المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 19
  • وليد حباس

خلال الحرب على قطاع غزة، طرحت أحزاب اليمين المتطرف في إسرائيل أمام الكنيست مسارين متوازيين لتسهيل فرض عقوبة الإعدام. يقضي المسار الأول بجعل الإعدام حكمًا ملزمًا في جرائم القتل "بدافع إرهابي" معادٍ لإسرائيل؛ أما المسار الثاني فيتمثل في إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة منفذي أحداث 7 أكتوبر، على أن تستند هذه المحكمة إلى مرجعيات "قانونية" تتيح فرض الإعدام والعقوبات الاستثنائية، مثل "قانون الإبادة لعام 1950". وفي 30 آذار 2026، صادق الكنيست على قانون فرض عقوبة الإعدام بالقراءة النهائية، ودخل حيّز التنفيذ. تستعرض هذه المقالة تطور عقوبة الإعدام في إسرائيل منذ عام 1948، وتتناول النقاشات القانونية والفقهية الإسرائيلية حولها وصولًا إلى اليوم.

عقوبة الإعدام في القانون الإسرائيلي

تُعدّ البنية القانونية الإسرائيلية التي تحكم الفلسطينيين اليوم امتدادًا مباشرًا لإرث استعماري بريطاني ما يزال يشكّل عنصرًا أساسيًا ومستمرًا داخل التشريعات الإسرائيلية. فقد ورثت إسرائيل "أنظمة الدفاع (الطوارئ) لعام 1945" التي شرّعتها المنظومة الاستعمارية البريطانية خلال فترة الانتداب، وأدخلتها في قانونها المحلي بعد عام 1948، ثم أعادت إنتاجها في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن منظومة الأوامر العسكرية عقب احتلال عام 1967.

وتسمح تشريعات الانتداب البريطاني بفرض عقوبة الإعدام في أربع فئات من الجرائم: (1) إطلاق النار على أشخاص وإلحاق الضرر بهم؛ (2) استخدام أو حيازة متفجرات أو سوائل حارقة؛ (3) العضوية في منظمات تنفّذ هذه الأعمال، مثل التنظيمات الفلسطينية التي تتبنى الكفاح المسلح؛ (4) نقل أو تصنيع وسائل قتالية دون ترخيص.

في المقابل، تبنّت إسرائيل عند تأسيسها نموذج الدولة الليبرالية الحديثة، ما دفعها إلى التستر بكساء معايير القانون الدولي الإنساني، وتفضيل هذه الصورة على الصعيد الدولي، مع تقليص استخدام عقوبة الإعدام وإلغائها في معظم الجرائم حفاظًا على صورة الدولة العقلانية. غير أن هذا الإلغاء جاء جزئيًا وانتقائيًا؛ إذ أبقى على منظومة واسعة من النصوص التي تتيح الحكم بالإعدام في سياقات الحرب والطوارئ، بما يحافظ على منطق الاستثناء في صلب المنظومة القانونية.

كما بقيت العقوبة قائمة في القضايا التي تصنّفها إسرائيل ضمن الجرائم المشابهة للنازية أو الجرائم ضد الإنسانية، وذلك وفق قانون أقرّه الكنيست عام 1950 تحت اسم "قانون الإبادة لعام 1950"، والذي استندت إليه إسرائيل في إعدام أدولف أيخمان بعد خطفه. ويشكّل هذا الإطار الفقهي المرجعية التي تسعى إسرائيل إلى الاستناد إليها في محاكمة عناصر النخبة. وفي عام 1955، عزّز قانون القضاء العسكري هذا الاتجاه، مضيفًا جرائم يُعاقب عليها بالإعدام، تشمل الخيانة العظمى، والتعاون مع العدو، وترك المواقع العسكرية أمام قوات معادية.

 

سوابق الإعدام في إسرائيل

ثمة سابقتي إعدام في إسرائيل، ليس للفلسطينيين علاقة بهما. الأولى كانت خلال أشهر النكبة، حيث تم تنفيذ أول عملية إعدام في إسرائيل بعد اتهام مئير توبيانسكي، ضابط في الجيش الإسرائيلي بالتجسس، وخضع لمحكمة عسكرية. تم إعدامه رمياً بالرصاص، ولكن تمت تبرئته لاحقاً بعد وفاته. القضية الثانية هي محاكمة أدولف أيخمان (1961–1962)، وهو ألماني أدانته المحكمة الإسرائيلية بجرائم ضد الشعب اليهودي والإنسانية ارتكبها خلال الهولوكوست، وتم إعدامه في 31 أيار 1962. بالإضافة، حكمت إسرائيل في منتصف الثمانينيات بالإعدام على إيفان (جون) ديميانيوك، الذي اتُّهم أيضاً بالتعاون مع النازيين، قبل أن تُلغى العقوبة في الاستئناف بسبب الشك في هوية المذكور.

 

حكم الإعدام بحق الفلسطينيين

مع تأسيس نظام الاحتلال في أعقاب النكسة، تبنّت الحكومة الإسرائيلية في 29 تشرين الأول 1967 قراراً وجّه النيابة العامة إلى الامتناع عن طلب عقوبة الإعدام في القضايا المصنّفة "إرهابية". ومنذ ذلك الحين، عاد النقاش إلى الواجهة داخل إسرائيل عقب هجمات فلسطينية خلفت قتلى في إسرائيل، مثل عملية مطار اللد العام 1972 التي أسفرت عن 24 قتيلاً، واستمر هذا النقاش طيلة سنوات الاحتلال؛ فمثلا، عاد النقاش بقوة بعد العملية التي قتلت فيها عائلة فوغل العام 2011. لكن على الرغم من الضغط الشعبي والسياسي، كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحافظ على الموقف الرافض لتفعيل عقوبة الإعدام.

ترتكز أسباب هذا الرفض في سعي إسرائيل للحفاظ على صورتها الدولية في ظل حساسية ملف حقوق الإنسان، وثالثاً بالخشية من أن يؤدي تنفيذ أحكام الإعدام إلى تشجيع عمليات خطف الجنود والمدنيين بغرض المقايضة والإفراج عن المحكومين بالإعدام. 

وبالتالي، منذ احتلال العام 1967، ورغم كثرة المطالبات السياسية والأمنية باستخدام عقوبة الإعدام ضد الفلسطينيين، لم يُنفّذ أي حكم بالإعدام في المحاكم العسكرية الإسرائيلية؛ فكل الأحكام التي صدرت خفّفت إلى السجن المؤبد في مرحلة الاستئناف. ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى نقاشات جرت في المحاكم الإسرائيلية (وهي نقاشات ما بين النيابة العسكرية الإسرائيلية والمحكمة الإسرائيلية)، فيما يخص خمس قضايا تتعلق بالفلسطينييني، ولكن أياً منها انتهت بفرض عقوبة الإعدام، وهي:  

 

أولا، "قضية منصور"

تتعلق الفضية بشاب فلسطين من أراضي 48، وضع عبوة في حافلة وأصاب بعض الركاب من دون وقوع قتلى. ورغم أن النيابة طلبت السجن المؤبّد، قضت المحكمة العسكرية بحكم الإعدام بذريعة الردع ومنع عمليات الخطف، وعدم وجود مبرر يمنع تطبيق العقوبة القصوى. لكن محكمة الاستئناف ألغت الحكم، مستندة إلى ثلاثة مرتكزات أساسية: لا يوجد قتلى، وغياب الإجماع القضائي، وضرورة احترام موقف الادعاء. مع ذلك، تضمّن الحكم الأصلي إشارة بالغة الدلالة؛ فقد اعتبر القضاة أن كون المتهم مواطناً إسرائيلياً يقتضي عقوبة أشد لأنه "يتمتع بحماية الدولة ورفاهها"، ما يعني إدخال معيار "الولاء القومي" ضمن بنية تقدير العقوبة في قضايا يُعرّف أصحابها كـ "إرهابيين".

ثانياً، "قضية الطلالقة"

في منتصف السبعينيات، برزت قضية موسى جمعة الطلالقة (من تنظيم فتح) بوصفها محطة مفصلية في علاقة القضاء العسكري الإسرائيلي بعقوبة الإعدام. الطلالقة كان أحد المتهمين في العملية المعروفة باسم "قضية فندق سافوي" في تل أبيب العام 1975، وهي عملية مسلحة قُتل فيها جنود ومدنيون إسرائيليون، ما جعل المطالبة بالإعدام مطروحة سياسياً بقوة. أمام هذه الضغوط، مثل الطلالقة أمام محكمة عسكرية إسرائيلية، غير أنّ النيابة العسكرية اكتفت بطلب السجن المؤبّد، مبرّرة موقفها بضرورة احترام اعتبارات سياسية– أمنية عليا تتجاوز سلطة الادعاء نفسه. المحكمة، وعلى الرغم من خطورة العملية وحدّة الخطاب العام، امتنعت عن فرض عقوبة الإعدام، وصاغت مبدأ قضائياً جديداً مفاده أنّه "لا يجوز للمحكمة أن تفرض الإعدام عندما تطلب النيابة عدم فرضه". هذا المبدأ الذي تكرّس في حكم الطلالقة تحوّل لاحقاً إلى قاعدة مُلزِمة في القضاء العسكري، وأصبح يشار إليه في الأدبيات القانونية باسم "قاعدة الطلالقة"، وهي قاعدة تعكس أنّ القرار بشأن الإعدام يُعد في جوهره قراراً سياسياً– سيادياً، لا قضائياً خالصاً.

ثالثا، "قضية الأخوين يونس" 

في مطلع الثمانينيات، شكّلت قضية الأسيرين الفلسطينيين ماهر يونس وابن عمه كريم يونس إحدى أبرز محطات الجدل حول الإعدام في القضاء العسكري الإسرائيلي. فقد أُدين الاثنان بقتل جندي إسرائيلي. ورغم أن النيابة العسكرية طلبت السجن المؤبّد، معتبرة أنّ الظروف الأمنية والسياسية لا تتيح المطالبة بالإعدام من دون قرار حكومي واضح، ذهبت محكمة البداية إلى أقصى مدى ممكن، فقضت بإعدامهما استناداً إلى خطورة الفعل وما حمله من رمزية سياسية تتجاوز الجانب الجنائي. غير أنّ محكمة الاستئناف ألغت الحكم وفرضت السجن المؤبّد، موجهةً انتقاداً صريحاً للنيابة لأنها أبقت الباب مفتوحاً أمام القضاة من دون طلب واضح وصريح بالإعدام. وقد أرست هذه القضية مبدأ قضائياً مهماً مفاده أنّ المحكمة تلتزم بموقف النيابة في العقوبات القصوى "ما لم توجد ظروف استثنائية جداً" تبرّر الانحراف عنه، وهو ما يعني عملياً أنّ النيابة (وبالتالي الحكومة أو القيادة السياسية) هي صاحبة القرار في تحريك عقوبة الإعدام أو تعطيلها. وهكذا رسّخت سابقة يونس منطقاً يسمح للنظام بامتلاك "تهديد الإعدام" كسلاح قانوني ورمزي، مع تجنّب تحمّل مسؤولية تنفيذه، وإبقاء القرار النهائي مرتهناً لاعتبارات أمنية وسيادية أوسع من المحاكمة ذاتها. من المهم الإشارة الى أن الأخوين يونس تحررا من الأسر بعد 40 عاما (1983-2023).

رابعاً، "قضية بدارنة"

في تسعينيات القرن الماضي تمت محاكمة سعيد بدارنة أمام المحكمة العسكرية في جنين وحُكم عليه بالإعدام على خلفية مشاركته في التخطيط والتنفيذ لعمليتي تفجير في المحطة المركزية في مدينة الخضيرة ومدينة العفولة. ووفقاً للتشريعات السارية في مناطق الضفة الغربية، تم رفع استئناف تلقائي إلى محكمة الاستئناف العسكرية، التي ألغت الإدانة وطلبت إعادة المحاكمة، ليُحكم عليه لاحقاً بالسجن المؤبّد. أُفرج عنه لاحقاً في إطار صفقة شاليط.

خامساً، "قضية الشيخ"

وفي العام 2003، رأى اثنان من قضاة المحكمة في ملف رائد الشيخ، وهو شرطي فلسطيني أُدين بقتل جنديين إسرائيليين في حادثة قتل جنديين إسرائيليين في رام الله، ضرورة فرض عقوبة الإعدام عليه؛ غير أنّ إصدار الحكم يستلزم إجماع هيئة المحكمة، وقد عارضت القاضية الثالثة ذلك، ففرض عليه حكم بالسجن المؤبّد مرتين.

ومنذ ذلك الحين لم تطالب النيابة العسكرية بعقوبة الإعدام ضد منفّذي الهجمات، حتى في الحالات التي تعرّضت فيها لانتقادات جماهيرية بسبب ذلك. وفي جلسة النطق بالحكم على منفّذ قتل أفراد عائلة سلومون في مستوطنة حلميش، أعرب أحد القضاة في رأي مخالف عن وجوب فرض حكم الإعدام.

 

ولكن هل فعلاً لم تعدم إسرائيل فلسطينيين؟

صحيح أن إسرائيل لم تنفذ أي حكم إعدام بحق فلسطينيين عبر مسار تشريعي أو قضائي في المحاكم لكنها نفذت آلاف عمليات الإعدام بحق الفلسطينيين ضمن مسارات "خارج القضاء"، أهمها: 1) الحكم بالقتل المتعمد أثناء الاعتقال وبدون قرار قضائي. 2) الاغتيالات المستهدفة، والتي شرعتها المحكمة العليا الإسرائيلية العام 2006، "بشروط صارمة" تتعلق بالمشاركة المباشرة في الأعمال القتالية وضرورة التحقق من عدم مقتل مدنيين أثناء الاستهداف. 3)  سياسات الإهمال الطبي بحق الأسرى، أو التعذيب أثناء الاعتقال والتحقيق (منذ 7 أكتوبر، وصل عدد الأسرى المستشهدين إلى حوالى 78 حتى خريف 2025).

 

بن غفير قبل وبعد هجوم 7 أكتوبر

في كانون الثاني 2018، أقرّ الكنيست في قراءة تمهيدية مشروع قانون بعنوان "تعديل قانون العقوبات – حكم الإعدام للمدان بالقتل في ظروف إرهابية"، يهدف إلى تسهيل فرض عقوبة الإعدام في القضايا المصنّفة ضمن خانة الإرهاب. كان ذلك يمثل تحوّلاً تشريعياً مهماً، إذ لم يعد الحكم بالإعدام يحتاج إلى إجماع قضائي في المحاكم العسكرية، كما بات يُتاح للمحاكم المدنية النظر في هذه العقوبة. ورغم رمزية الخطوة وارتباطها بخطاب أمني صاعد، بقي المشروع منذ ذلك الوقت في حدود القراءة الأولية من دون أن يتقدّم إلى مراحل تشريعية متقدمة أو أن يتحول إلى قانون نافذ.

في خلفية هذا التعثّر تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة قانونية– دستورية معقّدة. فمن ناحية، يشدّد محامون ومستشارون قانونيون إسرائيليون على أنّ النظام القانوني الحالي قادر من حيث المبدأ على استيعاب فرض عقوبة الإعدام في حالات قصوى، ولا سيما عند وقوع أحداث أمنية استثنائية (مثل 7 أكتوبر). لكنهم في الوقت ذاته يعترفون بأن ثمة حدوداً دستورية ومعايير حقوقية تقيّد توسيع صلاحيات الدولة في هذا الاتجاه، بما يجعل العقوبة أداة قانونية "كامنة" أكثر من كونها وسيلة جاهزة للتطبيق.

غير أنّ البعد السياسي هو العامل الأكثر تأثيراً في هذه المرحلة. فصعود التيار اليميني المتطرف داخل الحكومة، خاصة مع وجود وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، جعل عقوبة الإعدام بنداً مركزياً في الصراع الائتلافي. بن غفير يدعو علناً إلى إعدام أسرى فلسطينيين مدانين، ويربط دعم حزبه لاستمرار عمل الحكومة بتعجيل التشريعات اللازمة لاعتماد الإعدام كخيار عملي. وقد تضمّن الاتفاق الائتلافي بين الليكود وحزب "قوة يهودية" الموقّع في كانون الأول 2022 التزاماً واضحاً بالمضي نحو تشريع عقوبة الإعدام بحق "الإرهابيين".

خلال عامي 2023 و2024 ظلّ هذا الالتزام سياسيًا أكثر منه قانونيًا، مع استمرار طرح المقترحات في أروقة اللجان البرلمانية من دون ترجمتها إلى تشريع ناجز. غير أن التطورات التي رافقت عملية 7 أكتوبر 2023، وما أعقبها من مواجهة مفتوحة مع حركة حماس، أحدثت تحولًا في ديناميات النقاش. فبعد صفقات التبادل الأخيرة وإغلاق ملف الرهائن الأحياء، لم تعد الحكومة تعتبر وجود أسرى إسرائيليين حاجزًا أمام الدفع نحو إقرار عقوبة الإعدام، بل جرى توظيف هذا الواقع لتبرير تشريعها بوصفها "ردعًا نهائيًا" ضد عمليات الخطف والهجمات المستقبلية.

في 30 آذار 2026، أقرّ الكنيست بالقراءة النهائية مشروع قانون يسهّل فرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين في الضفة الغربية الخاضعين للمحاكم العسكرية. حاز القانون دعم 62 نائبًا مقابل معارضة 48، مع انقسامات داخل بعض الكتل. ويُعدّل القانون آليات إصدار حكم الإعدام، بحيث يكتفي بقرار الأغلبية داخل هيئة من ثلاثة قضاة بدل الإجماع، ومن دون إمكانية الاستئناف. كما يقيّد صلاحيات تخفيف الحكم، ويُلزم بتنفيذه خلال 90 يومًا. ويعرّف القانون هدفه بزيادة الردع ومنع الهجمات.

 

تمثل هذه المقالة نسخة محدثة من مقالة سابقة بالعنوان نفسه، نُشرت في مركز "مدار" بتاريخ 27/10/2025.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات