المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 23
  • وليد حباس

في صباح يوم الجمعة، 9 تشرين الأول 2026، "تجولت" مجموعة إسرائيليين يطلقون على أنفسهم "تجوال حارغافيم" في المنطقة بين مخيم الجلزون، شارع سردا، وطريق حي الريحان. تستعرض هذه المقالة بروفايل مجموعة "الهايكينغ" هذه، التي ترفع شعار "نحتل الأرض بأقدامنا"، وتخرج إلى السير أيام الجمعة، وتتبع مسارات بداخل المنطقة المصنفة "أ"، ولا تطلب إذنًا من الجيش، وتعطي اسمًا "توراتيًا" لكل كهف أو نبع.

"حرغافيم" مجموعة مشي استيطانية صغيرة تنشط في شمال الضفة الغربية ووسطها. تعرّف نفسها على قناتها في تلغرام بعبارة "رحلات في "يهودا والسامرة"". تضم القناة أرشيفًا من نحو 3,440 صورة و424 مقطع فيديو، مما يجعل المجموعة مثالًا نموذجيًا لتقليد استعماري طويل حيث يصل "المستكشفون" أولًا، يرسمون الخرائط، ويمسحون الأرض قبل استيطان المكان. في الحركة الصهيونية قبل إقامة الدولة، انتشرت مجموعات مشي وتجوال كانت تجمع بين البعد الاستخباراتي الذي يجمع المعلومات عن "الجيران" العرب عبر التجول بين قراهم، والرؤية الصهيونية الرومانسية التي تربط المستوطن الجديد مع الجبال التي لا تعرفه، والبعد الاستيطاني التوسعي الذي يربط المستوطنين بالمكان عبر "اختراع" إشارات توراتية ولصقها بالأرض باعتبارها "كوشان" ملكية لمكان لا يزال يسكنه الفلسطيني. 

يلعب السياق التاريخي دورًا مهمًا في فهم مجموعة "تجوال حارغافيم" الناشطة هذه الأيام في الضفة الغربية. فقد نشأ تقليد "معرفة البلاد" بين المستوطنين اليهود مع موجة الهجرة الثانية (1904–1914)، ثم تبنّته حركات الشبيبة الصهيونية والمدارس العبرية. من أهم هذه المجموعات كانت مجموعات "ملفات القرى" (بالعبرية: تيكي كفاريم)، ونشطت بين 1940-1947، وكانت مشروعًا لاستخبارات الهاغاناه بمشاركة الصندوق القومي اليهودي، وتضم "مستطلعين" يتخفون بغطاء "الرحلة". قامت المجموعة بتوثيق القرى الفلسطينية من حيث المداخل والموارد والسكان والوجهاء، وهي "معرفة" تم توظيفها مباشرة في حرب 1948. أما رحلات البلماح (1941-1948)، فقد نشطت هي الأخرى في تلك الفترة وكانت رحلاتها رحلات مشي طويلة في أنحاء فلسطين. بعد قيام دولة إسرائيل، ظهرت أيضًا مجموعة رحلات تحمل اسم "إلى الصخرة الحمراء" (المقصود البتراء في الأردن)، حيث تشكلت المجموعة من شبان، خدم بعضهم في وحدة 101 التي أسسها شارون لتتسلل إلى قطاع غزة، لكن المجموعة كانت تعبر إلى الأردن، وتم قتل عدد منهم في أثناء هذه الرحلات التي أطلقوا عليها "التسلّل إلى الأرض الممنوعة".

 في الضفة الغربية، بدأ تقليد "المشي" و"التجوال" الاستيطاني بمبادرة من حركة غوش إيمونيم، التي تأسّست العام 1974. نظّمت الحركة جولات عديدة، شملت محاولات متكرّرة لإقامة بؤر استيطانية في سبسطية بمنتصف السبعينيات. وفي حزيران 1989، خلال الانتفاضة الأولى، أعلنت عن 50 رحلة في يوم واحد لتأكيد أن اليهود يجب أن يتمكّنوا من التنقّل بحرية في كل مكان. وبالتوازي مع هذا النشاط الحركي، انتقل التقليد منذ السبعينيات إلى مستوى مؤسسي، عندما قامت "جمعية حماية الطبيعة" بإقامة مدارس حقلية داخل المستوطنات، كمدرسة كفار عتسيون الحقلية. هنا تحوّلت "معرفة البلاد" من ممارسة حركة شعبية إلى بنية تحتية رسمية ثابتة داخل المشروع الاستيطاني نفسه.

على هذه الأرضية نشأت، منذ نهاية 2007-2008، مجموعات جديدة للمشي والتجوال. أقدمها هي مجموعة "متنزّهو داود وأحيكام"، التي أُسّست تخليدًا لذكرى جنديين قُتلا في أثناء تنزّههما في وادي القف بالقرب من ترقوميا العام 2007 فقرّر أصدقاؤهما العام 2008 تنظيم رحلات دائمة في الضفة، خشية أن يكفّ الناس عن التنزّه فيها بعد الحادثة. وإلى جانبها نشطت مجموعة "رفاق الرحلات"، التي أسّسها عميت أرارات وعميت هورن، والرحلة الوحيدة المتاح معرفتها عن هذه المجموعة في أيلول 2013 عندما نظّمت رحلة من هار براخا (بؤرة) إلى حفات غلعاد (بؤرة)، شارك فيها 101 متنزّه بمرافقة جنود من كتيبة "شاكيد". في العام 2014 ظهرت مجموعة "حارغافيم"، التي بدأت بجولات أسبوعية مغلقة على مؤسسيها الثلاثة، ثم أضافت منذ نحو 2021 جولات عامة مفتوحة للجمهور كل شهرين.

"حارغافيم"

تتكوّن المجموعة من نواة من ثلاثة إسرائيليين. الأول هو عوفر كلارمان من مستوطنة كيدا (تقع بين قريتي المغير وجالود)، وبن تسيون أفرسمون من بؤرة جفعات رونين (تقع بين قريتي روجيب وعورتا)، وشيرئيل حرلاب من مستوطنة مجداليم (إلى الشرق من قرية قصرة). 

تعمل مجموعة "حارغافيم" على مستويين. الأول، جولة يقوم بها الثلاثة كل يوم جمعة منذ العام 2014. ويقولون إنهم خلال اثنتي عشرة سنة وصلوا تقريبًا إلى كل بقعة ممكنة، من خِرَب وجبال، وينابيع، وأشجار، ومغارات. والمستوى الثاني، وقد بدأ العام 2021، هو الجولات "الجماهيرية"، والتي تحصل مرة كل شهرين تقريبًا، وينضم اليها إسرائيليون يقومون بالتسجيل عبر مجموعات فيسبوك وتلغرام وواتساب. 

تُعدّ الجولة التي أطلقت عليها المجموعة اسم "التضامن" الأبرز. حصلت الجولة في سلسلة الجبال جنوب نابلس حيث تقع قرى تل، جت، وصرة، وفيها مقامة بؤرة "حفات غلعاد" المعروفة بعنفها حيث تنطلق منها هجمات إرهابية باستمرار. وحصلت في 31 تموز 2026 بعد نحو أسبوع من الحادثة التي قُتل فيها المستوطنان بنياهو ملط ويوفال عزرا، وشارك فيها نحو 150 شخصًا. وبحسب ما أعلنته المجموعة، فقد تم اختيار المسار لإيصال رسالة باستمرار الاستيطان والتنزّه في أنحاء "يهودا والسامرة". ولا بدّ هنا من التمييز بين هذه الجولة، وجولة أخرى نظّمتها مجموعة المشي "متنزّهو داود وأحيكام" وحصلت في 24 تموز، وانتهت باستشهاد أربعة فلسطينيين، ومقتل إسرائيليَّين قرب قرية تل. 

رحلة أخرى نظمتها مجموعة "حارغافيم" انطلقت في قرية رابا (تقع بين قريتي الزبابدة وبردلة)، وقد وصف منظمو المجموعة هذه الرحلة بأنها "الأكثر جرأة"، لأنها تمر من منطقة واسعة كلها مصنّفة "أ". ويصل المسار بؤرة رعوية بموقع مستوطنة أُخليت عام 2005 ثم أُعيد "إحياؤها". وتقوم المجموعة أيضًا بما تسميه جولات "الاكتشاف الأثري"، أبرزها عندما رأت المجموعة مغارة فلسطينية في جبال سلفيت فنسبتها على الفور إلى فترة الهيكل الثاني، ثم قام د. دفير رافيف، من جامعة بار إيلان، بنشر مقالة "علمية" حول المغارة ونسب "اكتشافها" إلى المجموعة. و"اكتشفت" المجموعة أيضًا نبعة مياه بالقرب من البيرة (من دون أن تعلن موقعها الدقيق)، وتخيلتها على أنها "مغطس طهارة يهودي" وهو، حسب الشريعة اليهودية، ينبوع مياه طبيعي قيل إن اليهود القدماء استخدموه للتطهر من الخطايا. 

يتكثّف الخطاب المعلن للمجموعة في رؤية "إعادة الأقدام اليهودية إلى كل كتلة تراب في أرض إسرائيل"، وفي غاية يلخّصها شيرئيل حرلاب بأن تكون "الأرض كلها لنا". واللافت أن المجموعة تقيس قيمة المسار الذي تسلكه ببعده عن المستوطنات و"الطرق اليهودية"؛ أي أن هدفها توسيع الخريطة الذهنية والجسدية للمستوطن نحو المساحات التي لم تُضمّ بعد.

وتخدم أساليبها هذا الهدف مباشرة. فهي لا تطلب تصاريح من الجيش، بل تكتفي بإبلاغه لأنها ترى أن الجيش ملزم بالاستجابة، وهي غير مضطرة لأخد "إذن". وتبدأ جولاتها قبل الشروق، وفي الظلام عند أطراف القرى، ويقول أعضاؤها إنهم حين ينتبه الفلسطينيون إليهم يكونون قد غادروا. لكن الصورة التي تنشرها المجموعة علنًا لا تخفي وجود قوة واسعة من السلاح والمرافقة العسكرية ومنسّقي أمن المستوطنات وفرق التأهّب الذين يأتون من البؤر المجاورة للمشاركة. وتصفها مجلة +972 الإسرائيلية بأنها مجموعة صغيرة تصل أولًا، ثم "يتعلّم" الجيش أن المنطقة تحتاج إلى تأمين، ثم تلحق مجموعات منظّمة وعائلات، ويتم وضع المسار على منصة "عامود عنان (عامود سحاب)" حتى يصبح جزءًا من البنية الراسخة لحركة الإسرائيليين في المنطقة. وكنا في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" قد نشرنا في أيار 2022 عن منصة "عامود عنان"، وهي تطبيق خرائط وملاحة تفاعلي يوظف السياحة والتجوال لربط الجغرافيا الفلسطينية بالروايات التوراتية. 

"التجوال" الاستيطاني في الضفة الغربية!

تبرز "حارغافيم" بوصفها واحدة من ثلاث مجموعات مركزية في شبكة المشي الاستيطاني، إلى جانب مجموعات مثل "رفاق الرحلات" (وهي أيضًا جماهيرية ومفتوحة "للمهتمين") و"متنزّهي داود وأحيكام" (وهي ربما الأكثر صدامية مع الفلسطينيين). ولا بد من الإضافة أن هذه المجموعات تتلقى دعمًا ورعاية حكومية، وهي تردف في نشاطاتها مسارات مشي وتجوال أوسع تشرف عليها مؤسسة الدولة. 

أهم هذه المسارات هو "مسار كيدم"، أو "مسار إسرائيل الشرقي"، وهو مسار مشي طويل يمتد من الجولان السوري المحتل إلى عمق الضفة الغربية، وقد بدأ إنشاؤه بعيدًا عن أعين الجمهور خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تقوم المدرسة الحقلية في مستوطنة كفار عتسيون بعرض هذا المسار على موقعها بوصفه مسارًا "يربط الأجزاء الشرقية من البلاد وصولًا إلى الخليل". وتدير "مسار كيدم" منظمة تدعى "أشكولوت"، التي تشرف على مراكز جولات استيطانية منها "مدينة داود"، ومركز جولات السامرة، ومركز سوسيا، ومدرشاة الخليل. تتلقى منظمة "أشكولوت" تمويلها من وزارة الاستيطان؛ وقد بحثت الوزيرة أوريت ستروك قضية هذا "المسار" مرتين، في آب 2025 وفي نيسان 2026، تمهيدًا لقرار حكومي.

أما المسار الثاني الذي يجب إبرازه، من بين العديد من المسارات الاستيطانية، فهو ما يسمى بالعبرية "طريق منظر غابة غفاعوت" في "غوش عتسيون"، والذي افتتحه الوزير بتسلئيل سموتريتش في 20 نيسان 2025 بطول 7 كيلومترات. هذا الطريق بدأ كمبادرة من مجلس استيطان غوش عتسيون، ونفذته "مديرية الاستيطان" في وزارة الدفاع وتحت إشراف "الإدارة المدنية". وقد وصفه سموتريتش بأنه حلقة أخرى في "تطبيع الاستيطان" وخطوة مهمة في "الحفاظ على الأرض". 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات