المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 6
  • هشام نفاع

عقدت لجنة شؤون رقابة الدولة في الكنيست الإسرائيلي جلسة خاصة، في إثر حوادث الهزات الأرضية التي وقعت في الأسابيع الأخيرة. وأعيد خلالها بحث تقرير مراقب الدولة من العام 2024 الذي حدد أن 93% من المباني التي يجب تدعيمها وتقويتها في مناطق الأطراف، لتفادي تبعات وأضرار الزلازل والهزّات الأرضية، لم تخضع لعمليات تدعيم، ويشمل هذا مئات المدارس، المستشفيات ومحطات الإنقاذ التي ما زالت غير مقاومة للزلازل؛ وأن "وتيرة معالجة البنى التحتية الوطنية الحيوية هي بطيئة للغاية وهناك نقص لعدم وجود جهة تنسيقية مع صلاحيات إنفاذ، الأمر الذي يتسبب بعوائق بيروقراطية وعدم استغلال مليارات الشواكل التي خصصت من أجل تحصين وتدعيم البنى التحتية"، كما جاء في بيان اللجنة.

وكانت صافرات الإنذار أطلقت في مناطق البحر الميت وديمونا وشمال النقب، منتصف شهر كانون الثاني، ونقلت التقارير الصحافية أن سكان تلك المناطق، وكذلك في القدس، بئر السبع، غرب النقب، السهل الداخلي ومناطق أخرى، قد شعروا بالهزة. ووفقا للمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل (EMSC)، بلغت قوة الزلزال 4.2 درجات، وكان مركزه على بُعد 19 كيلومترا من مدينة ديمونا. ووفقاً للمعهد الجيولوجي الإسرائيلي، وقعت الهزة الأرضية على عمق أكثر من 20 كيلومتراً تحت سطح الأرض.

 

لا خطة متعددة السنوات، ولا ميزانية، ولا جهة تنسيقية

اعتبر رئيس لجنة شؤون رقابة الدولة أن "الهزة الأرضية الأخيرة كانت تذكيراً فعلياً ومؤلماً. فالحديث ليس حول سيناريو نظري وإنما حول حدث فعلي أكيد. السؤال الوحيد هو متى ستقع الهزة الأرضية. على طول السنوات نحن نرى في التقارير، تحذيرات ومداولات، ولكن عمليا لا توجد هناك أي خطة متعددة السنوات وملزمة، ولا توجد ميزانية متعددة السنوات ومنظمة، ولا أي جهة تنسيقية تتمتع بصلاحيات وقادرة على إخراج هذه الاستعدادات إلى حيز التنفيذ".

وشدّد على أنه "عندما يتم تعريف 73% من السلطات المحلية على أنها تستصعب أو من المحتمل أن تستصعب في الحالة الفعلية مواجهة الأوضاع فإن الموضوع الفعلي هو خطر حقيقي لحياة الناس. نحن نعلم حول عشرات آلاف المباني التي شيدت قبل العام 1985، وجزء كبير منها هو تحت خطر كبير. الموضوع هو الفجوات الجدية في مباني التربية والصحة والرفاه. هذا يستلزم الانتقال من التصريحات للأفعال".

رئيس بلدية ديمونا، بيني بيتون، وصف في مقابلة مع موقع "واينت"، اللحظة التي شعر فيها بالزلزال قائلا: "مكتبي بالكامل اهتز، ونظام البدالة في البلدية تعطل. رأيت كرسيي يهتز، لقد شعرنا بالزلزال حقا. وقعت زلازل عدة مرات في منطقتنا، لكن هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها فعليا بما يعنيه ذلك". وفي مدينة بيت شمش، كانوا يستعدون صباح ذلك اليوم لإجراء تمرين على الجاهزية للزلازل، وشعر السكان بالهزة خلال ذلك. وجاء في بيان صدر بهذا الشأن: "هذا الصباح، وكما أبلغنا، سيُجرى تمرين كبير ضمن أسبوع الجاهزية الوطني للطوارئ في المؤسسات التعليمية. ويهدف التمرين إلى محاكاة الجاهزية لحالة وقوع زلزال بكافة جوانبها. ومن باب المفارقة، وقبل دقائق من بدء التمرين، شُعر في مدن كثيرة بأنحاء البلاد، ومنها بيت شيمش، بزلزال قوته 3.9 درجة مصدره البحر الميت".

 

خطط وقرارات على الورق: "التحدّي ضخّ الميزانية"

ممثل مكتب مراقب الدولة قال في الجلسة: "الشعور هو أننا في بثّ مُعاد. نحن نعود لنكرر نفس المواضيع بعد سنوات، والفجوات ما زالت قائمة. تدعيم المباني، المباني العامة، مباني الإنقاذ، البنى التحتية، الطاقة. في كل واحد من هذه المجالات هناك فجوات جدية. يتم بناء المباني الجديدة وفق المواصفات والمعايير، ولكن المباني القائمة التي يعيش فيها الناس ويتعلمون ويعملون فيها ما زالت متأخرة. من دون خطة متعددة السنوات وميزانيات ومن دون آلية تنفيذ ملزمة، لا يمكن تقليص الفجوات. الوقت الذي يمر لا يعمل لصالحنا".

حضر الجلسة أيضاً مسؤول اللجنة التوجيهية الوزارية للتأهب للهزات الأرضية، الذي قال: "تعمل اللجنة التوجيهية منذ سنوات عديدة، والعمل المهني الذي أنجز يتيح اليوم عرض خطة منظمة. وقد اتخذ مؤخرا قرار واضح يقضي بتخصيص عامي 2026–2027 للتأهب الوطني للكوارث الزلزالية، وخلال أشهر معدودة ستعرض خطة كاملة على لجنة الوزراء. وتبلغ قيمة هذه الخطة نحو 17 مليار شيكل موزعة على مدى 17 عاما، وذلك بعد إجراء مسح شامل للاحتياجات وبمشاركة جميع الجهات المعنية. وتشمل الخطة تدعيم المباني والبنية التحتية والجسور والأنفاق، وتأهيل السلطات المحلية، وتنفيذ مشاريع الهدم وإعادة البناء. وقد خصصت بالفعل نحو 5 مليارات شيكل لمشاريع مزدوجة تجمع بين الحماية والتدعيم. والتحدي الرئيس حاليا هو وتيرة ضخ الميزانية". 

كذلك، ممثل الهيئة الوطنية للأمن القومي نوّه إلى أن: "أحد التحديات الكبرى يتمثل في أن التكرار الطويل الأمد لحدوث الزلازل يؤدي إلى تآكل الإحساس بالإلحاح، خاصة في فترات الحرب. ومع ذلك، فهناك تقدم ملحوظ، والمستوى السياسي واعٍ بالفجوات القائمة. وقد حدد وزير الدفاع أن السنوات القريبة المقبلة ستكرس للتأهب، وسينتهي هذا المسار بإجراء تمرين وطني واسع النطاق. فالتأهب للزلازل يعزز أيضا جهوزية الدولة للحرب. وستحال قرارات اللجنة إلى رئيس هيئة الأمن القومي لمواصلة المتابعة مع رئيس الحكومة".

 

موقع الهزّة جاء على منطقة صدع زلزالي رئيسة

مع حدوث الهزّة الأخيرة، أعادت وسائل الإعلام الإسرائيلية التذكير بأنه في شهر شباط عام 2025، ناقش "مجلس الأمن القومي" تداعيات زلازل تكتونية صغيرة وقعت في منطقة سانتوريني، في اليونان. وخلال النقاش، عُرض موقف الخبراء الذي يفيد بأن تراكماً غير مألوف لمثل هذه الهزات الصغيرة قد يؤدي إلى زلزال قوي إضافي، يمكن أن يتسبب بحدوث موجات تسونامي، قد تصل أيضاً إلى إسرائيل. وفي إثر ذلك، أجرى "مجلس الأمن القومي" تقييماً للوضع ووجّه وزارات الحكومة إلى الاستعداد لإمكانية من هذا النوع.

جاء في خلاصة النقاش: "نظراً لبُعد دولة إسرائيل عن منطقة الزلازل (نحو 900 كيلومتر)، فإن التقدير يشير إلى أن زمن الإنذار لوصول موجة تسونامي نتيجة زلزال قوي قد يصل إلى نحو ساعتين. ويتعيّن على هيئات الطوارئ ووزارات الحكومة الاستعداد لاحتمال أن تواجه دولة إسرائيل موجة تسونامي تتجه نحو سواحلها".

وشدّد العديد من الخبراء على أن الهزة الأرضية الأخيرة بالقرب من غور الأردن، ضربت مكاناً يقع على منطقة صدع زلزالي رئيسة بين الصفيحتين التكتونيتين الأفريقية والعربية. هذه المنطقة معرضة بشكل خاص للنشاط الزلزالي، ويقدّر الخبراء أن زلزالاً كبيراً يحدث فيها كل 80 إلى 100 عام. وقد وقع آخر زلزال كبير في العام 1927، مما أسفر عن مقتل 500 شخص وإصابة 700 آخرين، وهناك مخاوف من أن الزلزال التالي قد يكون وشيكاً.

ووفقاً لمسؤولين تحدثوا إلى لجنة الشؤون الداخلية والبيئة في الكنيست في تشرين الثاني، لا تزال إسرائيل غير مستعدة على الإطلاق لزلزال كبير، على الرغم من أكثر من 20 عاماً من التحذيرات والتدقيقات الحكومية المتكررة التي تسلط الضوء على الثغرات النظامية (يُنظر لاحقاً).

يقع البحر الميت ضمن الشق السوري الأفريقي، الذي شهد مرارا زلازل كانت في الغالب خفيفة إلى متوسطة. وقبل ثلاث سنوات، وقع زلزال هائل بلغت قوته 7.8 درجات في الطرف الشمالي لهذا الشق في جنوب تركيا، مما أسفر عن مقتل أكثر من 56 ألف شخص في تركيا وسورية.

 

تحذير سابق: "إخفاقات جسيمة في التخطيط والإدارة النظامية"

في الجلسة البرلمانية الأسبوع الماضي، عرض ممثلو قيادة الجبهة الداخلية، وشرطة إسرائيل، وسلطة الإطفاء والإنقاذ، ووزارة التربية والتعليم خلال النقاش أنشطتهم في مجال التأهب من خلال تنفيذ تدريبات، وتشغيل أنظمة إنذار مبكر، وتأهيل الطلاب والطواقم، وتدعيم جزئي لبعض المباني. وأشاروا إلى أنه من دون التعجيل في تدعيم المباني واعتماد ميزانية متعددة السنوات، لن يتسنى ضمان إنقاذ الأرواح بالمستوى المطلوب.

وهو ما كان تم التحذير منه أيضاً خلال جلسة للجنة الداخلية وحماية البيئة، أواخر تشرين الثاني الماضي، حول "تأهب الدولة للزلازل". وكشفت الجلسة عن "إخفاقات جسيمة في التخطيط الوطني والإدارة النظامية، وهي إخفاقات حذر منها مراقب الدولة منذ سنوات".

 وفقاً لمعطيات مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست، فإن الانتقال من خطة تاما 38 (الخطة الهيكلية الوطنية لتحصين المباني القديمة ضد الزلازل وتعزيز التجديد الحضري) إلى التعديل رقم 139 (الذي ينقل صلاحية المصادقة على خطط التجديد الحضري من المستوى الوطني إلى لجان التخطيط المحلية)، والذي يعتمد على الاقتصاد المحلي والربحية الريادية، لا يستجيب للمناطق المعرضة لخطر الزلازل في الأطراف. وخلال الجلسة، تبين ​أنه من أصل ميزانية مخصصة قدرها 186 مليون شيكل لتحصين المباني العامة، لم يُستخدَم فعلياً سوى حوالي 7 ملايين شيكل (حوالي 4%).

 وقدّم رؤساء السلطات المحلية الواقعة على طول الشق السوري الأفريقي صورةً قاتمة. فصرّح رئيس بلدية طبريا بأنه: "وفقاً للتوقعات، سيودي زلزال بقوة سبع درجات بحياة 1830 شخصاً في طبريا، وسينهار مبنى البلدية أيضاً. التجديد الحضري هنا غير مجدٍ اقتصادياً. إنني لا أنام ليلاً". وبحسب رئيس بلدية كريات شمونة، فإن أكثر من 50% من المباني في المدينة معرضة لخطر الانهيار الفوري وتحتاج إلى تحصينات.

 

بروتوكول قبل 5 أعوام: "لم يتم القيام بأي شيء"

وفقاً لبيان اللجنة، حينذاك: على الرغم من مسؤولية شرطة إسرائيل، وقيادة الجبهة الداخلية، وسلطة الطوارئ الوطنية، فليس هناك جهة واحدة تتمتع بصلاحيات شاملة لإدارة التأهب للزلازل. وصرح ممثل السلطة، قائلاً: "لا أعلم بوجود أية جهة محددة تُنسق جهود التأهب بأكملها. قد يحدث زلزال في أي لحظة، والدولة غير مستعدة. لا يقتصر الأمر على المباني فحسب، بل يشمل أيضاً المواد الخطرة، والاقتصاد، والمجتمع، والصحة".

الدكتور أريئيل هايمان، الباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، قال في النقاش حول خطر زلزال كبير قد يقع في كل وقت إن "هذا هو التهديد الأكبر لدولة إسرائيل. سيستغرق التعافي عقوداً. نعيش في وهم أن أحداً سوف يأتي لإنقاذنا". وعُرضت على اللجنة وثيقة رسمية من وزارة حماية البيئة تُفيد بوجود 1267 مصنعاً في إسرائيل تحتوي على مواد خطرة، لكن الإشراف عليها جميعاً يكاد يكون مستحيلاً.

وفقاً للوثيقة، وبالوتيرة الحالية، لن تكتمل عملية التأهب للزلازل في المصانع التي تحتوي على مواد خطرة إلا بعد حوالي 60 عاماً. بينما كشفت ممثلة وزارة حماية البيئة النقص الفادح في الرقابة والإشراف حين قالت: "لدينا وظيفة دائمة واحدة فقط، شخص واحد من المحتمل أن يشرف على جميع المصانع في البلاد. ليس لدينا القدرة على إدارة ذلك".

لا تزال التقارير التي دقّت ناقوس الخطر وحذّرت من الثمن الفادح لاستمرار المماطلة في التأهّب لكارثة زلزالية، توصياتها بعيدة عن التطبيق من قبل السلطات والوزارات الإسرائيلية المسؤولة. الواقعة التالية تجسّد الوضع، وهي من جلسة للجنة الرقابة نفسها التي افتُـتح بها أعلاه، تعود إلى شهر آب 2020، على خلفية تقرير خاص أصدره مراقب الدولة الإسرائيلي حول الموضوع. ومما جاء في بيان اللجنة: "إن الاستخفاف المتواصل من قبل الجهات التي يتوقع أن تجري الاستعدادات للزلازل الأرضية، يتسبب بفشل على الصعيد الوطني. في حقيقة الأمر فإنه باستثناء منظومة للإنذار المبكر وتطورات في مجال الأمان، لم يتم القيام بأي شيء منذ بضع سنوات إنما عكس ذلك: في جزء من الخطوات المصيرية تقهقرنا إلى الوراء كما قالت الجهات المهنية اليوم أمام اللجنة". وهو ملخّص ملائم لآخر جلسات اللجنة نفسها. 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات