المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 6
  • عبد القادر بدوي

تقدم كتابات إليشع يِيرِد، أحد أبرز قادة التيار الاستيطاني ونشطاء حركة "شبيبة التلال" في الضفة الغربية، تصورًا لاستراتيجية استيطانية تسعى إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية خارج حدود المستوطنات القائمة، والانتقال نحو الأراضي المصنفة "ب" (وفقًا للتقسيم الإداري لاتفاق أوسلو) والأراضي الفلسطينية الخاصة، والمرتفعات الاستراتيجية في عمق الضفة الغربية. ففي سلسلة مقالات نشرها خلال العامين 2025 و2026، يشرح يِيرد توزيع الأدوار بين "المزارع الاستيطانية" ومجموعات التلال، وكيف يمكن لـ "المبادرات الميدانية" تجاوز الحدود التي تضعها المؤسسات الإسرائيلية الرسمية أمام التوسّع الاستيطاني، وفرض وقائع جغرافية جديدة تدفع هذه المؤسسات تدريجيًا نحو قبولها و"شرعنتها".

تكتسب هذه الطروحات أهمية خاصة في ظل التحولات التي شهدتها السياسات الإسرائيلية منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية في أواخر العام 2022، وتولي بتسلئيل سموتريتش صلاحيات واسعة في إدارة الشؤون المدنية والاستيطانية داخل وزارة الدفاع، وإعادة توزيع الصلاحيات في منظومة الحكم العسكري و"الإدارة المدنية"؛ فقد ترافقت هذه التحولات مع اتساع رقعة "شرعنة" المستوطنات و"البؤر" الجديدة، وتصاعد جرائم المستوطنين وتهجير التجمعات الفلسطينية، واستباحة الضفة عسكريًا وتشديد منظومة الحواجز والإغلاقات العسكرية. 

تستعرض هذه المساهمة وتناقش المشروع كما يطرحه يِيرد في سياق هذه التطورات، انطلاقًا من إدراك التكامل بين هذه "المبادرات" الاستيطانية الميدانية والسياسات الحكومية الرامية إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية وإعادة تشكيل الضفة الغربية جغرافيًا وديمغرافيًا.

زيادة عدد المستوطنين خطوة غير كافية! 

في مقال نشره موقع القناة السابعة الإسرائيلية يوم 13 تشرين الثاني 2025، بعنوان "التلال والمزارع وما بينهما: ترتيب خريطة الاستيطان"، يستعيد يِيرد خلافًا تاريخيًا داخل الحركة الاستيطانية حول الأولوية بين التوسّع السكاني (زيادة أعداد المستوطنين) والسيطرة الجغرافية، فقد تبنّت قيادة الحركة الاستيطانية التقليدية، وفي مقدمتها حركة "أماناه" الاستيطانية، توجهًا يركز على زيادة عدد المستوطنين وتوسيع المستوطنات القائمة، انطلاقًا من أن تكوين كتلة سكانية يهودية كبيرة سيجعل الانسحاب الإسرائيلي من الضفة أكثر صعوبة مستقبلًا، وفي المقابل، اعتبر مؤسسو "شبيبة التلال" أن تركيز المستوطنين داخل تجمعات محاطة بالأسوار سيؤدي، مهما بلغ عددهم، إلى تحويل المستوطنات إلى جيوب منفصلة داخل مجال فلسطيني متصل جغرافيًا.

يلخص يِيرد هذا الخلاف في سؤال حول الأولوية لعدد الدونمات أو عدد المستوطنين، معتبرًا أن السيطرة الفعلية على الأرض تتطلّب انتشارًا يتجاوز الحدود العمرانية للمستوطنات، إذ يستعيد المراحل الأولى لنشوء "شبيبة التلال"، ومحاولاتها إقامة "البؤر" خارج أسوار المستوطنات، والصدامات المتكررة مع السلطات الإسرائيلية التي عملت على إخلاء كثير منها، وبحسب روايته، بدأت هذه المعادلة بالتغيّر تدريجيًا مع اتساع التأييد للمجموعات الاستيطانية، وتزايد قدرتها على فرض وجود ميداني مستمر.

ويمنح يِيرد الأولوية للمساحة الجغرافية التي يستطيع المستوطنون التحكم فيها؛ فالانتشار بواسطة "البؤر" و"المزارع"- كما يطرح- يسمح بالسيطرة على نطاق أكبر بكثير من المساحة التي تشغلها التجمّعات الاستيطانية نفسه. وتبرز أهمية هذا التصور عند النظر إلى التوسع الكبير لـ "المزارع الرعوية" الاستيطانية، إذ كشف تقرير مشترك لمنظمتي "كيرم نافوت" و"السلام الآن"، نُشر في نيسان 2025، عن سيطرة المستوطنين بواسطة "البؤر الرعوية" على نحو 786 ألف دونم، تعادل 14% من مساحة الضفة الغربية، ويوضح التقرير أن هذه السيطرة اعتمدت على الانتشار الرعوي وإبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم والاعتداءات على التجمعات المجاورة، إلى جانب الدعم الحكومي الذي شمل الحماية والتمويل والبنى التحتية.

تنسجم هذه النتائج مع تصور يِيرد بشأن السيطرة على المناطق المفتوحة، حيث تستطيع مجموعات صغيرة من المستوطنين التحكم في آلاف الدونمات المحيطة بـ "البؤرة" والتأثير في قدرة الفلسطينيين على استخدامها للزراعة والرعي، غير أنه يعتبر أن نجاح المزارع الاستيطانية في التوسع داخل المنطقة (ج) يفرض الانتقال إلى مرحلة جديدة، تستهدف المناطق التي لا تزال خارج نطاق "النشاط الاستيطاني المقبول" لدى المؤسسة الرسمية الإسرائيلية.

"شبيبة التلال" وتوسيع "حدود الاستيعاب" لدى المنظومة الإسرائيلية

يقدم يِيرد في مقاله المذكور مفهومًا مركزيًا لفهم العلاقة بين مجموعات التلال والمؤسسات الرسمية، وهو "حدود الاستيعاب لدى المنظومة" ويقصد به الحدود التي تقبل المؤسسات الإسرائيلية النشاط الاستيطاني ضمنها، سواءً عبر الموافقات الرسمية أو التغاضي عن بعض الممارسات الميدانية، ويعتبر أن هذه الحدود اتسعت خلال العقد الأخير، نتيجة استمرار "شبيبة التلال" في إقامة "البؤر" بالرغم من عمليات الإخلاء، وتزايد الدعم السياسي والشعبي الذي تحظى به، وتغيّر مواقف جهات داخل المؤسسة الأمنية تجاه نشاطها.

ويعرض يِيرد تسلسلًا يبدأ برفض السلطات الإسرائيلية إقامة "البؤر" خارج أسوار المستوطنات، ثم التساهل مع النقاط القريبة منها، قبل الانتقال إلى قبول "البؤر" المقامة على "أراضي الدولة" والأراضي التي تخضع لعمليات المسح، وصولًا إلى السماح بأنشطة استيطانية أوسع داخل المنطقة (ج)، ويذهب إلى أن حدود الاستيعاب الرسمية بدأت تقترب من قبول بعض البؤر داخل المنطقة (ب)، شريطة تجنّب الاحتكاك المباشر مع الفلسطينيين.

تنبع أهمية هذه القراءة من توزيع الأدوار الذي يقترحه يِيرد بين الفاعلين الاستيطانيين، فالمزارع الاستيطانية التي تعمل بالتنسيق مع المؤسسات الرسمية تستفيد من اتساع نطاق الموافقات، وفي الوقت نفسه، تتولّى "شبيبة التلال" إقامة بؤر في المناطق التي لا تزال السلطات الإسرائيلية ترفض السماح بالاستيطان فيها، كما ويعتبر أن استمرار هذه المجموعات في دفع حدود النشاط الاستيطاني إلى الأمام، إلى جانب استقطاب جهات متعاطفة داخل المؤسسة الأمنية، يتيح للمزارع الاستيطانية المعترف بها توسيع نشاطها والحصول على موافقات إضافية، وهكذا.

وضمن هذا التصور، يمنح يِيرد "البؤر الاستيطانية غير المرخصة" وظيفة تتجاوز السيطرة المباشرة على الأراضي التي تقام فوقها؛ إذ ينظر إليها باعتبارها وسيلة لتغيير حدود السياسة الرسمية نفسها، وذلك من خلال إقامة نقاط استيطانية في مناطق جديدة، ومحاولة تثبيتها رغم عمليات الإخلاء، حيث تسعى المجموعات إلى جعل النشاط الذي ترفضه السلطات اليوم جزءًا من الممارسات التي يمكن قبولها لاحقًا. وعلى الرغم من انتقاداته لحركة "أماناه" وبعض رؤساء "المجالس الاستيطانية" في الضفة بسبب محاولاتهم منع إقامة "بؤر" خارج المناطق التي تحظى بالموافقة الرسمية، يؤكد يِيرد وجود تعاون بين التيارات المختلفة داخل الحركة الاستيطانية، ويعكس ذلك تباينًا حول وسائل التوسع وحدوده العملية، في الوقت الذي تشترك فيه هذه التيارات في هدف تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأرض ومصادرتها.

استراتيجية استيطانية في ضوء تحولات بنيوية 

تكتسب استراتيجية يِيرد أهمية إضافية عند وضعها في سياق التغييرات التي أدخلتها الحكومة الإسرائيلية الحالية على إدارة الضفة الغربية، حيث وسعت الصلاحيات المدنية والسياسية المرتبطة بالاستيطان على حساب البنية التقليدية للحكم العسكري. ففي العام 2023، منح الاتفاق الذي وقعه وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت وسموتريتش هذا الأخير صلاحيات واسعة في الشؤون المدنية والاستيطانية، وأتاح إنشاء "إدارة الاستيطان" داخل وزارة الدفاع، تحت مسؤوليته، وشملت صلاحياتها التخطيط والبناء، وتسوية أوضاع البؤر، وتخصيص الأراضي والإنفاذ في المنطقة (ج).

وقد تعمّقت هذه التحولات خلال العام 2024، عندما تولى هليل روث، المقرّب من سموتريتش، منصب "نائب رئيس الإدارة المدنية"، وحصل على صلاحيات واسعة في إدارة الأراضي والتخطيط والبناء والإنفاذ، كما نقلت السلطات صلاحيات استشارية قانونية تتعلق بالاستيطان والأراضي إلى جهات مدنية داخل وزارة الدفاع. وقد وثق تقرير لـ "منتدى السياسة الإسرائيلية" في تموز 2024 هذه التغييرات، موضحًا أنها نقلت أجزاء واسعة من إدارة الضفة إلى جهات سياسية مدنية، بما يتيح تسريع التخطيط الاستيطاني وتقليص مستويات الرقابة السابقة عليه من المستوى العسكري.

تبرز أهمية هذه التغييرات عند مقارنتها بمفهوم "حدود الاستيعاب" الذي يطرحه يِيرد، إذ شهدت المؤسسات الرسمية نفسها تحولًا في الصلاحيات والأولويات، وأصبحت "إدارة الاستيطان" خاضعة بصورة أكبر لجهات سياسية تتبنّى توسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة، وقد انعكس ذلك في القرارات الحكومية اللاحقة؛ حيث أشارت معطيات حركة "السلام الآن" إلى أن العام 2025 شهد إقرار الحكومة إقامة 54 مستوطنة جديدة أو الاعتراف بها ("شرعنة")، شملت "تسوية أوضاع بؤر قائمة وإنشاء مستوطنات إضافية"، فيما شهدت الضفة إقامة 86 بؤرة استيطانية، بينها 58 مزرعة رعوية.

وتكشف هذه القرارات عن تقاطع مباشر بين أهداف الحكومة والمشروع الذي طرحه يِيرد، وخصوصًا توسيع الانتشار الاستيطاني في المناطق المفتوحة وربط المستوطنات وتعزيز السيطرة على الأرض، فيما يظهر الاختلاف فقط في نطاق المناطق المستهدفة، إذ يسعى يِيرد إلى تجاوز الحدود التي لا تزال الحكومة والمؤسسة العسكرية تفرضانها، من خلال نقل البؤر إلى المنطقتين (أ) و (ب) والأراضي الفلسطينية الخاصة.

استيطان المنطقة (ب) ومعركة المرتفعات الاستراتيجية

يحدّد يِيرد في مقاله المنشور في تشرين الثاني 2025 المجال الجغرافي الذي ينبغي أن تتجه إليه "شبيبة التلال"، معتبرًا أن "المزارع المعترف بها" أصبحت قادرة على إدارة التوسّع في "أراضي الدولة" داخل المنطقة (ج)، وأن المرحلة التالية- بحسبه- تقتضي تركيز الجهود على المنطقة (ب) والأراضي الفلسطينية الخاصة، حيث ينطلق من قراءة للتوزيع الجغرافي للمناطق المصنفة (أ) و(ب) و(ج)، معتبرًا أن المنطقة الجبلية الوسطى في الضفة تضم مساحات واسعة لا تستطيع المجموعات الاستيطانية الوصول إليها ضمن حدود القبول الرسمي القائم.

وعليه، يقول يِيرد إن "مجموعات التلال" قررت خلال العامين السابقين لمقاله تركيز جهودها على اختراق هذه الحدود، وبدأت إعداد خرائط للمناطق المستهدفة، وصياغة خطط لإقامة "بؤر جديدة" وتحقيق التواصل الجغرافي بينها، وتشكيل مجموعات قادرة على تنفيذها، ووفق الأرقام التي يوردها، فقد أقامت مجموعاته سبع نقاط استيطانية خلال أربعة أشهر، ونحو عشر نقاط داخل المنطقة (ب) خلال عامين.

وتدعم التحقيقات الإسرائيلية وجود توسع استيطاني فعلي في هذه المناطق؛ فقد كشف تحقيق نشر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" في أيلول 2026، عن إقامة 23 بؤرة استيطانية على الأقل داخل المنطقة(ب)، وبؤرة أخرى داخل المنطقة (أ) خلال العامين السابقين، وقدّر التحقيق المساحة التي تسيطر عليها هذه النقاط أو تؤثر فيها بنحو مائة ألف دونم، مشيرًا إلى أن بعض هذه البؤر تعود إلى النشاط فور انتهاء عمليات الإخلاء التي ينفذها الجيش والشرطة في حالات نادرة.

تكتسب هذه التوجهات أهمية خاصة في ضوء المساعي الحكومية لتوسيع الصلاحيات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، التي شملت خلال العام 2026 إجراءات تتعلق بتسجيل الأراضي وشرائها والإنفاذ في المنطقتين (أ) و(ب)، وتوفر هذه التطورات سياقًا لفهم الدعوات التي طرحها يِيرد في مقال نشره في 23 نيسان 2026 بعنوان "حان الوقت للتخلص من تقسيم المناطق (أ) و(ب) و(ج)"، إذ دعا إلى تجاوز هذه التصنيفات باعتبارها قيودًا تحول دون استكمال السيطرة الإسرائيلية على الضفة، كما أشاد فيه بما أسماه "الثورة" التي يقودها سموتريتش وفريقه، ويرى أن قرارات الحكومة أحدثت تغييرًا في خريطة انتشار المستوطنات، خصوصًا في شمال الضفة الغربية، مؤكدًا على ضرورة استكمال هذه الخطوات بالاستيطان الفعلي في المناطق المصنفة (أ) و(ب) بما يسمح بتحويل المستوطنات من جيوب منفصلة إلى كتل متصلة جغرافيًا.

ويطور يِيرد هذا التصور في سلسلة مقالات نشرها في مجلة "عولام كتان ("عالم صغير")" خلال الأشهر الأخيرة من العام الجاري (2026)، تناول فيها "الصراع على قمم الجبال والمرتفعات الاستراتيجية"؛ ففي المقال الأول، المنشور في آب بعنوان "من يسيطر على الجبل يسيطر على الأرض"، يتناول ما يعتبره مشروعًا فلسطينيًا للسيطرة على المرتفعات، ويستعيد مبادرة هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية لحماية قمم الجبال من التوسع الاستيطاني، والتي شملت، وفق روايته، 17 قمة جبلية. ويعتبر يِيرد أن أهمية هذه المواقع تتجاوز مساحة الأراضي التي تقع عليها، بالنظر إلى قدرتها على التحكم في المناطق المحيطة بها والطرق التي تمر بالقرب منها، ولذلك، يدعو إلى منح السيطرة على المرتفعات أولوية خاصة في التخطيط الاستيطاني، ويرى أن استمرار الوجود الفلسطيني فيها يحد من قدرة المستوطنين على توسيع انتشارهم وربط المستوطنات والبؤر بعضها ببعض.

أما المقال الثاني، المنشور في أيلول، فيطرح فيه يِيرد الانتقال إلى مرحلة جديدة تستهدف المرتفعات الواقعة في عمق الضفة الغربية، حيث يقدم في المقال قائمة بعشرة مواقع يعتبر السيطرة عليها ضرورية لتعزيز السيطرة الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن بعض هذه المواقع يقع داخل المنطقتين (أ) و(ب)، وأخرى على الحدود الفاصلة بينهما وبين المنطقة (ج)، ويرفض التعامل مع هذه التصنيفات بوصفها حدودًا ينبغي أن تقيد النشاط الاستيطاني.

تظهر أهمية هذه المقاربة في المشروع الذي كشفه تحقيق "يديعوت أحرونوت" بشأن مساعي يِيرد ومجموعاته لإقامة سلسلة بؤر تربط مستوطنة "يتسهار" بمستوطنة "عمانوئيل" عبر المواقع الواقعة في محيط وادي قانا، حيث يستهدف هذا المشروع إضعاف التواصل الجغرافي الفلسطيني، من خلال إقامة نقاط استيطانية متتابعة داخل مناطق زراعية يستخدمها الفلسطينيون، في مقابل تحقيق "تواصل استيطاني" يحقق هدفي السيطرة على الأرض وتهجير أصحابها.

التكامل بين جرائم المستوطنين والاستباحة العسكرية للجيش

تتداخل الطروحات التي يقدمها يِيرد مع التحولات التي شهدتها الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وخصوصًا تصاعد جرائم المستوطنين وتهجير التجمعات الرعوية الفلسطينية، وتشديد القيود العسكرية على الحركة والتنقّل والوصول إلى الأرض (كما يحدث في الأيام الحالية)، وتسمح هذه التحولات بفهم الظروف الميدانية التي يتقدم ضمنها المشروع الاستيطاني، ومدى إسهامها في توسيع السيطرة الاستيطانية على المناطق المفتوحة في الضفة.

وبحسب تقرير "كيرم نافوت" و"السلام الآن"، ارتبط انتشار المزارع الاستيطانية بممارسات تستهدف إبعاد الفلسطينيين عن الأراضي الزراعية والرعوية، عبر المضايقات والتهديدات والاعتداءات المتكررة، وصولًا إلى تهجير تجمعات فلسطينية كاملة، كما يكشف التقرير عن أن 35.8% من الأراضي التي شملتها السيطرة عبر "البؤر الرعوية" تقع ضمن الأراضي الفلسطينية الخاصة وفق خرائط "الإدارة المدنية" الإسرائيلية، وهو ما يظهر دور "العنف" في تغيير أنماط استخدام الأرض، حيث يؤدي استمرار الاعتداءات والتهديدات إلى تراجع النشاط الزراعي والرعوي، ويضعف قدرة التجمعات الفلسطينية الصغيرة على البقاء.

في حالة وادي قانا، يقدم تحقيق "يديعوت أحرونوت" مثالًا مباشرًا على التداخل بين المشروع الاستيطاني الذي يقدّمه يِيرد والاعتداءات والجرائم التي ينفّذها المستوطنون؛ حيث نقل التحقيق شهادات لمزارعين فلسطينيين عن تهديدات واعتداءات شملت تخريب أشجار الزيتون ومحاولات إبعادهم عن أراضيهم، كما نقل اتهامات مباشرة إلى يِيرد بتهديد مزارعين فلسطينيين في المنطقة، بالتزامن مع تقدم مشروع إقامة البؤر الذي يروّج له. 

من ناحية ثانية، تتعزز آثار هذه الممارسات بفعل حالة الاستباحة العسكرية للضفة الغربية، فقد وثّقمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تقرير صدر في نيسان 2026، وجود 925 عائقًا (حاجز وبوابة) يقيد حركة الفلسطينيين حتى كانون الأول 2025، بزيادة بلغت 43% على المتوسط السنوي خلال العقدين السابقين، وتشمل هذه العوائق الحواجز الدائمة والجزئية والبوابات والسواتر الترابية، فيما تعرقل 459 منها الوصول بين البلدات الفلسطينية والطرق الرئيسية، ويؤثر 121 عائقًا في الوصول إلى الشارع الاستيطاني رقم 60.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية عند ربطها بتصور يِيرد للسيطرة على الفضاء العام (استيطان الفضاء العام)، وخصوصًا دعوته إلى إقامة بؤر استيطانية على المرتفعات المشرفة على الطرق الرئيسية، حيث تناول هذا الأمر في مقاله المنشور في تشرين الثاني 2025، استعرض فيه أهمية السيطرة على الجبال المحيطة بشارع 60 الاستيطاني في وسط الضفة الغربية، ويربط ذلك بمنع توسع التجمعات الفلسطينية بمحاذاة الطريق، وتحقيق التواصل الجغرافي بين الكتل الاستيطانية.

إلى جانب ذلك، تظهر الصلة المؤسسية بين الإغلاق العسكري والتوسع الاستيطاني في القرارات الحكومية المعلنة، ففي بيان مشترك صدر عن نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس في 24 تموز 2026، أعلنت الحكومة إجراءات شملت تعزيز انتشار الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، والفصل بين مسارات الحركة وإقامة الحواجز، إلى جانب تسريع "شرعنة" المزارع الاستيطانية وإقامة مزارع استيطانية جديدة، حيث تجمع في حزمة إجراءات حكومية واحدة بين تعزيز السيطرة العسكرية وتوسيع النشاط الاستيطاني. وهو ما يكشف عن التداخل، والعلاقة المتزايدة بين إعادة هندسة الحركة الفلسطينية وتوسيع الانتشار الاستيطاني، ضمن سياسة إسرائيلية رسمية وغير رسمية تمنح السيطرة الأمنية والجغرافية أولوية متقدمة، كما يوسع نطاق الظروف التي تستطيع المجموعات الاستيطانية الاستفادة منها والعمل ضمنها، خصوصًا في المناطق التي يفرض فيها الجيش قيودًا حازمة على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم مع استمرار وتصاعد جرائم المستوطنين التي تتسع رقعتها في الأسابيع الأخيرة. 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات