المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
التوقيع على اتفاقيات إبراهام في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض.  (وكالات)
التوقيع على اتفاقيات إبراهام في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض. (وكالات)

 صادف قبل عدّة أيام، وتحديداً في الثالث عشر من آب الحالي، مرور عامين على توقيع اتفاقات التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، وهي ما باتت تُعرف لاحقاً في القاموس الإسرائيلي، ولدى دول التطبيع كذلك، بـ "اتفاقات أبراهام" التي وقّعت برعاية الإدارة الأميركية السابقة (في عهد الرئيس دونالد ترامب). في هذه المساهمة، نستعرض أبرز ما جاء في تقرير نشره "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، أعدّه كل من مئير من شباتمئير بن شبات هو باحث في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، وكان قد شغل منصب رئيس مجلس الأمن القومي ومستشار الأمن القومي لنتنياهو بين الأعوام 2017-2021 وترأس الوفود الإسرائيلية للتوقيع على "اتفاقيات أبراهام". وديفيد أهرونسونديفيد أهرونسون هو نائب مدير إسرائيل في معهد "مواثيق أبراهام للسلام"، وكان قد شغل في السابق منصب المستشار السياسي لوزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي. بعنوان: "عامان على ’اتفاقات أبراهام’: معدّل التقدم مثير، التحديات كبيرة والاحتمالات بعيدة المنال"، علماً أن الأفكار الواردة أدناه تُعبّر عن مؤلّفَي الدراسة فقط.

يُشير التقرير إلى أن العامين الأولين لـ "اتفاقيات أبراهام" حملت بصيص أمل وتفاؤلاً جديداً بالنسبة لإسرائيل، ومعها المنطقة، بعد عقود طويلة من الإحباط، حيث افتتحت إسرائيل تمثيلاً دبلوماسياً لها في دول التطبيع (الإمارات العربية المتحدة، البحرين، المغرب والسودان)، إلى جانب تشغيل خطوط طيران وتسيير رحلات جوية مباشرة بين تل أبيب وأبو ظبي ودبي والمنامة والدار البيضاء ومراكش، إلى جانب الزيارات المتبادلة لوزراء وكبار المسؤولين بينهم التي شهدت توقيع اتفاقات تعاون في مجموعة كبيرة ومتنوعة من المجالات، كل ذلك بموازاة قيام رجال الأعمال بتعزيز العلاقات الاقتصادية وتشجيع الاستثمار وتسجيل عشرات المبادرات في مجال المجتمع المدني والجمعيات العاملة في هذا الفضاء. وقد أسفر ذلك بحسب التقرير عن زيادة كبيرة في ميزان التبادل التجاري بين إسرائيل وهذه الدول، بما في ذلك الاستثمارات المباشرة في القطاعات الإنتاجية والخدماتية المختلفة. ليس ذلك وحسب، بل أيضاً شهدت هذه الفترة بحسب التقرير إقبالاً كبيراً من قِبَل الطلاب الإماراتيين والمغاربة تحديداً على تعلّم اللغة العبرية في الجامعات والمعاهد والمراكز الإسرائيلية المختلفة، الأمر الذي يُؤشّر إلى وجود رغبة لدى هذه الشعوب في تعزيز العلاقات بعد عقود من "العداء" و"القطيعة".

من ناحية أخرى، يُشير التقرير إلى أن النجاحات الأكبر لـ "اتفاقيات أبراهام" تمثّلت في المجال الأمني- العسكري؛ إذ بدا واضحاً أن هذا المجال حظي باهتمام كل من إسرائيل ودول التطبيع التي تمكّنت من توقيع سلسلة طويلة من الاتفاقيات والتفاهمات ذات الطابع الأمني- العسكري، التي أسهمت في التغلّب على التحديات السياسية والأمنية التي وضعها الواقع المعقّد في الشرق الأوسط وساهمت في طريق نجاح هذه الاتفاقيات (يُشير التقرير إلى زيارة رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي لهذه الدول وإجراء المناورات العسكرية المشتركة التي لم تتم وفقاً للتقرير باعتدال، وحظيت بتغطية واسعة في وسائل الإعلام المحلية لهذه الدول). يتطرّق مُعدّا التقرير إلى أن هذه الاتفاقيات ساهمت، بشكل كبير، في تعزيز سياسة "الاحتواء" لدى رؤساء دول التطبيع في التعامل مع الممارسات الإسرائيلية؛ من ناحية الحروب على قطاع غزة (خلال عملية "حارس الأسوار" 2021، وعملية "مطلع الفجر" 2022) بالإضافة إلى العمليات العسكرية التي يُنفذها الجيش الإسرائيلي في مناطق الضفة الغربية، وهو الأمر الذي لا بدّ من استغلاله لصالح تعزيز العلاقات والاتصالات في هذا الجانب بحسب التقرير.

يتطرّق التقرير إلى مرحلة ما بعد ترامب الذي كان راعياً لهذه الاتفاقيات، ففي عهد الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة جو بايدن، وعلى الرغم من أنه لم يكن عرّاباً لهذه الاتفاقيات، إلّا إنه ذهب باتجاه تبنّي هذه الاتفاقيات للتهدئة من وتيرة الاستياء من سياساته تجاه إيران والشرق الأوسط عموماً؛ فقد ساعد في تأسيس "منتدى النقب" الذي انعقد لأول مرة في "سديه بوكير" في آذار المنصرم وشارك فيه وزراء خارجية الدول الموقعة على "اتفاقيات أبراهام"، كما ساهم في فتح سماء السعودية أمام الرحلات الجوية الإسرائيلية خلال زيارته للمنطقة.

وعلى الرغم من كل ذلك، يُشير مُعدّا التقرير إلى أن هذا التقدّم المنظّم والسريع، وما يعكسه من تفاؤل، لا يلغي حقيقة وجود تحدّيات كثيرة، على الرغم من أن الإمكانيات الكامنة في الاتفاقيات لم تُستنفد بعد.
يتطرّق التقرير إلى المجالات المدنية التي يمكن لإسرائيل من خلالها تطوير العلاقات الثنائية مع هذه الدول، وهي مجالات تتضمّن فرصاً وإمكانيات قابلة للتطبيق على النحو التالي:
- فتح طريق تجارة برّي عبر/ أو من إسرائيل إلى دول الخليج: يُشير التقرير إلى أن انتهاء المقاطعة الاقتصادية التي كانت مفروضة على إسرائيل، وكذلك على البضائع التي تصل منها، أو من خلالها، من قِبَل دول الخليج ممكن أن يُشكّل فرصة حقيقية لفتح طريق تجاري برّي، سيُساهم في تعزيز التبادل التجاري بين إسرائيل ودول الخليج، أو حتى بين الدول الأوروبية ودول الخليج عبر إسرائيل، وبالتالي تحقيق الأرباح الاقتصادية لكافة الأطراف، خصوصاً وأن الشحن الجوي الذي أصبح مُمكناً بعد توقيع الاتفاقيات ليس مناسباً للمنتجات الثقيلة.
- تعزيز المشاريع الإقليمية: يُشير التقرير إلى أن تعزيز المشاريع الإقليمية بين إسرائيل ومصر ودول الخليج من شأنه حلّ بعض المشاكل الأساسية في قطاع غزة في مجال البنية التحتية والاقتصاد، بدون أن يزيد ذلك من المخاطر الأمنية على إسرائيل.
- مجالات الطاقة والغذاء والمياه: يتطرّق التقرير إلى الأزمة الأوكرانية وما تسبّبت به من نقص في مصادر الطاقة وتحديداً للدول الأوروبية، ويرى أن دول الخليج بإمكانها أن تتحول إلى مصدر للطاقة (النفط)، إلى جانب إسرائيل (الغاز) لا سيّما وأن هذه الدول باتت تبحث عن مصادر بديلة للطاقة، وتزداد فرص ذلك خاصة بعد "المصالحة" بين الولايات المتحدة وولي العهد السعودي محمد بن سلمان مؤخراً. أما في مجال الغذاء؛ فيقترح مُعدّا التقرير أن يتم استغلال المساحات في أراضي الدول الأفريقية، وتحديداً السودان والمغرب، إلى جانب أن الخبرات الإسرائيلية والتكنولوجيا الزراعية قد تُسهم في خلق مصادر بديلة للقمح في العالم، وتخفف من الاعتماد على المصادر الحالية. إلى جانب ذلك، يُشير التقرير إلى أن الخبرات الإسرائيلية في مجال تحلية المياه من الممكن أن يتم استغلالها لتطوير العلاقات مع دول التطبيع للتغلّب على مشاكل المياه الموجودة فيها.

- التعليم والثقافة: يُشير التقرير إلى أن هذا المجال يُعد من أهم المجالات التي لا بدّ لإسرائيل من أن تعمل عليه في الوقت الحالي والمستقبل، حيث لا بدّ من تعزيز الآراء التي تُعزز التطبيع و"السلام" بين إسرائيل وهذه الدول، وإضعاف المواقف "العدائية" و"الأفكار الإسلامية الراديكالية" وهذا يتم من خلال تعزيز التبادل الطلابي والورشات الثقافية المشتركة بين إسرائيل ودول التطبيع، ليس على الصعيد الرسمي (الحكومات) فقط؛ وإنما أيضاً على الصعيد الشعبي والجماهيري، حيث أن الحكومات تختلف مع الوقت، ما يجعل من ضرورة خلق رأي عام شعبي في كل الدول مُساند للحفاظ على العلاقات مع إسرائيل في الظروف المختلفة أمراً مُلّحاً.

إجمالاً يسعى مئير بن شبات وديفيد أهرونسون من خلال هذا التقرير لتقديم قراءة في سنتين من التطبيع بين إسرائيل وكلّ من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، بموازاة التركيز على المجالات التي لا بدّ لإسرائيل من الالتفات إليها لتعزيز التعاون والتنسيق بينها وبين دول التطبيع وتعميقه إلى الحدّ الذي يعود بالفائدة على إسرائيل، ليس فقط من ناحية اقتصادية، وإنما أيضاً من ناحية تبييض صورتها في الإقليم والعالم، وتطبيع "وجودها" على الرغم من سياساتها الاستعمارية- التي تأخذ أشكالاً متباينة- تجاه الفلسطينيين، وما يستتبع ذلك من ممارسات يومية وبعيدة المدى تطالهم. كما لا يُمكن إنكار حقيقة أن مثل هذه التقارير جاءت للترويج لهذه الاتفاقيات- وهذا نابع من كون بن شبات وأهرونسون كان لهم دور في عقد هذه الاتفاقيات- في ظلّ صدور بعض التقارير الإسرائيلية مؤخراً والتي تُشير إلى أن هذه الاتفاقات لم تأت بالمأمول منها من الناحية الاقتصادية والأرباح المادية التي ظنّت إسرائيل أنها ستجنيها كنتيجة لهذه الاتفاقيات.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات