نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، بقلم يردن ميخائيلي، في 26 آذار 2026، تحقيقًا يتناول ما تسميه إسرائيل في قطاع غزة بـ"الخط الأصفر"، وهو خط فصل عسكري بدأ بوصفه مرحلة ضمن مسار انسحاب الجيش من القطاع، ثم أخذ يتحول تدريجيًا إلى خط حدود مادي يتمركز الجيش الإسرائيلي على امتداده ويعيد من خلاله تنظيم السيطرة الميدانية على مساحات واسعة من غزة.
وفق "هآرتس"، لا يتعامل الجيش مع "الخط الأصفر" بوصفه إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بوقف إطلاق النار وإنما يرسخه على الأرض من خلال بنية عسكرية ثابتة ومتنامية. يذكر التحقيق أن الجيش أقام خلال الأشهر الأخيرة مواقع عسكرية جديدة على طول الخط ونفذ أعمال بنية تحتية ونقل إلى تلك المواقع معدات ومنشآت مختلفة بالتوازي مع مشروع هندسي واسع لإنشاء عائق أرضي يمتد على طول أجزاء كبيرة منه. وتقول الصحيفة إن هذا الواقع يُبقي أكثر من نصف مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، من دون وجود آلية مفصلة أو جدول زمني واضح ينظم انسحاب الجيش منها.
وتوضح الصحيفة أن إسرائيل، استنادًا إلى خريطة "الخط الأصفر" التي نشرها الجيش بعد وقف إطلاق النار، تحتفظ بالسيطرة على 54% من مساحة قطاع غزة، في حين تبقى بقية المناطق تحت سيطرة حركة حماس. وتضيف أن الجيش لم يكتفِ بهذه المساحة إذ اقتطع في الأشهر التالية بضعة نسب في المائة من الأراضي الفلسطينية عبر وضع كتل إسمنتية صفراء خارج المسار الرسمي للخط، إلى جانب هدم مبانٍ وتهجير السكان من المناطق المحيطة. نتيجة لذلك، يعيش نحو 2.1 مليون فلسطيني اليوم في مساحة تقل عن نصف المساحة التي كانوا يعيشون فيها قبل الحرب وسط أنقاض واسعة وخيام متهالكة ومبانٍ متضررة من القصف.
ويشير التحقيق إلى أن ما كان يفترض أن يكون ترتيبًا مؤقتًا ارتبط بخطة أميركية لإنهاء الحرب لم يعد يبدو كذلك. فبعد أكثر من خمسة أشهر على طرح خطة ترامب التي تحدثت عن انسحاب تدريجي للجيش من غزة يواصل الجيش الإسرائيلي ترسيخ وجوده بدل تقليصه. وتقول الصحيفة إن الخطة الأميركية نفسها لم تتضمن معالم زمنية واضحة للانسحاب إذ ربطت الانسحاب الكامل بما وصفته نضوج الظروف وبمسار لاحق لتفكيك سلاح حماس وفق جداول ومعايير محددة. أتاح هذا الغموض السياسي - بحسب ما يورده التحقيق - للجيش مساحة واسعة لتحويل الخط إلى واقع ميداني أكثر ثباتًا.
وفي توصيفها للمشهد الميداني، تذكر "هآرتس" أن تحليل صور الأقمار الصناعية يُظهر وجود ما لا يقل عن 32 موقعًا عسكريًا إسرائيليًا في محيط "الخط الأصفر" ومناطق قريبة منه، وقد أُقيم معظمها قبل وقف إطلاق النار بينما أضاف الجيش بعد ذلك سبعة مواقع جديدة على طول الخط. وتفيد الصحيفة بأن الجيش غطى الأرض في خمسة مواقع على الأقل بالإسفلت بما يجعلها صالحة لنشاط عسكري طويل الأمد وهو ما يعزز تقديرها بأن إسرائيل لا تدير انتشارًا مؤقتًا وإنما تبني بنية تموضع قابلة للاستمرار.
وتفصّل الصحيفة في طبيعة هذه المواقع، فتقول إن الجيش أنشأ فيها بنى تحتية للكهرباء والإضاءة وأبراج اتصالات وجرافات ووسائل ميدانية أخرى. كما أقام مواقع في نقاط استراتيجية تمنحه قدرة رؤية وإشراف على مساحات واسعة داخل القطاع ومنها موقع على تلة المنطار إضافة إلى موقعين مرتفعين في منطقة جباليا يمكن رؤيتهما من مسافات بعيدة مع استمرار العمل على إنشاء موقع مرتفع ثالث في بيت حانون. وتشير "هآرتس" كذلك إلى أن بعض هذه المواقع أُقيم حول مبانٍ مرتفعة لم تدمرها الحرب ومنها المستشفى الذي أنشأته قطر في رفح.
ولا يقتصر التحول على إقامة المواقع العسكرية، إذ يلفت التحقيق إلى أن الجيش ينفذ أيضًا مشروعًا هندسيًا لإنشاء حواجز وعوائق أرضية على امتداد "الخط الأصفر" من الشمال والشرق والجنوب. وتذكر الصحيفة أن طول هذه العوائق تجاوز 17 كيلومترًا أي نحو 40% من طول الخط الكامل البالغ 45 كيلومترًا وأن أعمال الإنشاء استمرت تدريجيًا حتى الأسابيع الأخيرة. هذا المعطى - كما تعرضه "هآرتس" - يمنح "الخط الأصفر" شكلًا حدوديًا واضحًا ويحوّله من خط عملياتي متغير إلى معلم مادي ثابت يفصل غزة عن المجال الذي يفرض الجيش سيطرته عليه.
وتبرز الصحيفة كذلك الطابع التدميري الذي رافق هذا التمركز. فالمواقع الجديدة أُقيمت - بحسب التحقيق - فوق أو بين أنقاض دفيئات زراعية وأراضٍ مفتوحة وبساتين ومبانٍ سكنية. كما أُقيم موقعان في أماكن كانت تضم مساجد دمرت خلال الحرب وأقيم موقع آخر فوق أرض مقبرة دمرت فيما تُجرى أعمال تسوية أراضٍ في منطقة الشجاعية حيث كانت توجد مقبرة أخرى.
تربط "هآرتس" بين هذا التمركز وارتفاع كلفة العيش اليومي على الفلسطينيين. فالمنطقة المحيطة بـ"الخط الأصفر" تحولّت إلى منطقة إطلاق نار نشطة تشهد غارات جوية وقصفًا مدفعيًا وإطلاق نار بالأسلحة الخفيفة. ووفق المعطيات التي تنقلها الصحيفة عن الأمم المتحدة، قتل الجيش الإسرائيلي في محيط الخط حتى نهاية شباط ما لا يقل عن 224 فلسطينيًا بينهم عشرات النساء والأطفال. وتقول الأمم المتحدة - كما يورد التحقيق - إنها رصدت نمطًا متكررًا من الهجمات على فلسطينيين "على ما يبدو فقط بسبب قربهم من مناطق انتشار الجيش"، وهو ما قد يرقى إلى جريمة حرب.
وتضيف الصحيفة أن بعض الفلسطينيين أطلق الجيش عليهم النار أثناء محاولتهم العودة إلى منازلهم في وقت يواجه فيه المدنيون خطرًا دائمًا من عبور الخط بدون انتباه؛ بسبب عدم وضوحه على الأرض وتغير مساره الفعلي بصورة مستمرة. كما تنقل عن منظمة "أطباء بلا حدود" قولها إن فرقها عالجت خلال الأشهر الأخيرة عددًا كبيرًا من المصابين جراء إطلاق النار والانفجارات في منطقة "الخط الأصفر" وإن المصابين كانوا يمارسون أنشطة يومية عادية مثل جمع الحطب أو الماء أو محاولة العودة إلى منازلهم. وتضيف المنظمة، وفق ما أوردته الصحيفة، أن تحرك الخط غربًا أدى إلى ابتلاع خدمات أساسية مثل نقاط المياه والخدمات الصحية، وهو ما حرم المدنيين من الوصول إليها.
في مقابل هذه المعطيات، يعرض التحقيق الرواية الإسرائيلية الرسمية. فقد قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ردًا على "هآرتس": "إن الجيش الإسرائيلي ينتشر في منطقة ’الخط الأصفر’ وفق اتفاق وقف إطلاق النار وتعليمات المستوى السياسي، والتقييم العملياتي"، وأضاف أن مفهوم الدفاع الإسرائيلي في هذه المنطقة "يشمل منطقة أمنية وعائقًا ماديًا وقدرات استخباراتية ووسائل تكنولوجية ونشاطًا عسكريًا؛ بهدف منع التسلل والأنشطة المعادية وحماية القوات والمستوطنات". كما أكد أن المنطقة القريبة من الخط حساسة وخطيرة وأن الجيش لا يستهدف المدنيين بسبب قربهم من الخط وأنه يعمل وفق قواعد اشتباك واضحة ووفق القانون الدولي.
لكن "هآرتس" تضع هذه الرواية في مواجهة الوقائع التي رصدتها ميدانيًا وعبر صور الأقمار الصناعية. وتقول الصحيفة إن الجيش نشر خلال الأشهر الأخيرة عشرات البيانات المتشابهة التي تفيد بأن القوات رصدت فلسطينيًا عبر "الخط الأصفر" اقترب من الجيش وشكل تهديدًا فوريًا فقامت بقتله.
تنتهي الصحيفة إلى أن "الخط الأصفر" لم يعد مجرد خطوط مؤقتة نشأت في سياق وقف إطلاق النار إنما أصبح بنية حدودية جديدة تفرضها إسرائيل داخل قطاع غزة. فمع تعثر الخطة الأميركية وعدم تشكيل قوة الاستقرار الدولية المقترحة واستمرار بقاء الجيش عميقًا داخل القطاع يتكرس "الخط الأصفر" كواقع سياسي وعسكري جديد يعيد رسم حدود السيطرة ويموضع السكان الفلسطينيين داخل حيّز أصغر ويجعل حياتهم اليومية محكومة بخط نار متحرك لا يملك المدنيون أمامه أي ضمانة فعلية للأمان.