المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 7
  • برهوم جرايسي

يحتدم الجدل في الحكومة الإسرائيلية، في مقابل المؤسسة العسكرية وقيادة الجيش ومعها بنيامين نتنياهو، حول احتياجات الجيش المالية، في العام الجاري 2026، لكن الأهم احتياجاته في السنوات العشر المقبلة، لتمويل حروب قد تقع، وتوطيد الاحتلال وتعميقه، مع إشارة إلى مخططات احتلال قائمة في قطاع غزة وجنوب لبنان، وتبقى الفاتورة أمام إيران هي الأكبر، إذ يجري الحديث عن حاجة استثنائية، عدا الميزانية السنوية، بقيمة تتجاوز 122 مليار دولار، في السنوات العشر المقبلة، من دون إشارة واضحة إلى مصادر التمويل، سوى تقليص الميزانيات الاجتماعية، فمنذ أن عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لم يعد هناك من يطالب بدعم مالي أميركي، لا بل راح بنيامين نتنياهو يتحدث عن مخطط لاستغناء إسرائيل عن الدعم العسكري الأميركي، الذي يصل حاليا إلى 3.8 مليار دولار سنويًا.

ففي الأسبوع الماضي، أقرت لجنة المالية في الكنيست، بموجب صلاحياتها، طلب الحكومة، تحويل 1.69 مليار شيكل إلى الجيش، على أن يجري تحويل المبلغ من الاحتياطي العام في ميزانية الدولة لتمويل عملية الحرب على إيران، وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن كل يوم حرب على إيران كلف الخزينة العامة حوالي مليار شيكل.

وقبل أيام من الهجوم القصير على إيران، في مطلع الأسبوع الماضي، كان الجيش الإسرائيلي قد بلور طلبًا من حكومته، للحصول على زيادة لميزانيته بنحو 40 مليار شيكل، ما يعادل وفق سعر الصرف الحالي 13.6 مليار دولار، وذلك لتمويل استمرار الحرب على لبنان، والمخطط لاحتلال قسم من جنوبه، وتمويل احتمال استئناف الحرب على إيران، بموازاة استمرار العدوان على قطاع غزة والضفة الغربية. 

وكان الجيش قد حصل، في شهر آذار الماضي، على زيادة بنحو 32 مليار شيكل، ليرفع ميزانيته لهذا العام 2026، إلى 144 مليار شيكل، وفي حال حصل على طلبه الجديد، فإن الميزانية سترتفع إلى 184 مليار شيكل، بعد أن كان المخطط لها في ميزانية العام الجاري، 112 مليار شيكل، ما يعني زيادة بنسبة 64%.

وبحسب التقديرات، فإن تمويل الزيادة سيتطلب إجراء تقليص إضافي في ميزانيات الوزارات الاجتماعية، من تعليم وصحة ورفاه، وتقليص مشاريع بنيوية، إضافة إلى زيادة المديونية، التي هي أيضًا سوف تؤدي إلى تقليص الميزانيات الاجتماعية في ميزانيات السنوات المقبلة، لتمويل سداد الديون والفوائد.

وبحسب تقرير لصحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية الإسرائيلية، التابعة لصحيفة "هآرتس"، فإنه في شهر تشرين الثاني الماضي، وفي خضمّ مفاوضات إعادة الرهائن الأخيرين من قطاع غزة، طلب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مناقشة إعداد خطة متعددة السنوات جديدة للجيش الإسرائيلي، حاملًا في تلك المناقشات "قائمة مشتريات ومعدات تكفي لعقد كامل من الزمن، مع توجيهات ومفهوم أمني جديد".

تتضمن قائمة نتنياهو الطويلة، بحسب الوصف، "مشتريات كل ما هو متاح، بهدف تلبية متطلبات المفهوم الأمني ​​الجديد المُضخّم: زيادة مخزون الأسلحة والمعدات، والتجهيز بمنصات قتالية جديدة، وإنشاء قدرات استخباراتية في مسارح عمليات إضافية، وإضافة أسراب وسفن حربية، وحتى تطوير منظومات فضائية"، وبلغ حجم الفاتورة الإجمالي لهذه الطلبات، لو تمت الموافقة عليها، حوالي 850 مليار شيكل، توزع على عشر سنوات، بحسب التقرير ذاته.

وبعد سلسلة من التعديلات، وحذف الأقسام غير الضرورية أو غير العاجلة، "وترتيب الأولويات بشكل أكثر منطقية، تم إعداد ثلاث نسخ جديدة مختصرة من الوثيقة، بإجمالي 250 و350 و450 مليار شيكل. وعندما عُرضت على نتنياهو، الذي كان قد أدرك حينها مدى بُعد مطلبه الأولي عن الواقع، اختار الخيار الأوسط: 350 مليار شيكل إضافية. ومنذ ذلك الحين، وهو يتحدث عن هذا الرقم باعتباره المبلغ الذي سيُضاف إلى ميزانية الجيش الإسرائيلي، في العقد المقبل".

وتطالب وزارة المالية الجيش، بحسب سلسلة من التقارير الصحافية الإسرائيلية، بأن يعيد النظر في أشكال الصرف في ميزانيته، وهذا مطلب منذ سنوات طويلة، ولا يتطرق إطلاقًا إلى الجهوزية والقدرات العسكرية، بل إلى حجم الرواتب، وبشكل خاص شروط التقاعد لكبار الضباط، وامتيازات مالية للجيش النظامي، وغيرها.

وبحسب التقديرات، فإن قرارًا بشأن ميزانية الجيش المستقبلية قد تحتاج وقتًا طويلًا حتى البت فيه.  

الإنجازات العسكرية ودلالة مصطلحاتها

يقول المحلل الاقتصادي في صحيفة "كالكاليست"، شلومو تايتلبويم، إن "جولة القتال القصيرة بين إسرائيل وإيران، مطلع الأسبوع الماضي، استمرت أقل من 24 ساعة، ومع ذلك، اكتسبت هذه الجولة أهمية بالغة لدى الرأي العام. إذ تكشف هذه الجولة عن حقيقتين مقبولتين على نطاق واسع في الأوساط العسكرية الإسرائيلية، لكنهما أقل شيوعًا بين عامة الناس. الأولى هي أنه على الرغم من الإنجازات العسكرية ضد إيران، فإن الحملة ضدها لم تُحسم، فالنظام الإيراني ما زال قائمًا، ونواياه في إلحاق الضرر بإسرائيل ومواطنيها لم تتغير. والحقيقة الثانية هي أنه لا توجد خطة ملموسة لهزيمة إيران".

وتابع: إن كلمة "هزيمة"، التي شاعت في الخطاب الإسرائيلي، لا تنطبق على الساحة الإيرانية. وهذا يعني أننا في الساحة الإيرانية مضطرون إلى استخدام مصطلحات غير شائعة مثل "جولات"، و"إدارة الصراع"، و"تجريد إيران من قدراتها"، و"تحقيق الهدوء".

وقال: "يستخدم خبراء الأمن الذين تحدثت إليهم ’كالكاليست’ صياغات مختلفة، لكن المعنى واحد. فقد قال العميد ساسون حداد، المستشار المالي الأسبق لرئيس الأركان: ’نحن في مأزق استراتيجي. الوضع الحالي أشبه بدائرة مفرغة، وهو ليس في مصلحة البلاد ولا الاقتصاد. إن السبيل الوحيد هو إسقاط النظام، لكن هذا غير ممكن عسكريًا، ويمكننا زيادة الضغط الاقتصادي’. وأشار اللواء (احتياط) يعقوب عميدرور، الذي شغل سابقًا منصب رئيس مجلس الأمن القومي، ورئيس قسم الأبحاث في مديرية الاستخبارات العسكرية، إلى أنه ’من الممكن التوصل إلى قرار في غزة، لكن في إيران، نحتاج إلى شن هجمات وفقًا لتقدم البرنامج النووي، ربما كل خمس سنوات، والتعامل أيضًا مع التهديد الباليستي من خلال تحسين الدفاع والهجوم’. ويؤكد المسؤولان الكبيران على أهمية العمل على إسقاط النظام بأي شكل من الأشكال، لكنهما يتفقان أيضًا على أن هذا ليس خطة عمل. وأضاف عميدرور أن ’إسرائيل والولايات المتحدة لا ترغبان في عملية برية، والضغط الاقتصادي أقل فعالية في غياب اتفاق دولي، فالروس والصينيون ليسوا معنا’".

الجيش يزيد مطالبه

ويرى تايتلبويم أن "المعنى المباشر والأول للجولة الحالية هو أنه حتى أكثر المتفائلين بحاجة إلى استيعاب أن الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي سيظل عند مستوى مرتفع في السنوات القادمة. وهذا لا يعني تلبية جميع مطالب المؤسسة العسكرية، على الإطلاق. إذ لا شك في أن المؤسسة العسكرية تبالغ في مطالبها. ومن المتوقع أيضًا أن تزيد من تكاليف الجولة الحالية وتُعيد طرح مطالب ميزانية قديمة عالقة من مناقشات ميزانية 2026". 

و"لكن ميزانية الجيش العامة (بما في ذلك أجهزة الاستخبارات) تبلغ الآن حوالي 7.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بـ 4.2% في العام 2022. إن حقيقة أننا لا نستطيع افتراض أننا نتجه نحو سنوات هادئة من منظور أمني تضع إسرائيل على مسار ضيق للغاية. من الممكن والضروري مواجهة المؤسسة العسكرية بشأن نطاق الميزانية، لكن من المستحيل تجاهل أن هذه الميزانية من المتوقع أن تتضخم في السنوات القادمة".

ويشير الكاتب إلى أنه في ما يتعلق بميزانية 2026، يسود جو من التفاؤل في وزارة المالية، فقد نُشرت في الأيام الأخيرة، بيانات تحصيل الضرائب لشهر أيار، والتي أظهرت استمرار الاتجاه التصاعدي في الإيرادات الضريبية. ويتجاوز تحصيل الضرائب هذا العام، المعدل طويل الأجل بنحو 12%. وقد دفع هذا الاتجاه الإيجابي كبير الاقتصاديين في وزارة المالية إلى تحديث توقعات الإيرادات إلى حوالي 594 مليار شيكل. وقد تكون هذه التوقعات المتفائلة متحفظة أيضًا، إذ لم يتم تحصيل سوى 261 مليار شيكل حتى الآن، أي ما يعادل 44% من إجمالي التوقعات، في حين لم يمر سوى 41% من العام.

الحسابات الأمنية تتجاوز الاقتصادية

يرى المحلل الاقتصادي سامي بيرتس، في مقال آخر، أن "القضايا السياسية والأمنية أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى إسرائيل من القضايا الاقتصادية، على عكس إيران والولايات المتحدة، فكلٌّ منهما قلقٌ بطريقته الخاصة بشأن التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز أو تقييده، كرفع العقوبات، وأسعار النفط، وتأثير ذلك على دول الخليج".

ويضيف بيرتس: "مع ذلك، فإن جولة أخرى من التوتر مع إيران، ستُثقل كاهل اقتصادنا بمشاكل اقتصادية جمّة: الإنفاق الأمني، ومزيد من الاضطراب في جدول رحلات مطار بن غوريون مع بداية موسم السفر، وصعوبات تواجه الشركات التي لم تتعافَ بعد من عملية "زئير الأسد" ولم تتلقَّ حتى الآن تعويضات، فضلًا عن التساؤلات حول ما إذا كان بنك إسرائيل المركزي، الذي كان يخطط لخفض أسعار الفائدة قريبًا، سيُقدم على ذلك في حال تجدّد الحرب".

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات