المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 4
  • شيرين يونس

تناقش لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل في هذه الأيام سلسلة من طلبات شطب قوائم ومرشحين تقدمت بها أحزاب سياسية وحركات وجمعيات، تمهيدا لاتخاذ قرارات من المتوقع أن يصل بعضها إلى طاولة المحكمة الإسرائيلية العليا. اللافت في هذه الجولة أن مسألة الشطب لا تقتصر على محاولات منع مشاركة الأحزاب العربية فحسب، بل تمتد أيضا إلى أحزاب صهيونية من اليمين أو أحزاب محسوبة على بقايا اليسار.

على سبيل المثال، تقدّم حزب الليكود الحاكم بطلب لشطب القائمة العربية الموحدة التي يقودها منصور عباس وذات الطلب تقدم به بشكل منفصل أيضا حزب "قوة يهودية" بقيادة إيتمار بن غفير ومنتدى "نختار الحياة". وتعتمد الاقتراحات الثلاثة على ذرائع أن الموحدة تنفي وجود إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية وتدعم الكفاح المسلح ضدها، إذ يرى طلب الليكود أن ثمة علاقة وطيدة بين الموحدة والحركة الإسلامية من جهة والإخوان المسلمين وحماس من جهة ثانية، كما يستند طلب الشطب إلى تصريحات صحافية لمنصور عباس ومقابلات امتنع خلالها عن اعتبار حماس "تنظيما إرهابيا"، إلى جانب نشاط جمعية الإغاثة 48 وتقارير إسرائيلية رسمية ادعت ارتباط هذه الجمعية بتنظيمات غير قانونية.

وقد طالب الليكود أيضا بشطب القائمة المشتركة وكذلك عضو الكنيست عوفر كسيف من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة باعتبار أن مرشحي المشتركة يمسون بسمعة جنود الجيش الإسرائيلي ويرفضون اعتبار حماس منظمة إرهابية.

وتقدّم حزب "قوة يهودية" بطلب لشطب رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة من القائمة المشتركة بذريعة دعمه الإرهاب وعدم اعترافه بالطابع اليهودي لإسرائيل، مستندا إلى مقالة نشرها أبو شحادة غداة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 يدعي حزب بن غفير بأنها أيدت الهجمات. 

كما تقدم الحزب الجديد "أنوار الفجر- حزب الجميع" بطلب لشطب قائمة التجمع الوطني الديمقراطي من القائمة المشتركة.

في الجانب الآخر تقدم حزب "الديموقراطيون" بقيادة يائير غولان وحركة "زولات"، كل على حدة، بطلب لشطب "قوة يهودية" بدعوى أن تصريحات نواب حزب بن عفير تنافي الطابع الديمقراطي للدولة وتحمل طابعا عنصريا.

انطلاقًا من الدوافع ذاتها تقدمت "زولات" أيضا بطلب لشطب مشاركة تحالف الصهيونية الدينية و"زهوت" (هوية) الذي يقوده بتسلئيل سموتريتش وموشي فيغلين.

من ناحيته رد حزب بن غفير بطلب لشطب قائمة "الديمقراطيين" بدعوى نفي الطابع اليهودي الديمقراطي لإسرائيل والتحريض على العنصرية معتمدا على تصريحات ليائير غولان وآخرين ضد المتدينين والمستوطنين.

ما هي المادة  7 أ؟ كيف ولدت وأي تغييرات مرت بها؟

أضيفت المادة  7 أ إلى قانون أساس الكنيست في العام 1985 كجزء من محاولة إيجاد التوازن بين قيم الديمقراطية وحرية التعبير والحق في الترشيح والترشح من جانب وحماية الديمقراطية من قوى تسعى لاستخدام الأدوات الديمقراطية بهدف تقويض النظام الديمقراطي نفسه من جانب آخر، ضمن ما بات يعرف بالديمقراطية المدافعة عن نفسها.

تنص المادة  7 أ على منع قائمة أو أحد مرشحيها من خوض الانتخابات البرلمانية في إسرائيل في حال حملت أهدافها أو نشاطاتها أو تصريحات مندوبيها أحد العوامل التالية:

- نفي وجود إسرائيل كدولة يهودية وديموقراطية (1985).

- التحريض على العنصرية. 

- دعم الكفاح المسلح ضد إسرائيل من جانب دولة تصنف بأنها معادية أو تنظيم إرهابي (2002).

وقد تطورت المادة  7 أ على مدار السنوات وشهدت سلسلة من التغييرات، ففي العام 2002 أضيفت فقرة إمكانية منع مرشح فرد من الترشح، إلى جانب إضافة سبب الشطب المتعلق بدعم الكفاح المسلح لدولة عدو أو منظمة إرهابية. وفي العام 2008 أضيفت قرينة قانونية تتعلق بمرشح أقام بصورة غير قانونية في دولة عدو خلال السنوات السبع السابقة لتقديم قائمة المرشحين. 

لجنة الانتخابات المركزية الجسم السياسي الذي يقرّر لكنه لا يحسم

تقدم طلبات شطب القوائم والمرشحين إلى لجنة الانتخابات المركزية التي يترأسها قاض من المحكمة العليا، بينما تتشكل الهيئة العامة للجنة من ممثلي الأحزاب وفق تمثيلها في الكنيست المنتهية ولايته. ولهذا فإن اللجنة ذات تركيبة سياسية واضحة، ففي تشكيلتها الحالية، مثلا، يمثل الائتلاف 18 عضوا في مقابل 13 للمعارضة. 

ويجوز تقديم طلب شطب قائمة من قبل أي جهة، بينما يتطلب طلب شطب مرشح توقيع عدد محدد من أعضاء اللجنة، وتقدم القائمة أو المرشح المستهدف ردا على الطلب، كما يقدم المستشار القانوني للحكومة موقفه، قبل أن تصوّت اللجنة على الطلب. 

لكن قرار اللجنة ليس بالضرورة الكلمة الفصل. فإذا قررت اللجنة شطب قائمة، يمكن الطعن في قرارها أمام المحكمة العليا. أما قرار شطب مرشح فيتطلب، وفق القانون، تصديق المحكمة العليا عليه. وهنا يظهر التوتر بين طبيعة لجنة الانتخابات، التي تتشكل وفقا للتمثيل الحزبي، وبين المحكمة العليا التي تتولى المراجعة القانونية للقرار. 

محطات أساسية في تاريخ شطب القوائم: 

من مرشحي "الأرض" حتى ميخائيل بن آري

ألغت المحكمة الإسرائيلية العليا، العام 1965، لأول مرة مشاركة قائمة الاشتراكيين في انتخابات الكنيست، وذلك بعد أن قررت لجنة الانتخابات المركزية إلغاء القائمة لوجود مرشحين فيها معدودين على حركة "الأرض" التي سبق أن حظر نشاطها قبل ذاك بعام واحد. اعتمدت المحكمة قرار اللجنة عمليا وردت التماس الاشتراكيين ضمن ما بات يعرف بـ"قرار يردور" نسبة للمحامي يعقوب يردور الذي مثل مرشحي "الأرض". وجاء القرار على الرغم من عدم وجود مادة قانونية تبيّن حالات الشطب لكن لجنة الانتخابات اعتمدت في حينه أن المرشحين يرفضون وجود إسرائيل كدولة يهودية، فيما قال القضاة إن مبدأ "الديمقراطية التي تحمي نفسها" قائم للحفاظ على إسرائيل من جهات تحاول القضاء عليها.

في العام 1984 ألغت لجنة الانتخابات المركزية مشاركة الحركة التقدمية للسلام وحركة كاخ اليمينية (بزعامة الحاخام مئير كهانا)، لكن المحكمة العليا ألغت القرار وأتاحت مشاركة القائمتين في الانتخابات بحجة أن المخاوف المبالغ بها على الديمقراطية قد تدفع إلى قرارات غير ديمقراطية وتقمع حرية التعبير والانتخاب. بعد ذلك بعام أضيفت المادة  7 أ إلى قانون أساس الكنيست.

وفي العام 1988 صدقت المحكمة العليا على قرار لجنة الانتخابات المركزية منع حركة كاخ من المشاركة في الانتخابات مشيرة إلى أن طابع الحركة عنصري ويخالف الديمقراطية.

في العام 2003 ألغت المحكمة العليا قرار لجنة الانتخابات المركزية شطب المرشحيْن عزمي بشارة وأحمد الطيبي، وأشار القاضي أهارون باراك في حينه إلى أن البينات التي يجب اعتمادها لشطب المرشحين والقوائم يجب أن تكون دامغة.

في العام 2015 ألغت المحكمة العليا شطب حنين زعبي من القائمة المشتركة وأشارت إلى أن السعي لدولة جميع المواطنين وإنهاء الاحتلال لا يعني إلغاء الأسس اليهودية لإسرائيل.

في العام 2019 قلبت المحكمة العليا قرار لجنة الانتخابات الإبقاء على ترشح النائب المتطرف ميخائيل بن آري ضمن قائمة "القوة اليهودية"، ليكون المرشح الأول الذي يلغى بشكل منفصل عن قائمته، وقالت المحكمة إنه يؤجج العنصرية ضد المواطنين العرب بشكل واضح.

في الإجمال العام يمكن القول إنه تظهر في تاريخ المادة  7 أ مفارقة أساسية؛ فهذه المادة ولدت أصلا باعتبارها أداة استثنائية لحماية النظام الديمقراطي، لكنها أصبحت جزءا من المنافسة الانتخابية.

وتشير التجربة القضائية إلى أن المحكمة العليا تعاملت عمومًا مع أسباب الشطب باعتبارها استثنائية، واشترطت مستوى مرتفعًا من الأدلة لإثباتها، مع التشديد على أن تكون الأهداف المحظورة ذات طابع دائم وليست مجرد موقف أو تصريح منفرد يمكن تفسيره في إطار الجدل السياسي.

مع ذلك فإن تكرار تقديم طلبات الشطب في كل دورة انتخابية يطرح سؤالا يتجاوز مصير قائمة أو مرشح بعينه: هل ما زالت المادة  7 أ تؤدي وظيفة استثنائية لحماية الديمقراطية، أم تحولت إلى أداة في الصراع السياسي والانتخابي؟

المفارقة أن آلية الشطب نفسها تعكس التوتر بين مبدأين ديمقراطيين: حق الناخب في اختيار ممثليه، وحق النظام الديمقراطي في الدفاع عن أسسه. وبين هذين المبدأين تقف لجنة انتخابات سياسية، ومحكمة عليا مطالبة بتحديد الحدّ الفاصل بين الموقف السياسي المثير للجدل وبين النشاط الذي يبرّر الإقصاء من المنافسة الانتخابية. لهذا فإن الجدل حول المادة  7 أ لا يرتبط فقط بالسؤال عمن سيسمح له بالمشاركة في الانتخابات العامة، بل أيضًا يرتبط بالسؤال الأوسع: من يملك حق تحديد حدود المنافسة السياسية في إسرائيل، ووفقًا لأي معايير؟.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات