أثارت حادثة رحلة "فلاي دبي FZ1073" في يوم 30 أيلول 2026 نقاشًا واسعًا في إسرائيل حول بنية حماية الرحلات الأجنبية المتجهة إليها. وكانت الرحلة تقل نحو 166 إسرائيليًا من أصل 174 راكبًا في طريقها من دبي إلى مطار بن غوريون، قبل أن تشهد قمرة القيادة اشتباكًا بين قائد الطائرة ومساعده؛ ما أدى إلى تحويل مسارها والهبوط اضطراريًا في السعودية. في 3 تشرين الأول أعلنت النيابة العامة الإماراتية أن التحقيقات أظهرت شروع مساعد الطيار في "تنفيذ عمل إرهابي" مع استمرار التحقيق في دوافعه وصلاته المحتملة.
في ضوء ذلك، اتسع النقاش في إسرائيل بعدما تبين أن بيانات طاقم الطائرة وصلت إلى المنظومات الإسرائيلية قبل الإقلاع من دون أن تقود إلى فحص أمني أو استخباراتي. وسرعان ما تجاوز الجدل تفاصيل الحادثة إلى مسألة أوسع تتعلق بتوزيع المسؤوليات وتحديد الجهة التي يفترض أن تتولى فحص أطقم شركات الطيران الأجنبية، بين وزارة المواصلات وجهازي الموساد والشاباك وشركات الطيران والدول التي تنطلق منها الرحلات.
وكشفت الحادثة حتى الآن عن أن مشكلة أمن الرحلات الأجنبية في إسرائيل لا ترتبط بنقص المعلومات وحده، وإنما تتصل أيضًا بالفجوة بين توافر البيانات والقدرة الاستخباراتية وصلاحية اتخاذ القرار الأمني.
تحاول هذه المساهمة استعراض ما أثارته الحادثة من نقاش حول بنية أمن الطيران في إسرائيل، وتحديد أدوار الجهات المختلفة وحدود صلاحياتها، إلى جانب بحث الثغرات التي كشفتها والتغييرات التي قد تطرأ على آليات فحص الرحلات الأجنبية وطواقمها وعلى منظومة أمن الطيران الإسرائيلي بصورة أوسع.
أدوار الشاباك والموساد في أمن الطيران
يشغل جهاز الأمن العام (الشاباك) موقعًا مركزيًا في منظومة أمن الطيران؛ إذ يوضح تقريرمراقب الدولة للعام 2003 أن قسم الأمن في الشاباك يمثل الجهة المهنية المتخصصة في مجال الأمن داخل الجهاز، وأنه يتولى التوجيه المهني للجهات العاملة في الطيران والملاحة البحرية والبعثات الإسرائيلية في الخارج، فيما تتولى وحدة متخصصة داخله توجيه منظومات الأمن في هذه القطاعات؛ بهدف منع الهجمات على الأهداف المؤمّنة داخل إسرائيل وخارجها. ويحدّد التقرير بصورة مباشرة شركات الطيران الإسرائيلية ضمن الجهات التي تخضع لهذا التوجيه.
وبذلك يمكن تقسيم دور الشاباك في أمن الطيران إلى ثلاثة مستويات مترابطة، وهي:
الأول، وضع التصور المهني والتعليمات الأمنية؛ من خلال تحديد التهديدات ومتطلبات الحماية والمعايير المهنية التي ينبغي للجهات المعنية تطبيقها.
الثاني، الرقابة المهنية واختبار التزام الجهات المنفذة بالمعايير، إذ يشير تقرير مراقب الدولة إلى أن الشاباك يحدد المعايير الأمنية ويراقب تطبيقها، فيما تتولى الجهات المؤمّنة جزءًا كبيرًا من التنفيذ العملي.
الثالث، المساهمة الاستخباراتية في كشف التهديدات ومنعها قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ.
وقد أكد التقرير أن حماية الطيران لا يمكن أن تعتمد فقط على دراسة الهجمات التي وقعت سابقًا وتعديل الإجراءات بعدها، لأن هذا الأسلوب يبقى رد فعل على تهديد حدث بالفعل. وشدد التقرير على الحاجة إلى معلومات استخباراتية تحذيرية ومحددة تكشف مسبقًا نوايا تنفيذ هجمات محتملة.
يؤكد تقرير مراقب الدولة الصادر في أيار 2024 استمرار هذا البناء متعدد المؤسسات، إذ تناولت الرقابة أمن الرحلات المغادرة من إسرائيل والطيران الإسرائيلي في الخارج والطائرات المدنية الأجنبية والخاصة الداخلة إلى المجال الجوي الإسرائيلي وأجريت الرقابة الأساسية لدى الشاباك وقسم الأمن في "إل عال"، ووزارة المواصلات وسلطة المطارات ومجلس الأمن القومي مع استفسارات لدى الموساد والشرطة وسلطة الطيران المدني وجهات أخرى.
إلا أن مراقب الدولة أوصى بإعادة فحص وتنظيم المسؤولية عن أمن الطيران على المستوى الحكومي بمشاركة هذه الجهات؛ لأن بعض القرارات التي تنظم القطاع تعود إلى سبعينيات القرن العشرين. وهذا يعني أن المسؤولية موزعة وظيفيًا بين أجهزة متعددة فيما يحتفظ الشاباك بموقع مركزي في التقييم الأمني، ووضع المعايير والتعليمات والرقابة المهنية وإدماج المعلومات الاستخباراتية في إجراءات الحماية.
يُظهر بيان أصدره الشاباك ووزارة الخارجية في 6 آذار 2026 أن دور الجهاز قد يمتد، وفق مستوى التهديد، من التوجيه وتوفير المعلومات إلى دعم إجراءات حماية عملياتية وميدانية. فقد أعلن الطرفان رفع جاهزية منظومات الحماية الإسرائيلية في الخارج، وتنفيذ تدريبات وإجراءات لمواجهة سيناريوهات استثنائية، وتعزيز سرعة الاستجابة والإخلاء والتنسيق مع أجهزة الأمن المحلية.
فيما يتعلق بالطيران، أشار البيان إلى تعزيز إجراءات أمنية علنية وسرية حول أهداف مرتبطة بالطيران، واستخدام وسائل تقنية لمراقبة التهديدات وكشفها، وزيادة الوجود الأمني في مناطق تجمع الإسرائيليين، بما فيها مناطق الانتظار المرتبطة بالرحلات الإسرائيلية. ويشير ذلك إلى أن دور الشاباك، في حالات التهديد المرتفع، يجمع بين التقييم الاستخباراتي والتوجيه المهني والمشاركة في تعزيز تدابير الحماية الميدانية، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والجهات الأمنية المعنية.
أما فيما يتعلق بجهاز الموساد فقد يرتبط دوره بالجانب الاستخباراتي الخارجي المتعلق بالتهديدات التي قد تمس الرحلات الأجنبية، ويتيح له قانون المركز الوطني لتشخيص بيانات المسافرين إنشاء فرع مرتبط بقاعدة بيانات المسافرين وأفراد أطقم الطيران والوصول إلى المعلومات الموجودة فيها.
في هذا السياق، قالت وزيرة المواصلات الإسرائيلية ميري ريغف إن توزيع المسؤولية الاستخباراتية يضع الرحلات الأجنبية ضمن نطاق الموساد، مقابل مسؤولية الشاباك عن الرحلات الإسرائيلية والمستأجرة. ومع ذلك، لا يفرض القانون على الموساد فحص كل قائمة ركاب أو أفراد طاقم بصورة فردية قبل كل رحلة، ويمنحه صلاحية الوصول إلى البيانات واستخدامها في إطار مهامه الاستخباراتية.
يمكن أن يتسع دور الموساد - عند وقوع حادثة أمنية مرتبطة برحلة أجنبية - إلى جمع المعلومات من الخارج والتنسيق المباشر مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية المعنية بالتحقيق. كما في حادثة "فلاي دبي"، إذ أفاد موقع واللا بأن الموساد أقام اتصالًا مباشرًا مع نظرائه في الإمارات والسعودية للحصول على المعلومات المرتبطة بالقضية، فيما عمل إلى جانب الشاباك وشعبة الاستخبارات العسكرية على بناء صورة استخباراتية كاملة حول مساعد الطيار، وفحص ما إذا كان قد تصرف بمفرده أو ارتبط بجهة أو شبكة أوسع إلى جانب البحث عن أفراد داخل قطاع الطيران يحملون خصائص مشابهة.
"أوفيك": أمن الطيران الإسرائيلي
تعتبر "أوفيك" منظومة أمنية حكومية إسرائيلية مسؤولة عن إحباط الهجمات التي قد تستهدف ركاب شركات الطيران الإسرائيلية في الخارج. وتعمل بالتعاون مع منظومات الأمن المحلية، بالاعتماد على أفرادها المنتشرين حول العالم وقدراتها العملياتية والتكنولوجية المتقدمة والملائمة لطبيعة التهديدات. وتركز مهمتها على منع الأنشطة التي قد تهدد ركاب شركات الطيران الإسرائيلية بما يتيح تشغيل الرحلات الإسرائيلية بصورة آمنة.
وتعود جذور المنظومة إلى العام 1972، بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت الطيران الإسرائيلي. ويشير التعريف الرسمي لـ"أوفيك" إلى أنه عقب اختطاف رحلة "إل عال" رقم 426 العام 1968 وأولمبيادة ميونيخ العام 1972، قررت رئيسة الحكومة الإسرائيلية آنذاك غولدا مئير إنشاء منظومة لحماية الأهداف الإسرائيلية في الخارج، بما يشمل الطيران والملاحة البحرية والمباني والمؤسسات، واستندت مهام المنظومة وصلاحياتها إلى قرار الحكومة رقم 231. ومع مرور السنوات توسع نشاطها من التركيز على رحلات "إل عال" إلى تقديم خدمات أمنية لجميع شركات الطيران الإسرائيلية التي تعمل من الخارج باتجاه إسرائيل.
وترتبط "أوفيك" تشغيليًا بمنظومة أمن الطيران التابعة لـ"إل عال"، بينما تعمل مهنيًا وفق التعليمات والمعايير الأمنية التي يضعها الشاباك. وتعرف "إل عال" نفسها على أنها اليوم شركة عامة مدرجة في بورصة تل أبيب وتسيطر عليها شركة "كنفي نشريم للطيران"، فيما تحتفظ الدولة بسهم خاص يمنحها حقوقًا تتصل بالمصالح القومية والأمنية.
"مملات": مركز عمليات أمن الطيران
يشكّل "مملات" (وهو اختصار لـ"مركز عمليات أمن الطيران")، أحد المكونات التشغيلية في منظومة الأمن التابعة لوزارة المواصلات الإسرائيلية ضمن قسم الأمن والطوارئ والسايبر، ويؤدي دور "البوابة الأمنية" للرحلات الأجنبية. ويعمل المركز ضمن إطار أوسع تتولى فيه الوزارة وضع وتطوير وتكييف ترتيبات الأمن الخاصة بخدمات النقل الجوي؛ بهدف مواجهة التهديدات المرتبطة بحركة الطيران من إسرائيل وإليها.
وتحدد وزارة المواصلات ضمن صلاحيات قسم الأمن إجراء تشخيص أمني للرحلات الأجنبية التي تعبر إسرائيل أو تصل إليها وإصدار تعليمات أمنية لشركات الطيران وفق توزيع المسؤوليات، إضافة إلى إجراء تشخيص أمني للعاملين في المهن الجوية. وتوضح مناقصة الوزارة الخاصة بإدارة "مملات" أن المركز يعمل على مدار الساعة في متابعة الطائرات التي تطلب دخول المجال الجوي الإسرائيلي، ودعم وحدات التحقق الأمني، وتعميم التعليمات والإجراءات والمعلومات الاستخباراتية الصادرة عن الجهات المختصة.
كما تشمل مهام المركز تقديم إحاطات لأطقم الطيران وشركات الطيران، والتحقق من صحة طلبات وصول الطائرات إلى مطار بن غوريون والتنسيق المستمر مع سلطة المطارات وسلاح الجو والجهات الأمنية إلى جانب متابعة تنفيذ الترتيبات الأمنية المتعلقة برحلات شركات الطيران الأجنبية من إسرائيل وإليها.
"ملان": المركز الوطني لتشخيص بيانات المسافرين
أُنشئ "ملان" وهو "المركز الوطني لتشخيص بيانات المسافرين" بموجب قانون أقره الكنيست الإسرائيلي العام 2023 ودخل حيز التنفيذ في نيسان من العام نفسه. ويلزم القانون شركات الطيران بنقل بيانات المسافرين وأفراد الأطقم في الرحلات الداخلة إلى إسرائيل والخارجة منها والعابرة لها، وتشمل المعلومات الاسم، وتاريخ الميلاد، والجنس والجنسية، ورقم جواز السفر، والدولة التي أصدرته. ويجيز القانون استخدام هذه البيانات لأغراض من بينها منع الإرهاب وإحباطه وأمن الطيران المدني.
ويتيح القانون لوزارة المواصلات وسلطة الضرائب، وسلطة السكان ووزارة الصحة طلب معلومات من "ملان" وإجراء استعلامات أو تقييمات استنادًا إلى البيانات المخزنة فيه بما يتيح لكل جهة استخدامها ضمن مجال مسؤوليتها. ويعمل المركز بهذا المعنى كمنظومة مركزية لتجميع بيانات السفر وإتاحتها للجهات المخولة قانونًا.
كما يسمح القانون للشاباك والموساد والشرطة بالوصول المباشر إلى بيانات "ملان" عبر فروع مخصصة داخل أجهزتها. لكن وجود هذه الصلاحية لا يعني أن هذه الجهات ملزمة بفحص كل راكب أو فرد من أفراد الطاقم بصورة فردية قبل كل رحلة. فالقانون يحدد حق الوصول إلى المعلومات واستخدامها، بينما تحدد الإجراءات الداخلية وتقسيم المسؤوليات متى تُفحص البيانات ومن الجهة التي تتولى ذلك وما الحالات التي تستدعي تدقيقًا أمنيًا إضافيًا.
سلطة المطارات والطيران المدني
أما سلطة المطارات الإسرائيلية فتتولى مهام أمن المطارات والمنشآت والطائرات الموجودة داخل نطاق إدارتها، وتشمل مهامها فحص الركاب والأمتعة وحماية ساحات الطائرات والمناطق المقيدة ومراقبة الدخول إلى المنشآت الحساسة. بينما تتولى سلطة الطيران المدني مهام تنظيم قطاع الطيران المدني والإشراف على سلامته، ومنح التراخيص والموافقات، ومراقبة التزام شركات الطيران بالقوانين والتعليمات، كما تجري عمليات تفتيش ميدانية على الطائرات والشركات الأجنبية وتتعاون مع سلطات الطيران في الدول الأخرى.
هل تعيد حادثة "فلاي دبي" تشكيل أمن الطيران ؟
كشفت حادثة "فلاي دبي" عن أن إسرائيل لا تطبق على الشركات الأجنبية نموذج الحماية نفسه الذي تطبقه على شركات الطيران الإسرائيلية عبر منظومة "أوفيك"، وأنها اعتمدت بدرجة كبيرة على التزام الشركات الأجنبية بالتعليمات الأمنية والمعلومات التي تقدمها مسبقًا. وفي المقابل، قالت وزارة المواصلات إن قسم الأمن لديها لا يملك قدرات استخباراتية تسمح له بفحص خلفيات آلاف الطيارين وأفراد الطواقم، بينما رفض جهاز الموساد اعتبار الفحص الروتيني لكل طاقم أجنبي جزءًا من مهمته المباشرة.
دفعت حادثة "فلاي دبي" إسرائيل إلى إدخال تغييرات أولية على إجراءات أمن الرحلات الأجنبية. ففي الأول من تشرين الأول، أصدرت وزارة المواصلات تعليمات طارئة للشركات الأجنبية بشأن تشغيل أفراد أطقم من دول لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في خطوة جاءت بعد الحادثة بيوم واحد. حيث كشف موقع "كالكاليست"، استنادًا إلى جلسة سرية للجنة الفرعية للاستخبارات في الكنيست، أن نحو 1,240 من أفراد أطقم الطيران القادمين من دول لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دخلوا إليها خلال العام الأخير من بينها سورية وعُمان ولبنان، فيما أقر ممثل وزارة المواصلات بأنه لم يكن على علم بهذا الرقم.
أما التغييرات الأوسع فما زالت قيد البحث؛ فقد طُلب من مجلس الأمن القومي بالتعاون مع الشاباك والموساد إعداد قائمة بالدول المصنفة عالية الخطورة على أن ترسل بيانات أفراد الأطقم المرتبطين بها قبل الرحلة بنحو 48 ساعة لفحصها والحصول على موافقة أمنية. بالإضافة إلى ذلك، تعمل وزارة المواصلات مع مجلس الأمن القومي على إنشاء آلية تمنح أفراد الأطقم الأجنبية تأشيرة مؤقتة ولمرة واحدة بعد استكمال الموافقات المطلوبة.
تشمل المقترحات أيضًا توسيع التدقيق المسبق في خلفيات الطيارين وأفراد الطواقم، بما يشمل الجنسية وسجل السفر والعمل وأي معلومات أمنية أو استخباراتية متاحة إلى جانب متابعة مؤشرات التطرف أو الارتباط بجهات معادية، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الدول وشركات الطيران. أما وضع حراس إسرائيليين داخل الطائرات الأجنبية فقد يواجه تعقيدات قانونية وسيادية؛ ما يجعل تشديد الفحص الأمني قبل الإقلاع هو الاتجاه الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة.
تُظهر حادثة "فلاي دبي" أن التغيير في أمن الطيران الإسرائيلي يتركز حتى الآن في نطاق الرحلات الأجنبية، خصوصًا في فحص الطواقم قبل الإقلاع وتحديد المسؤولية عن مراجعة بياناتها واتخاذ قرار السماح أو المنع. وقد بدأت بعض الإجراءات فعليًا، فيما بقيت خطوات أخرى قيد البحث، وهو ما يضع الحادثة في موقع نقطة دفع لإعادة ضبط القواعد القائمة أكثر من كونها بداية لإعادة بناء شاملة لمنظومة أمن الطيران.