المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 17
  • سماح بصول

قبل اندلاع الحرب الأخيرة كان تصوير الموسم الرابع من مسلسل الجاسوسية الإسرائيلي "طهران" يتم في اليونان. ومع اندلاعها تكشّف الكثير من التشابه بين المسلسل والواقع فيما يتعلق بنشاط جهاز الموساد على الأرض الإيرانية كما التكنولوجيّ، مما يجعل نار فضول المُشاهد تتقّد.

يُعد مسلسل "طهران" الذي تعرضه قناة "كان 11"، واحداً من أبرز أعمال دراما الجاسوسية الإسرائيلية، على الرغم من الافراط في وصف البطولات وتعقيد الحبكة المبالغ به، إلا أن اختيار موضوع العداء اللامنتهي بين الطرفين مصحوباً بجودة الإخراج ومشاركة عدد من النجوم العالميين كالممثل البريطانيّ هيو لوري (بطل مسلسل د. هاوس)، والممثلة الأميركية چلن كلوز (بطلة فيلم 101 كلب مرقط) كان مفتاحاً لشعبيته.

كما هو السواد الأعظم من المسلسلات السياسية الإسرائيلية، يمزج "طهران" الصراع والعِداء بالدراما التي لا تنفك بالأساس عن محاولات أنسنة عملاء الاستخبارات، لذا فإن البناء الدرامي يسوق المشاهد للتركيز على البطلة مهمّشاً الدافع الأساس والسؤال الأهم: لماذا تريد هذه الجهة قصف مفاعل نووي لدى الجهة أخرى؟

مهمة في قلب الخطر

تبدأ قصة المسلسل مع تمار رابينيان، وهي "هاكر" وعميلة موساد، وُلدت في إيران وانتقلت مع عائلتها الى إسرائيل. تُرسل تمار إلى طهران في مهمة حساسة: اختراق وتعطيل رادارات الدفاع الجوي الإيراني لتسهيل ضرب المفاعل النووي من خلال السيطرة على حواسيب شركة الكهرباء.

تتعقد المهمة وتتورط تمار في جريمة قتل غير متعمدة، مما يجعلها طريدة "فاراز"، محقق ذكي من الحرس الثوري، وهو ليس صدفةً ندّ شرس، بل لتعظيم قدرة تمار وعدم اختبار قدراتها مقابل أشخاص لا يستوفون معايير الإثارة. 

كي تكتمل قصة البطولة الخارقة تتفوق تمار على الاستخبارات الإيرانية العنيدة في كل خطوة، بدءاً من تجنيد المحقق فاراز، مروراً بقدرتها على الاختباء بين مجموعة شباب من معارضي النظام، وانتهاءً بنزع فتيل نووي وحمل جسم متفجر في حقيبتها!

يحرص المسلسل على تعريفنا بإيران الأخرى بعيداً عن السياسة الرسمية من خلال مجموعة شباب تسعى لتجربة الحياة الغربية والحرية والانعتاق من كل القيود. ضمن هذه المجموعة هناك "ميلاد" هاكر عبقري يقع في حب تمار ويصبح شريكها.

يتعاظم شعور تمار تجاه المهمة الموكلة إليها إلى درجة تبدأ فيها بالتمرد على القرارات الصادرة من تل أبيب، ليس هذا مجرد تمرد، بل تعبير عن الانغماس التام في الوظيفة والتضحية من أجل دولتها، فيُعاد تجنيدها لمهمة جديدة وهي تصفية "محمدي"- القائد في الحرس الثوري.

يكشف المسلسل عن أعداد كبيرة من العملاء المحليين، إيرانيين وأجانب، بعضهم طامع في المال وبعضهم يكنّ عداءً شديداً للثورة الإسلامية ورموزها. تبرز بينهم "مارجان" التي تنجح في اختراق حياة وبيت فاراز واستغلاله من خلال نقطة ضعفة الأبرز: زوجته "ناهيد".

في تطور درامي يفتقر إلى المنطق تنجح تمار في اختراق صفوف الطبقة العليا من المجتمع الإيراني، ونسج علاقات سريعة جداً مع مجموعة شبابية يتصدرهم ابن القائد محمدي الذي يقضي بدلاً من والده في حادث سيارة مدبّر، ثم تنجح المهمة بقتل والده يوم الجنازة بواسطة هاتف مفخخ.

القتل والبقاء

يُقتل ميلاد شريك تمار على يد الموساد نفسه لأنه أصبح عبئاً على تنفيذ العمليات. هكذا تصبح تمار طريدة الموساد والحرس الثوري معاً، مما يخلق شعوراً ورغبةً لدى المشاهد بالانحياز اليها.

هنا يأتي الحلفاء الغربيون لمد يد المساعدة، ويظهر لنا "إريك بيترسون"، المُشرف على الملف النووي. مدفوعاً بالغرور والاستعلاء الغربيّ يحمل بيترسون نوايا قاتلة تجاه "طهران" تتجاوز وظيفته الرقابية، لكن حنكة تمار، وحرصها الشخصي و"الإنسانيّ" على أرواح البشر ينقذان طهران من كارثة نووية قد تمحوها عن الخارطة.

هكذا تحولت رحلة تمار من مهمة تقنيّة إلى صراع وجودي يختبر الولاء، والهوية، والقدرة على البقاء في مدينة هي مسقط رأسها وعدوها في آن واحد.

علاقات مسمومة

تعتبر العلاقة بين تمار وفاراز العامود الفقري للمسلسل؛ فهي ليست مجرد علاقة مُطارِد وطریدة، بل صراع إرادة بين شخصيتين تتشابهان في الإخلاص لقضيتهما مع تشديد المسلسل على ابراز اختلاف الدوافع.

فتمار تمثل "الهوية الممزقة" عميلة موساد وليدة طهران، مما يجعل مهمتها التجسسية رحلة عودة إلى الجذور.

تمتاز بالعبقرية في الاختراق الإلكتروني، لكنها تقع في فخ المشاعر، هذا التناقض يجعلها شخصية إنسانية وليست مجرد آلة قتل، فهي تحب وتشتاق وتعارض قتل الأبرياء! وكتابة الأحداث حرصت على تكرار الظروف والأحداث التي تظهر فيها تمار الإنسان كجزء من بروباغندا "الصراع الوجودي وملاحقة اليهود" الذين يسعون فقط لتخليص العالم المتحضّر من الأشرار المتعطشين للدم.

مقابل تمار وُضع فاراز، الخصم الذكي المخلص لوطنه، لكن حبه لزوجته وتورطه في جريمة قتل غير متعمد لمحقق آخر يجعله فريسة سهلة للابتزاز. هذا يجعلنا نلحظ سعيّ المسلسل لترسيخ الفكرة بأن الموساد "بُعبع" مخيف وقادر على رؤية كل ما يحدث بأدق تفصيل.

تعتبر شخصية ميلاد كاهاني مثيرة في سياق الواقع وتاريخ الجاسوسية الإسرائيلي، فالعلاقات العاطفية وتجنيد النساء كانت واحدة من أساليب استدراج الشخصيات المفتاحية؛ في العالم العربي على وجه الخصوص؛ إلى الفخ. وهنا شابة غريبة دخلت حياة وبيت شاب إيراني، تجذبه هذه المرأة التي تغامر بمعارضة كل مفاهيم وقوانين النظام. لم يعرف ميلاد حقيقتها كجاسوسة، بل أحبها كفتاة ظن أنهة تشبهه بتمردها. دخلت مارجان العلاقة لتقنع تمار بضرورة التخلص من ميلاد، وهي تمثّل هنا صوت منظومة استخبارات تتخلص ببرود من كل عائق حتى لو كان إنساناً.

علاقة تمار وميلاد ليست قصة حب عرضية، بل أداة درامية استخدمها صناع المسلسل لتحقيق عدة أهداف جوهرية أمام المشاهد:

"أنسنة" الجاسوسة: فمن خلال ميلاد، نرى تمار "الأنثى" التي تشتاق، وتخاف، وتغار، وهذا يعزز شعور المشاهد بالتعاطف معها.

إظهار "إيران المخفيّة": من خلال ميلاد وأصدقائه يحاول المسلسل أن يقنع المشاهد بضرورة التخلص من النظام ومنح الشباب الإيراني الحرية ليحاكي المجتمعات الغربية، لذا يُزج بمشهد عابر نرى فيه العلاقات المثلية كمتراس لكل القيم الاجتماعية والدينية التي وضعها النظام.

"عقب أخيل": يحتاج البطل إلى نقطة ضعف لكي تزداد الإثارة. ميلاد هو "الثغرة" في درع تمار.

دافع للانقلاب: مقتل ميلاد على يد الموساد كان سبباً لتمرد تمار.

إن مشاهدة نشرات الأخبار بالتزامن مع مسلسل "طهران" يشوش الفصل بين الدراما والواقع، فاستهداف المنشآت النووية والدفاع الجوي هو المهمة الأساسية لكليهما، يجاورهما عزل النظام واغتيال قادته. كذلك، محاولات إسقاط النظام من قبل المعارضين حتى لو صاحبها تحالف مع عدو.

نلحظ أيضا تشابه أدوار المفتشين الدوليين، اذ تعاني العلاقات بين إيران ووكالة الطاقة الذرية من توترات شديدة، وهي ظاهرة بوضوح مفرط تصل حد العداء الشخصي، والرغبة في الانتقام في المسلسل.

يضاف إلى هذا كله الخروقات والثغرات الأمنية. هذا المسلسل لم يُبنَ على خيال وتكنهات، بل على تكتيكات الحرب؛ اذ لم تعد المواجهة تقتصر على جبهات القتال، بل انتقلت إلى الشاشات واختراق العقول والقلوب.

لطالما كانت إيران موضوعاً مثيراً في صناعة الإعلام والسينما والتلفزيون الإسرائيلي، فهي ليست على مرمى حجر كما الضفة الغربية وقطاع غزة، يمكن مراقبتها من فوق برج على جدار، هي حضارة عميقة الجذور تدغدغ اليهود المولودين فيها للتشبث بها، ولهم فيها تاريخ توراتي يحرصون على إحيائه سنوياً في عيد المساخر، وانقلاب الحكم فيها مرتع فسيح لخيالات ورغبات السياسيين وكُتاب القصة.

المصطلحات المستخدمة:

الموساد

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات