استعدادًا لبنانيًا نادرًا للتفاوض المباشر مع إسرائيل ويخلق واقعًا جديدًا يمنح الحكومة اللبنانية موقعًا في ملف بقي بيد حزب الله سنوات طويلة. في المقابل، يوضح إلداد شفيط – من "معهد دراسات الأمن القومي" - أن التفاوض حول لبنان لا يدور بين إسرائيل ولبنان وحدهما، إذ يتحرك داخل مساحة أوسع تضم واشنطن وطهران وحزب الله. 

من هنا، تنظر إسرائيل إلى المفاوضات بوصفها اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة الساحة اللبنانية ومنع إيران من ربطها بمواجهة إقليمية أوسع. لذلك، يصبح لبنان في هذه القراءة ساحة سياسية وأمنية معقدة حيث يرتبط أي تفاهم على الحدود بحسابات حزب الله وموقع إيران وحجم الضغط الأميركي على إسرائيل.

كما تتقاطع قراءة عيران ليرمان - من "معهد القدس للاستراتيجيا والأمن" - مع هذا التصور الذي يضع لبنان داخل معادلة أوسع من التفاوض الثنائي. إذ يرى ليرمان أن المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان تمثل حدثًا مهمًا، خاصة مع وجود قنوات بين الجيشين ورعاية أميركية للمسار؛ لكنه لا يتعامل مع التفاوض كأداة كافية لتغيير ميزان القوة في جنوب لبنان. وفي تقديره تحتاج إسرائيل إلى الجمع بين المسار السياسي والضغط العسكري المستمر إلى جانب عمل سياسي وأمني طويل داخل البيئة اللبنانية وخصوصًا داخل البيئة الشيعية التي يستند إليها حزب الله.

ماذا تريد إسرائيل من الاتفاق؟

بالنسبة لإسرائيل لا تكمن قيمة الاتفاق في إعلان وقف إطلاق النار وحده في صورته الدبلوماسية؛ إنما في قدرته على إنتاج وقائع ميدانية لصالحها في جنوب لبنان بشكل رئيس. من هذه الزاوية تركز إسرائيل على ثلاثة عناصر أساسية: 

أولًا: إبعاد حزب الله عن جنوب الليطاني.

ثانيًا: منع الحزب من استغلال الهدوء لإعادة تنظيم صفوفه، والعمل على نزع سلاحه.

ثالثًا: الحفاظ على حرية الرد على أي خرق من دون أن يتحول كل تحرك داخل لبنان إلى أزمة مع إيران أو إلى ضغط أميركي عليها.

من جانبهما، يحذر شوارتس ولازيمي من اتفاق يمنح إسرائيل إنجازًا سياسيًا سريعًا ثم يقيدها ميدانيًا، وفي تقديرهما يكمن الخطر في ترتيب يخفف الضغط عن حزب الله ويمنحه وقتًا لإعادة بناء قوته.

من ناحيته، يرى تامير هايمان - رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ("أمان") السابق ورئيس "معهد دراسات الأمن القومي"- أن لبنان تحوّل بعد وقف إطلاق النار إلى ساحة اختبار بين مسعى إسرائيلي لفصل الساحة اللبنانية عن إيران ومسعى إيراني عبر حزب الله لإعادة ربطها بمعادلة إقليمية أوسع. 

لذلك، ترفض إسرائيل - وفق قراءته - أن يصبح ملف لبنان امتدادًا للمفاوضات الأميركية مع طهران أو أن تقيد هذه المفاوضات قدرتها على ضرب حزب الله. من هذه الزاوية، تبدو الضربة الإسرائيلية في بيروت يوم 7 حزيران 2026 تحمل رسالة مزدوجة، فهي من جهة رد على انتقادات داخلية تتهم الحكومة بالتردد، والتأكيد أن الهدوء في الشمال لا يمنح الحزب حق اختبار الحدود أو فرض قواعد جديدة من جهة أخرى.

مع ذلك، لا يرى هايمان أن الضربات وحدها تكفي لتفكيك حزب الله؛ لأنه يمتلك قيادة وصواريخ ولوجستيات وعناصر خارج جبهة الجنوب. وهنا يدعو إلى مسار أطول يجمع الضغط العسكري وتقوية الحكومة والجيش في لبنان وآلية رقابة أميركية تتابع تفكيك بنى الحزب اعتمادًا على معلومات استخباراتية إسرائيلية.  

ويربط مائير بن شبات - رئيس "معهد مسغاف" ورئيس مجلس الأمن القومي السابق – في مقالٍ له نجاح المفاوضات باستمرار الضغط العسكري، فهو يرى أن حزب الله قد يستثمر القيود الأميركية والإقليمية إذا شعر بأن إسرائيل تحتاج إلى الهدوء أكثر مما يحتاجه حزب الله. 

ويرى راز تسيمت  - من "معهد دراسات الأمن القومي" – في ورقة له أن طهران ترى حزب الله أصلًا استراتيجيًا في منظومة أمنها الإقليمي، وتسعى دومًا إلى ربط أي تفاهم يتعلق بلبنان بحساباتها الأوسع مع الولايات المتحدة. وهذا يعني أن وقف النار في الجنوب قد يتحول إلى ورقة داخل التفاوض الأميركي الإيراني. كما أن ربط لبنان بالمسار الأميركي الإيراني يخدم طهران لأنه يحمي حزب الله من ضغط إسرائيلي منفصل، بحسب رأي تسيمت.

ضغط متعدد الاتجاهات

يرى ليرمان أن المقاربة الإسرائيلية تجاه لبنان لا تقتصر على العمل العسكري، فهي تقوم على ضغط متعدد الاتجاهات يهدف إلى إضعاف حزب الله ميدانيًا وسياسيًا واجتماعيًا ودفع الدولة اللبنانية إلى استعادة دورها في الجنوب مع تقليص قدرة إيران على استخدام لبنان كورقة إقليمية.

تتحرك هذه المقاربة عبر مسارات متداخلة، تبدأ بالضغط من الجنوب عبر الاستنزاف العسكري وتمتد إلى بيروت عبر دفع الحكومة اللبنانية نحو تفاوض مباشر ثم تصل إلى البيئة الشيعية من خلال البحث عن قوى داخلية تقلص احتكار حزب الله للتمثيل والسلاح. 

لا تفصل إسرائيل بين التفاوض والقتال؛ فالمفاوضات تمنح الضغط غطاء سياسيًا والعمليات العسكرية ترفع كلفة الرفض على حزب الله. لكن تواجه هذه المقاربة مأزقًا واضحًا؛ إذ أن رهان إسرائيل على دولة لبنانية ضعيفة في مواجهة حزب أقوى منها وعلى ضغط عسكري قد يزيد تماسك بيئة الحزب وعلى تفاوض سياسي يتقدم بينما تواصل الحرب. لذلك، يبقى "الضغط متعدد الاتجاهات" مسارًا صعبًا، لأنه يسعى إلى إضعاف حزب الله وفصل لبنان عن إيران من دون ضمانة بأن هذه الأدوات ستقود إلى النتيجة التي تريدها إسرائيل.

اتفاق كجزء من صورة إقليمية أوسع

حظي إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اقتراب اتفاق في لبنان باهتمام واسع في الإعلام الإسرائيلي، الذي تعامل مع وقف إطلاق النار المحتمل باعتباره جزءًا من صورة إقليمية أوسع. حيث رأى نتانئيل شلوموفيتش - في صحيفة "هآرتس" - أن ترامب ينظر إلى وقف النار في لبنان كشرط للتقدم نحو اتفاق مع إيران؛ لأن استمرار القتال مع حزب الله يعرقل المسار الأميركي مع طهران ويمنع واشنطن من بناء تهدئة إقليمية تحتاج إليها لتثبيت تفاهم أوسع. 

بينما رأت القناة 14 أن الاتفاق المحتمل يهدف إلى كسر معادلة وحدة الساحات وعزل إيران عن ورقتها اللبنانية عبر دفع حزب الله إلى وقف النار والانسحاب من جنوب الليطاني وتمكين الجيش اللبناني من السيطرة على مناطق محددة. مع ذلك، تبقى الصيغة هشة كون حزب الله يواصل اختبار الميدان، فيما تواصل إسرائيل تنفيذ الغارات داخل لبنان.

في المقابل ركز باروخ يديد - في i24NEWS - على البعد الداخلي اللبناني للاتفاق، فقد عرض لبنان كساحة منقسمة بين معسكر الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام الذي يدعم المسار المباشر وينتقد إيران، ومعسكر حزب الله الرافض للاتفاق ومعسكر نبيه بري الذي يناور بين الطرفين ويدفع نحو وقف إطلاق نار شامل أقرب إلى موقف الحزب. 

أما تسفي برئيل - في صحيفة "هآرتس" - فرأى أن الاتفاق يهدد إيران وحزب الله لأنه يمنح الحكومة اللبنانية فرصة لإظهار استقلال قرارها ورفض تحويل لبنان إلى ورقة إيرانية أمام واشنطن. في الوقت نفسه، أشار إلى أن إصرار إسرائيل على البقاء في الجنوب وعلى شروط غير محسومة لتفكيك حزب الله يمنح إيران والحزب ذريعة لمواصلة الضغط على الشمال الإسرائيلي. 

اتفاق مؤقت تحت الضغط

تقدّر القراءات الإسرائيلية أن التوصل إلى اتفاق مع لبنان ممكن، لكنه سيبقى مؤقتًا وهشًا ومشروطًا. ولا تتوقع أن يكون اتفاق سلام أو حسمًا سياسيًا لسلاح حزب الله أو انتقالًا سريعًا للجنوب إلى سيطرة الدولة اللبنانية. السيناريو الأكثر واقعية هو ترتيب أمني برعاية أميركية يوازيه ضغط عسكري إسرائيلي وتشارك فيه الحكومة اللبنانية ضمن حدود قدراتها الحالية.

تستفيد إسرائيل من هذا المسار إذا فتح لها قناة مباشرة مع الدولة اللبنانية، ويساعدها على فصل لبنان عن الحسابات الإيرانية. أما إيران فإن الفائدة تعود عليها في كونها نجحت في تحويل لبنان إلى ورقة في تفاوضها مع واشنطن وحمت حزب الله من ضغط إسرائيلي منفصل. بينما يستفيد حزب الله من تحول الاتفاق إلى غطاء يخفف الضغط عنه من دون أن يفرض عليه التزامات فعلية. لهذا، لا تبحث إسرائيل عن اتفاق بأي صيغة؛ وكل صيغة لا تحقق هذه الشروط ستبدو  من منظورها بمثابة تهدئة مؤقتة تمنح الحزب وقتًا وتؤجل المواجهة إلى جولة لاحقة.

المصطلحات المستخدمة:

الصهيونية, هآرتس, مجلس الأمن القومي

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات