أقر الكنيست الإسرائيلي في حزيران 2025 قانونًا يلزم كل حكومة إسرائيلية جديدة بصياغة وثيقة رسمية تحدد استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي. ويشكل هذا القانون تحولًا مهمًا في التفكير الأمني الإسرائيلي، لأنه ينقل، للمرة الأولى منذ العام 1948، مفهوم الأمن القومي من تقليد غير مكتوب تشكل منذ عهد بن غوريون حول الردع والإنذار والحسم، إلى وثيقة دولة رسمية وملزمة وقابلة للمراجعة الدورية. غير أن هذا التحول أكثر تعقيدًا مما يبدو للوهلة الأولى.
أدناه، استعراض للنقاشات الإسرائيلية الدائرة حول حدود هذا التحول وإمكاناته، ومدى قدرته على معالجة الأزمات التي كشفتها حرب 7 أكتوبر 2023، في وقت لا تزال إسرائيل تواجه صعوبة في ترجمة تفوقها العسكري وإنجازاتها الميدانية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية مستقرة بعد نحو 3 أعوام من "استعراض العضلات" في الشرق الأوسط.
قانون استراتيجية الأمن القومي
في حزيران 2025، أقر الكنيست قانونًا جديدًا يلزم كل حكومة إسرائيلية جديدة بأن تضع، خلال 150 يومًا من تشكيلها، استراتيجية رسمية للأمن القومي. يجب أن تحدّد هذه الاستراتيجية مصالح إسرائيل السياسية والأمنية، تفحص الافتراضات الأساسية حول التحديات والفرص، تصنف التهديدات بحسب خطورتها، وتعرض بدائل عملية للتعامل معها. بحسب القانون الجديد، يتولى مجلس الأمن القومي صياغتها بالتشاور مع وزارات الدفاع والخارجية والأمن القومي والمؤسسة الأمنية، ثم تعرض على لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، مع نشر ملخص غير سري (على أن تبقى الاستراتيجية نفسها سرية).
الجديد هنا أن إسرائيل مطالبة بتحويل الأمن القومي إلى وثيقة دولة ملزمة، تربط بين الأهداف السياسية، العقيدة الأمنية، بناء القوة، الموارد، والجبهة الداخلية. قبل سن هذا القانون في 2025، لم تكن لإسرائيل استراتيجية أمن قومي رسمية مصادق عليها. في المقابل، كان هناك ما يسمى بـ"مفهوم الأمن القومي"، وهو تصور غير مكتوب تشكل منذ الخمسينيات حول الردع، الإنذار المبكر، الحسم، ونقل الحرب إلى أرض العدو. شكّل هذا المفهوم طيلة عمر دولة إسرائيل بوصلة ضمنية أكثر منه خطة حكومية معلنة وقابلة للمراجعة الدورية. وكان المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" قد شرح مؤخرًا مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي بوصفه عقيدة استعمارية استيطانية تخدم بقاء الدولة اليهودية والتوسع والقوة، وبيّن كيف أن 7 أكتوبر هز ركائز الردع والإنذار والحسم، ودفع إسرائيل إلى تقليل الاعتماد على الردع لصالح الحروب الطويلة، المناطق العازلة، وتوسيع مجالها الإقليمي، مع تصعيد الإبادة والتطهير في غزة كأدوات عملية لإعادة إنتاج التفوق والسيطرة أمام فاعلين تراهم إسرائيل خارج منطق الدولة التقليدية وتعاملهم كتهديد وجودي. لذلك يبدو القانون الجديد بمثابة خطوة غير مسبوقة: فهو ينقل إسرائيل من تقليد أمني مرن، شفهي، إلى محاولة تقنين الرؤية الأمنية للدولة كلها، بعد أن كشف 7 أكتوبر حدود الارتجال، وتآكل التنسيق، وفوضى الأولويات.
مأزق إسرائيل في صياغة استراتيجية رسمية للأمن القومي
يطلب القانون الجديد من إسرائيل صياغة استراتيجية أمن قومي رسمية، لكن إسرائيل تدخل هذه العملية في لحظة غموض استراتيجي عميق، لأن توجهها الأمني والسياسي تغيّر بعد 7 أكتوبر من دون نقاش منظم أو قرار رسمي واضح. وترى مراكز أبحاث إسرائيلية تعرضت لهذه المأزق أن أي استراتيجية أمن قومي تحتاج إلى اتساق بين أربعة مستويات:
- التوجه الاستراتيجي العام المتعلق بكيف ترى الدولة نفسها ودورها في الإقليم.
- ضرورة صياغة المبادئ الكبرى التي توجه التعامل مع التهديدات، وهو ما يعرف باسم "مفهوم الأمن القومي".
- خطوات عملية تجيب على سؤال ما الذي تريد إسرائيل تحقيقه خلال السنوات المقبلة بعد وضع استراتيجية الأمن القومي.
- ما هو نوع الجيش المطلوب لتحقيق استراتيجية الأمن القومي، بكل ما يشكل من إجابات حول طبيعة التسليح، مقدار الميزانيات، والقدرات والتحالفات المطلوبة.
ويرى العقيد احتياط شمعون أراد، الذي شغل سابقًا مجموعة من المناصب في مجال التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، ووزارة الدفاع، ومجلس الأمن القومي أن هذه المستويات الأربعةتتحرك اليوم باتجاهات غير منسجمة. تاريخيا، تعاملت إسرائيل مع نفسها كقوة تحافظ على الوضع القائم بعد 1967. أي أنها سعت إلى إدارة الصراع، الحفاظ على الحدود والوقائع التي نتجت عن الحرب، الاعتماد على الردع، التفوق العسكري والتكنولوجي، والتحالف مع الولايات المتحدة. ضمن هذا المنطق، رأت إسرائيل أن الصراع مع العرب لا ينتهي بالقوة وحدها، وأنها تحتاج إلى الصمود الطويل إلى أن يقبلها الإقليم. لهذا ظهر منطق "الجدار الحديدي": أي دفاع استراتيجي طويل المدى، مع استخدام هجومي للقوة العسكرية عند الحاجة. لكن بعد 7 أكتوبر، يلاحظ أراد انتقالًا نحو توجه آخر أكثر هجومية، ونحو تعديل الواقع الإقليمي. لا يكتفي هذا التوجه الجديد بإدارة التهديدات، بل يسعى إلى منعها مسبقاً، تدميرها، وتغيير البيئة التي تنتجها. هنا تصبح إسرائيل أقرب إلى قوة تريد إعادة تشكيل الإقليم، وتخلخل الواقع الذي حافظت عليه على مدار عقود بحد السيف، تتجه نحو رؤية "طموحة" تدعو إلى تغيير الواقع لصالحها بدلًا من الاكتفاء بالحفاظ عليه بالقوة. وقد ظهر ذلك في الحديث عن القضاء على محور المقاومة، توسيع مناطق عازلة في غزة ولبنان وسورية، إحداث ضرر حاسم بالخصوم، وربط العلاقات الإقليمية بمنطق التفوق، أو حسب كلمات نتنياهو "السلام من موقع القوة".
بيد أن هذا التحول بحد ذاته جاء بشكل ارتجالي، مدفوعًا بغرور نتنياهو وبحماية من إئتلافه اليمين المتشدد، ولم يمر عبر مداولات رسمية تحدد: هل إسرائيل تريد إدارة الصراع أم حسمه؟ هل تريد احتواء إيران وحزب الله وحماس أم تفكيكهم بالكامل؟ هل تمنح الدبلوماسية وزنًا مركزيًا أم تجعل القوة العسكرية الأداة العليا؟ هل تقبل بقيود الشرعية الدولية والتحالفات أم تتحرك بمنطق القوة وحده؟ الأجابة على هذه الأسئلة الكبرى، حسب أراد، لا يجب أن تسقط بـ "الباراشوت" من الحكومة الإسرائيلية، بل يجب أن تكتب في وثيقة رسمية لدولة.
انتقادات "يمينية" لاستراتيجية الأمن القومي "الارتجالية" لنتنياهو
ثمة مراكز أبحاث "صقرية" التوجه، وعملت على مدار سنوات كمنظر لسياسات اليمين المتشدد في إسرائيل، إلا أنها اليوم تبدي توجهات نقدية واضحة تجاه استراتيجية حكومة نتنياهو. مثلًا، مركز بيغن- السادات يرى أن أفضل طريقة لصياغة استراتيجية أمن قومي إسرائيلية هي التعامل معها كعملية تفكير وتنسيق مؤسسي عميقة، وليس مجرد شأن يتعلق بالحكومة المنتخبة وحدها.
بداية، يوصي مركز بيغن- السادات الحكومة الجديدة (بعد انتخابات 2026) أن تحسم سؤالًا أساسيًا: هل تريد إسرائيل إدارة الصراع والحفاظ على الوضع القائم، أم تريد استراتيجية هجومية لتغيير البيئة الإقليمية؟ وبعد ذلك، على عملية التفكير العميقة داخل إسرائيل أن تصوغ الأهداف والمصالح وفق سلم أولويات يصنف المصالح باعتبارها حيوية، مهمة جدًا، مهمة، ومرغوبة. الهدف هو منع إنتاج قائمة فضفاضة من الأهداف، لأن الموارد محدودة ولا تستطيع إسرائيل ملاحقة كل شيء في الوقت نفسه. والسبب هو أن هناك حدودًا لقوة إسرائيل تشمل الكلفة الاقتصادية، الانقسام الداخلي، والاعتماد على الدعم الأميركي.
على الرغم من أن أهداف نتنياهو توسعية وحسمية (أي طامحة إلى الحسم بدلًا من إدارة الصراع)، فإن مركز JISS ذا التوجهات اليمينية بدأ ينتقد هذه الاستراتيجية باعتبارها "مرض اليمين الطفولي". وتطرح كراسة "صياغة استراتيجية قومية واقعية لإسرائيل" الصادرة عن معهد JISS في حزيران 2026 سؤالًا مركزيًا: هل تستطيع إسرائيل، بعد حرب 7 أكتوبر، أن تعيد تشكيل الشرق الأوسط، أم أن عليها أن تكتفي بتحسين موقعها الأمني ضمن حدود قدرتها الفعلية؟ تنطلق الكراسة من رفض خطاب "النصر المطلق" بوصفه تعبيرًا عن مبالغة استراتيجية تغذيها أوهام اليمين الإسرائيلي المتطرف، وتدعو إلى تحديد أهداف قابلة للتحقيق بدلًا من الانجراف وراء مشاريع توسعية تتجاوز قدرات الدولة. فإسرائيل، على الرغم من تفوقها العسكري والتكنولوجي، تبقى دولة صغيرة من حيث السكان والمساحة والموارد، وتعتمد قوتها جزئيًا على الولايات المتحدة، والسوق العالمية، والتجارة، والسلاح الغربي. صحيح أنها حققت إنجازات عسكرية ضد حماس وحزب الله وإيران، ووسعت مناطق أمنية، وضربت برامج إيرانية، لكنها تخاطر حين تحول هذه الإنجازات إلى استنتاج سياسي واسع يقول إن الشرق الأوسط تغيّر جذريًا. فالمنطقة تعيد إنتاج الصراع عبر الدين السياسي، والميليشيات، والإرهاب، والسعي النووي، كما أن السلام مع مصر والأردن واتفاقيات أبراهام تعكس حسابات نخب حاكمة أكثر مما تعبر عن قبول شعبي عميق بإسرائيل. لذلك تبقى معادلة "العيش على السيف" حاضرة في التفكير الأمني الإسرائيلي. كما أن ضرب إيران لا يسقط نظامها ولا ينهي طموحها النووي، وإضعاف المحور الشيعي قد يفتح المجال أمام محور سني راديكالي تقوده تركيا وتدعمه قطر والإخوان المسلمون. من هنا، تدعو الكراسة إلى التخلي عن أوهام تفكيك حماس وحزب الله كهدف عملي، واستبدال هذه الأوهام بسياسة إضعاف مستمرة تقلص قدرتهما على الإضرار بإسرائيل، عبر العودة إلى منطق "جز العشب": استخدام متكرر للقوة، تمديد فترات الهدوء، وترسيخ الردع. وفي المسألة الفلسطينية، تدعو إلى إدارة الصراع من زاوية أمنية ضيقة فقط، لا تتطلب تسوية تاريخية قريبة، مع الحفاظ على حرية العمل الإسرائيلي وعلى التنسيق مع واشنطن.
الخلاصة
يكشف هذا النقاش الإسرائيلي الداخلي عن مأزق إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023، لكنه يحاول الالتفاف حوله بدلًا من حله. فالقانون الجديد الذي يدعو الحكومة القادمة إلى صياغة وثيقة أمن قومي مكتوبة، يحاول تحويل الانهيار الأمني في 7 أكتوبر إلى خلل إداري يمكن إصلاحه عبر وثيقة استراتيجية، وتنسيق مؤسساتي، ورقابة برلمانية، وتحديث دوري للفرضيات التي يقوم عليها الأمن القومي. غير أن المشكلة بالنسبة لإسرائيل هي أعمق من غياب الوثيقة، وهذا ما لا يراه القانون الجديد، أو السياسيون الذين دفعوا إلى سنه، ولا حتى مراكز التفكير الاستراتيجية التي تشرح أهميته. فإسرائيل لا تواجه أزمة في تعريف الأمن القومي نفسه، وإنما هي، كدولة استعمارية عدوانية، تعيد باستمرار إنتاج أعدائها كتحصيل حاصل وليس كقصور في التخطيط الاستراتيجي. فالقانون الجديد يدعو إلى تفكير نقدي داخل أجهزة الدولة، لكنه يحصر النقد في تحسين الأداء، ولا يفتح السؤال السياسي حول الاحتلال، البنية الاستعمارية الإقصائية، معنى سيادة اليهود في منطقة أكثر من نصف سكانها من الفلسطينيين الذي يبقون خارج حدود هذه السيادة؟ ثم ما هي مكانة الفلسطينيين باعتبارهم شعبًا وليسوا سكانًا قابلين للإدارة أو القمع أو الحسم.