المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 6
  • نيف غوردون

على مدى عامين، قامت القوات الإسرائيلية بتدمير منظومة الرعاية الصحية في قطاع غزة بصورة منهجية. وتشير الهجمات التي نفذتها في إيران ولبنان إلى نمط مقلق يحمل سمات متشابهة إلى حدّ كبير.

في يوم الجمعة 13 آذار، وبعد نحو أسبوعين من اندلاع الجبهة اللبنانية ضمن عملية "زئير الأسد"، قصفت القوات الإسرائيلية بلدة برج قلاوية في جنوب لبنان. أسفر الهجوم عن تدمير مركز للرعاية الصحية ومقتل اثني عشر شخصًا من الأطباء، والمسعفين، والممرضين، والمرضى. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن "عاملًا واحدًا فقط نجا، وهو في حالة حرجة". وبحسب تقرير الصحافية ليلى يونس لموقع Drop Site، كان من بين الضحايا مسعفٌ كان قد ألقى، في خريف العام الماضي، كلمة خلال مراسم تأبين لعدد من زملائه الذين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية خلال الحرب السابقة في لبنان. وقال حينها: "حتى لو قُتلنا واحدًا تلو الآخر، فلن نتخلى عن واجبنا".

أدّت الحرب غير القانونية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي أُطلقت في المراحل المتأخرة من المفاوضات الرامية إلى تجديد الاتفاق النووي، إلى امتداد القتال سريعًا إلى لبنان. وقد انخرط حزب الله في المواجهة في اليوم الثاني، عقب ضربة أميركية–إسرائيلية في طهران أسفرت عن مقتل علي خامنئي. ومنذ توقيع هدنة بين إسرائيل ولبنان قبل خمسة عشر شهرًا، نفذت إسرائيل غارات جوية شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية أسفرت عن مقتل أكثر من ثلاثمئة شخص. إلا أنه منذ 2 آذار، كثّفت طائراتها الحربية قصفها بشكل متواصل على جنوب لبنان وبيروت ومدن أخرى، كما أطلقت مؤخرًا توغّلًا بريًا في الجنوب. وفي حين تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل جنبًا إلى جنب داخل إيران، تتولى إسرائيل زمام العمليات في لبنان، مع تقديم الولايات المتحدة الأسلحة وأشكالًا أخرى من الدعم.

تكبّد المدنيون في الجبهتين (الإيرانية واللبنانية) خسائر فادحة. ففي أقل من أسبوعين، نزح أكثر من أربعة ملايين مدني في البلدين، بينهم نحو 3.2 مليون في إيران وأكثر من مليون في لبنان، حيث أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء باتت تشمل 14% من مساحة البلاد.وقد بلغ عدد القتلى الإجمالي بالفعل الآلاف، فيما تجاوز عدد الجرحى عشرين ألفًا. ووفقًا لبيان صادر عن الأمم المتحدة يوم الخميس، استنادًا إلى بيانات الهلال الأحمر الإيراني، تعرّض أكثر من 65 ألف موقع مدني في إيران وحدها لأضرار.

ومن بين هذه المواقع عدد مرتفع بشكل مقلق من المراكز الطبية. إذ أفاد الهلال الأحمر بأن الضربات الأميركية–الإسرائيلية ألحقت أضرارًا بـ236 منشأة صحية حتى الآن. وبحلول 11 آذار، كانت منظمة الصحة العالمية قد تحققت من ثمانية عشر هجومًا من هذه الهجمات، مشيرة إلى أنها وحدها أسفرت عن مقتل ثمانية من العاملين في القطاع الصحي. وفي اليوم الثاني من الحرب، تسببت غارات جوية بأضرار جسيمة لمستشفى غاندي في طهران، حيث أظهرت مقاطع مصوّرة وصور واجهة المبنى وقد تهشّمت وتناثرت حولها الأنقاض، فيما بدت المعدات الطبية محطمة والزجاج متكسّرًا داخل الأقسام. وكشف رئيس المجلس الطبي الإيراني، محمد رئيس زاده، عبر وسائل الإعلام الرسمية أن الضربة عطّلت قسم الإخصاب خارج الجسم (أطفال الأنابيب) في المستشفى، فيما أفاد شهود لقناة العالم الحكومية بأن الرضّع حديثي الولادة ومرضى آخرين اضطروا إلى الإخلاء.

في لبنان، تبدو البنية التحتية الصحية هدفًا لهجمات أكثر مباشرة. فقد وثّقت وزارة الصحة اللبنانية ما لا يقل عن 128 ضربة إسرائيلية استهدفت مرافق طبية وسيارات إسعاف في الجنوب، ومعظمها تابع لجمعية الهيئة الصحية الإسلامية، وأسفرت عن مقتل أربعين من العاملين في القطاع الصحي وإصابة أكثر من مئة آخرين. وبحلول 11 آذار (أي قبل قصف المركز الطبي في برج قلاوية) كانت منظمة الصحة العالمية قد أكدت بالفعل خمسةً وعشرين هجومًا من هذه الهجمات. كما أشارت إلى أن 49 مركزًا للرعاية الصحية الأولية وخمسة مستشفيات أُجبرت على الإغلاق "عقب أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي". وقد أدّى ذلك إلى تقلّص الخدمات الصحية في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الرعاية الطبية. ويبدو أن استهداف القطاع الصحي يهدف إلى دفع السكان نحو النزوح الجماعي؛ إذ وصف أحد مسعفي الطوارئ في الهيئة الصحية الإسلامية، في مقابلة مع صحيفة الغارديان، هذه الهجمات بأنها جزء من حملة "لمنع استمرار الحياة في منطقتنا ودفع الناس إلى الفرار".

منذ انطلاق عملية "زئير الأسد" وجّه منتقدون اتهامات لإسرائيل بأنها توسّع "عقيدة غزة"، القائمة على التهجير الواسع والقتل الجماعي والتدمير الشامل للبنية التحتية المدنية، ليشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط. ويُعدّ ذلك، من بعض الزوايا، عودةً إلى "عقيدة الضاحية"، المنسوبة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت التي تعرّضت لقصف إسرائيلي مكثّف خلال حرب لبنان عام 2006؛ غير أن الدمار في غزة لم يقتصر على منطقة محددة أو سكانها، بل تحوّل إلى نمط عمل عسكري شامل في مختلف أنحاء القطاع. وقد تبنّت إسرائيل هذه الاتهامات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إذ ألقت منشورات فوق بيروت تُذكّر السكان بـ "النجاح الكبير" الذي حققه الجيش الإسرائيلي في غزة. ومن أبرز سمات "عقيدة غزة"، وكذلك الحروب المعاصرة عمومًا، هو تحويل المواقع الطبية المنقذة للحياة، مثل المستشفيات والعيادات وسيارات الإسعاف، إلى أهداف عسكرية. وكانت منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل" قد استندت إلى ما وصفته بـ "التفكيك المتعمّد والمنهجي لمنظومات الصحة ومقوّمات الحياة في غزة" لتقول إن سلوك الجيش الإسرائيلي في القطاع يندرج ضمن التعريف القانوني للإبادة الجماعية. وتثير التقارير الواردة من إيران ولبنان احتمالًا بالغ الخطورة مفاده أن إسرائيل تسعى إلى تكرار ذلك "النجاح" خارج حدود غزة.

********

تمنح اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية لعام 1977 الوحدات الطبية "حماية خاصة" إضافةً إلى "الحماية العامة" المقررة للمنشآت المدنية أثناء النزاعات المسلحة. وبموجب هذه القواعد، لا يجوز استهداف الوحدات الطبية ما لم ترتكب، خارج نطاق وظيفتها الإنسانية، أعمالًا تضر بالعدو. وحتى في حال وقوع مثل هذه الأعمال، تُلزم الحماية الخاصة أطراف النزاع بموازنة المكسب العسكري المتوقع من الهجوم مقابل الأضرار المحتملة، وتوجيه إنذار مسبق، ومنح وقت كافٍ للإخلاء.

وبحسب مختلف التقديرات، انتهكت الحملة الإسرائيلية على المنظومة الصحية في غزة هذه المبادئ مرارًا. إذ لم يسلم أيٌّ من مستشفيات القطاع الستة والثلاثين. وقد خضع العديد منها لحصار طويل، غالبًا أثناء إيوائها أعدادًا كبيرة من النازحين، قبل اقتحامها وتفكيكها. وفي آذار 2024، وثّقت منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل" أن آلاف المرضى والعاملين والنازحين في مستشفى الشفاء (وهو أكبر مستشفيات غزة) عانوا أسبوعين من الهجوم "من دون طعام أو ماء أو كهرباء أو رعاية طبية". وعند انسحاب القوات الإسرائيلية، كان "المستشفى مدمَّرًا بالكامل"، فيما دُفن ما لا يقل عن ثمانين جثة (وربما مئات) في مقابر جماعية حوله. وخلال الفترة بين تشرين الأول وكانون الأول من العام 2024، وأثناء تنفيذ الجيش الإسرائيلي ما عُرف بـ "خطة الجنرالات" في شمال غزة، تعرّض مستشفى كمال عدوان لـ "أكثر من ثمانين يومًا من الحصار والقصف والعرقلة المنهجية لوصول المساعدات الإنسانية"، وفق المنظمة نفسها، قبل أن يؤدي اقتحامه إلى تعطيله الكامل عن العمل.

في نمط يبدو أن إسرائيل تكرّره الآن في لبنان، تحوّلت هذه الهجمات إلى محرّك رئيسي للنزوح الجماعي. وفي محاضرة حديثة بجامعة كوين ماري في لندن، شدّد غاي شاليف، مدير منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل، على أن الهجوم على مستشفى كمال عدوان ارتبط مباشرةً بجهود عسكرية لدفع السكان الفلسطينيين نحو الجنوب. وأوضح أنه عندما يُدمَّر آخر شريان للحياة ولا يبقى "أي مركز طبي قادر على علاج أفراد العائلة"، فإن الناس يغادرون.

ويمتد أثر هذه الضربات على نطاق واسع. فمنذ آذار 2025، حين دمّرت إسرائيل مستشفى الصداقة التركي–الفلسطيني (وهو المستشفى الوحيد لعلاج السرطان في غزة) لم يعد أمام نحو 10,000 مريض سنويًا أي مكان يتلقون فيه العلاج. وقال طبيب الأورام الفلسطيني د. صبحي سكيك لمجلة The Lancet Oncology إن "الإصابة بالسرطان في غزة تعني الموت، وقبل الموت تعني قدرًا هائلًا من المعاناة والألم". وبالنظر إلى تشخيص ما بين 2,000 و2,500 حالة سرطان جديدة سنويًا في القطاع، فإن تدمير المستشفى سيؤدي حتمًا إلى آلاف الوفيات الإضافية في السنوات المقبلة.

يمكن توسيع هذا التحليل ليشمل الأضرار الناجمة عن تدمير إسرائيل خمسةً من أصل سبعة مراكز لغسل الكلى في غزة، بما في ذلك المركز الوحيد لأمراض الكلى في شمال القطاع. ففي رسالة نُشرت في المجلة الطبية البريطانية (BMJ) في آذار 2025، أفاد الطبيب الغزّي عبد الله وجيه قيشاوي بأن 44% من مرضى غسيل الكلى في القطاع (أي ما يقارب خمسمئة شخص) توفّوا خلال العام ونصف السابقين، إمّا نتيجة إصابات مباشرة أو بسبب عدم القدرة على الوصول إلى العلاج. كما رجّح أن كثيرًا من مرضى زراعة الكلى في غزة، وعددهم نحو 450 مريضًا، قد فارقوا الحياة أيضًا بعد أن أدّى الحصار الإسرائيلي إلى وقف تدفّق الأدوية المثبِّطة للمناعة. أما المرضى الذين ما زالوا يتلقّون جلسات غسيل الكلى، فقد وصفهم طبيب المتطوع في غزة عمرو حمادة (في مقال نُشر العام الماضي) بأنهم يعيشون "حالة توازن دائم بين الأمل والإنهاك".

في بعض الحالات، عندما اتهم منتقدون إسرائيل بشنّ هجمات غير قانونية على مرافق الرعاية الصحية ومواقع أخرى محمية في غزة خلال العامين الأولين من الهجوم على القطاع، قوبلت هذه الاتهامات بنفي مباشر. فعندما سألَت هيئة الإذاعة البريطانية عن الهجوم الجاري آنذاك على مستشفى الشفاء، رفض الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ التقارير واعتبرها "دعاية من حماس"، رغم أن الأدلة المتاحة أشارت إلى خلاف ذلك. وفي حالات أخرى، وبالاستناد إلى نهج استخدمته إسرائيل على نطاق واسع منذ حرب 2008–2009 على غزة، اتهم متحدثون سياسيون وعسكريون حركة حماس بإساءة استخدام المرافق الطبية عبر إيواء مقاتلين أو تخزين أسلحة داخلها. ويستند هذا الادعاء إلى الاستثناء القانوني الوحيد الذي قد يُسقط الحماية العامة والخاصة عن هذه المنشآت.

وتُعدّ قضية مستشفى الشفاء مثالًا بارزًا. فقبل أسابيع من إرسال القوات الإسرائيلية إلى المستشفى لأول مرة في تشرين الثاني 2023، بدأت الجهات الرسمية الإسرائيلية في بناء مبررات قانونية للهجوم. وذكرت تحقيقات لصحيفة واشنطن بوست أن "الادعاءات كانت شديدة التفصيل"، إذ قالت إسرائيل إن خمسة مبانٍ في المستشفى متورطة مباشرة في أنشطة حماس، وإنها تقوم فوق شبكة أنفاق تحت الأرض يستخدمها مسلحون لتوجيه هجمات صاروخية وقيادة المقاتلين، ويمكن الوصول إليها من داخل الأقسام الطبية. وأكّد المتحدث العسكري دانيال هغاري امتلاك "أدلة قاطعة"، مقدّمًا خلال مؤتمر صحافي مقطعًا ثلاثي الأبعاد يصوّر المستشفى كغطاء لمقر قيادة حماس، ويعرض شبكة أنفاق مزعومة تحت المنشأة تُستخدم، بحسب قوله، "لإدارة أنشطة إرهابية".

أشارت صحيفة واشنطن بوست إلى أن الجيش الإسرائيلي "نشر مجموعات متعددة من الصور ومقاطع الفيديو التي قال إنها تُظهر أدلة على نشاط عسكري لحماس داخل المستشفى وتحتَه" خلال فترة احتلاله المطوّلة لمستشفى الشفاء، بما في ذلك لقطات للمتحدث العسكري وهو يستكشف فتحة نفق داخل المجمع. غير أن تحقيق الصحيفة خلص إلى أن "الغرف المتصلة بشبكة الأنفاق… لم تُظهر أي دليل فوري على استخدام عسكري من قبل حماس"، كما لم يُظهر أي من المقاطع "إمكانية الوصول إلى الأنفاق من داخل أجنحة المستشفى". وحتى لو ثبتت صحة الأدلة التي قدّمها الجيش الإسرائيلي، فإنها لا ترقى إلى إثبات استخدام المستشفى كمقر "للقيادة والسيطرة"، كما أن الهجوم كان سيظل موضع شك من حيث مبدأ التناسب، بالنظر إلى الخدمات الحيوية التي كان الشفاء يقدّمها للسكان. وقد شكّل ذلك مثالًا بارزًا على نمط متكرر؛ إذ تعرّضت مرافق الرعاية الصحية في غزة لـ937 هجومًا بين تشرين الأول 2023 وكانون الثاني 2026، من دون تقديم أدلة ملموسة على إساءة استخدامها في "أعمال تضر بالعدو".

وتُظهر البيانات المتعلقة بالهجمات الحالية على المنظومتين الصحيتين في إيران ولبنان (بحسب وزارتي الصحة في البلدين) طيفًا واسعًا من الانتهاكات. فبحلول 6 آذار، أعلن المتحدث الرئيسي لوزارة الصحة الإيرانية أن الضربات الأميركية–الإسرائيلية أخرجت تسعة مستشفيات عن الخدمة، ودمّرت أكثر من اثنتي عشرة قاعدة طوارئ ما قبل المستشفى، وألحقت أضرارًا بعدد من المرافق الصحية المحلية والريفية. وذكرت قناة الجزيرة أن من بين المراكز الطبية المتضررة في طهران خلال الأيام الأولى للحرب مستشفى مطهري المتخصص في علاج الحروق، إضافة إلى "المبنى الرئيسي لخدمات الطوارئ الطبية في المحافظة" وسط المدينة. وفي الأهواز أفادت التقارير بتضرّر مستشفى للأطفال، بينما نقلت مصادر محلية (بحسب مدير منظمة الصحة العالمية) أن الضربات ألحقت أضرارًا بأقسام الطوارئ في مدينتي سراب وهمدان.

بحلول يوم الاثنين، ارتفع عدد القتلى من العاملين في القطاع الصحي في لبنان إلى ما لا يقل عن 38 شخصًا. وفي ذلك اليوم وحده، أفادت ليلى يونس بمقتل ستة مسعفين في غارات منفصلة استهدفت ثلاث سيارات إسعاف مختلفة، كانت إحداها تستجيب لنداء طارئ بعد ضربة أخرى أصابت منزلًا في بلدة كفرصير الجنوبية. وقال متحدث باسم الهيئة الصحية الإسلامية ليونس إن "بعض أفراد طواقمنا قُتلوا داخل مراكزنا الطبية، وآخرين أثناء عملهم في الميدان وهم يحاولون انتشال الضحايا من تحت الأنقاض". وأضاف أن "الموقع الذي توجهوا إليه لتنفيذ عملية الإنقاذ تعرّض للقصف مرة أخرى فور وصولهم". وذكرت صحيفة الغارديان أن إسرائيل نفّذت منذ 2 آذار ما لا يقل عن خمس ضربات من نوع "الضربة المزدوجة"، حيث تُتبع الضربة الأولى بفاصل زمني قصير يسمح غالبًا بوصول فرق الإنقاذ، قبل أن يُعاد قصف الموقع مجددًا. ويرى عدد من خبراء القانون الدولي أن هذه التكتيكات قد تنتهك المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف لعام 1949، التي تحظر استهداف المدنيين والجرحى أو الأشخاص العاجزين عن القتال.

وعند مواجهة الانتقادات بشأن استهداف المرافق الطبية والبنية التحتية المدنية، لجأت إسرائيل والولايات المتحدة مرارًا إلى تفسيرات مشابهة لتلك التي استُخدمت في غزة. فبعد ضربة أسفرت عن مقتل 175 شخصًا (معظمهم من الأطفال) في مدرسة للبنات جنوب إيران في اليوم الأول من الحرب، نفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب المسؤولية، ملمّحًا للصحافيين حتى 7 آذار إلى احتمال سقوط صاروخ إيراني بالخطأ. غير أن صحيفة نيويورك تايمز أفادت في 11 آذار بأن تحقيقًا عسكريًا جارٍ توصّل مبدئيًا إلى أن المدرسة أصيبت بصاروخ "توماهوك" أميركي. وفي اليوم السابق، اتهم وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إيران خلال مؤتمر صحافي "بنقل منصات إطلاق صواريخ إلى أحياء مدنية قرب المدارس والمستشفيات بهدف منعنا من استهدافها… هكذا يعملون. هم يستهدفون المدنيين. نحن لا نفعل".

في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على المرفق الصحي في برج قلاوية، زعم متحدث عسكري إسرائيلي عبر منصة "إكس" أن مقاتلي حزب الله كانوا يستخدمون سيارات الإسعاف والمنشأة الطبية لأغراض عسكرية. ويُعدّ تمويه مركبة عسكرية على أنها سيارة إسعاف "خديعة طبية"تُصنَّف جريمة حرب بموجب القانون الدولي. ويقدّم حزب الله (على غرار حماس) خدمات اجتماعية وصحية متنوعة للسكان المحليين، وتُعد الهيئة الصحية الإسلامية جزءًا من هذه الشبكة. غير أن هذه المنشآت تُصنَّف قانونيًا كمواقع مدنية، ولم يقدّم المتحدث أي دليل على إساءة استخدام سيارات الإسعاف أو البنية التحتية الطبية. كما لم تقتصر الضربات الإسرائيلية على مرافق الهيئة؛ إذ أفادت صحيفة الغارديان بأنها استهدفت أيضًا "الدفاع المدني الرسمي، والخدمة الصحية التابعة لكشافة الرسالة الإسلامية (حركة أمل)، وجمعية صحية محلية، والصليب الأحمر اللبناني".

وفي المقابل، أشار موقع Drop Site إلى أن الطرف المتهم فعليًا بارتكاب خديعة طبية خلال الحرب الحالية هو إسرائيل. فقبل أسبوع، دخلت قوة من المظليين الإسرائيليين مقبرة بلدة النبي شيت في سهل البقاع الشمالي الشرقي، في محاولة لاستعادة رفات يُعتقد أنها لملاح إسرائيلي أُسقطت طائرته وأُسر قبل أربعين عامًا. وبعد مقتل أحد مقاتلي حزب الله اندلعت اشتباكات بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي الحزب وسكان محليين، أسفرت (وفق وزارة الصحة اللبنانية) عن مقتل ما لا يقل عن 41 شخصًا. وأفاد سكان، في مقابلات مع BBC وصحيفة Sydney Morning Herald وصحيفة الشرق الأوسط، بأن بعض الجنود الإسرائيليين وصلوا في سيارة إسعاف لبنانية وهم يرتدون زيًا مرتبطًا بالهيئة الصحية الإسلامية. ولا تُعدّ هذه سابقة؛ ففي كانون الأول 2024 استخدم خمسة جنود إسرائيليين سيارة إسعاف لدخول مخيم بلاطة في الضفة الغربية خلال عملية أسفرت عن مقتل مدنيين، بينهما امرأة تبلغ ثمانين عامًا، كما نفّذ عناصر إسرائيليون متنكرون بزي نساء مسلمات وأطباء عملية داخل مستشفى في جنين قبل أقل من عام، قتلوا خلالها ثلاثة فلسطينيين كانوا عاجزين عن القتال.

إنكار الاتهامات المدعومة بأدلة قوية بارتكاب جرائم، مقابل توجيه اتهامات مماثلة إلى الخصوم من دون أدلة جدية، يُعدّ تمهيدًا لخطوة أكثر راديكالية تتمثّل في رفض القانون الدولي برمّته. وربما كان التطور الأكثر صدمة في الحرب الحالية هو أن إسرائيل والولايات المتحدة لم تسعيا حتى إلى تبرير قصف البنية التحتية المدنية. فقد قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في مؤتمر صحافي يوم 13 آذار: "لا هدنة ولا رحمة"، في صدى لتصريح الرئيس دونالد ترامب (عقب اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو) بأنه "لا يحتاج إلى القانون الدولي".

وفي إشارة إلى الهجمات على إيران ولبنان، صرّح بنيامين نتنياهو في 12 آذار بأن "التحوّل الدراماتيكي في ميزان قوتنا مقارنة بقوة أعدائنا هو المفتاح لضمان وجودنا. التهديدات تأتي وتذهب، لكن عندما نصبح قوة إقليمية، وفي مجالات معينة قوة عالمية، نمتلك القدرة على إبعاد الأخطار وتأمين مستقبلنا". ولم يَرِد في هذا الخطاب أي ذكر لمفاهيم "القانون" أو "النظام القانوني". تعكس هذه التصريحات ذهنية ترتكز إلى الثقة المفرطة بالقوة. ويُنظر إلى "عقيدة غزة" بوصفه تعبيرًا مباشرًا عن هذه المقاربة، فيما يمثّل التدمير الواسع للمرافق الصحية أحد أبرز تجلياتها التي باتت تُشاهَد في مناطق متعددة. وقد وثّق "تحالف حماية الرعاية الصحية في النزاعات" (وهو تجمع يضم أكثر من ثلاثين منظمة) متوسط عشرة هجمات يوميًا على الوحدات الطبية خلال عام 2024، بزيادة تسعة أضعاف مقارنة بعام 2016 عندما أدان مجلس الأمن الدولي بشدة استهداف المرافق والعاملين الصحيين في النزاعات. وقد ساهمت حروب متعددة في هذا التصاعد، منها النزاعات في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان والسودان وأوكرانيا وميانمار. ومع استمرار الحرب الأميركية–الإسرائيلية في تقويض ما تبقّى من النظام الدولي الذي تأسّس بعد الحرب العالمية الثانية، يبرز سؤال ملحّ حول الأدوات الجديدة التي يمكن تطويرها لحماية العالم من قوى لا تعترف إلا بمنطق القوة باعتباره مصدر الشرعية.

 

 

المقال ترجمة عن النسخة الإنجليزية: Neve Gordon, “The Gaza Doctrine,” The New York Review of Books (online), March 22, 2026.

 

عن المؤلف نيف غوردون (Neve Gordon): محاضر في جامعة كوين ماري في لندن. وهو مؤلف مشارك، إلى جانب نيكولا بيروجيني (Nicola Perugini) لكتاب الدروع البشرية: تاريخ الأشخاص في خط النار

المصطلحات المستخدمة:

بنيامين نتنياهو

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات