المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 7
  • برهوم جرايسي

كشفت إحصائيات جديدة، وردت في الأيام والأسابيع القليلة الأخيرة، عن ارتفاع حاد في نسبة اليهود الحريديم المتزمتين دينياً، في العديد من المدن والبلدات الإسرائيلية، منها مستوطنات في الضفة الغربية، ومنها ما هي في الطريق لتصبح ذات أغلبية مطلقة للحريديم، وحتى كل البلدة بأسرها، وهذا بموازاة ظهور احصائيات جديدة تقول إن عدد الحريديم سجل في السنوات العشر الماضية، ارتفاعا بنسبة 53%، وبمعدل تكاثر طبيعي سنوي، حوالي 4%، في حين أن معدل النمو السكاني بشكل عام في إسرائيل لا يتجاوز 1.9%، وفي السنوات الثلاث الماضية ما بين 1% إلى 1.5%، وهذا إلى جانب مؤشرات اقتصادية اجتماعية، تعكس تدني المستوى المعيشي لدى هذه الشريحة، التي تزداد سنويا نسبتها من إجمالي السكان، حوالي 15% حاليا، و19% تقريبا، من اليهود الإسرائيليين وحدهم.

معطيات سكانية واقتصادية اجتماعية

وكان التقرير السنوي، حول جمهور الحريديم، الصادر عن "معهد الديمقراطية الإسرائيلي"، في نهاية العام الماضي 2025، قد أشار إلى أنه خلال السنوات العشر الماضية، من العام 2016 وحتى العام 2025، ازداد عدد الحريديم بنسبة 53%، وبات العدد يقارب 1.5 مليون نسمة، من أصل 9.8 مليون نسمة (من دون تعداد الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة، الذين يتم دمجهم في الاحصائيات السكانية الإسرائيلية).

ويُعدّ معدل نمو السكان الحريديم سريعا وعاليا، وقد يكون من الأعلى عالميا، إذ يبلغ 4% سنويا، مقارنة بمعدل 1.9% سنويا بين عامة السكان. ومن دون الحريديم، يبلغ معدل النمو السكاني في إسرائيل حوالي 1.5%، أي أن 21% من هذا النمو السكاني يعود إلى الحريديم. ويشكل الحريديم حاليا 15% من إجمالي السكان، ونسبة قاربت 19% من اليهود الإسرائيليين.

ويعود ذلك بشكل رئيس إلى ارتفاع معدل المواليد في مجتمع الحريديم، حيث يصل إلى 6.5 طفل لكل امرأة، وهو انخفاض طفيف مقارنة بالعقد الماضي. لذا، من المتوقع أن تصل نسبة مجتمع الحريديم، الذي يشكل حاليا 15% من إجمالي سكان إسرائيل، إلى ما يقارب ثلث سكان إسرائيل بحلول عام 2050، بحسب تقديرات "معهد الديمقراطية الإسرائيلي"، ونستنتج من هذا أن تكون نسبة الحريديم من اليهود حينها، حوالي 41%.

ويكشف التقرير السنوي عن تباطؤ معدل اندماج الرجال الحريديم في التعليم والعمل خلال العقد الماضي، وهو ما يقلق المؤسسة الإسرائيلية الرسمية. فبينما نما عدد الحريديم بنسبة 53% خلال العقد الماضي، لم يزد عدد الطلاب والطالبات الحريديم المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة إلا بنسبة 44% فقط، أي بمعدل أبطأ من معدل النمو السكاني، وهذا بحسب التعريفات الإسرائيلية مؤشر إلى قدرة الأجيال الشابة من الحريديم على الانخراط في التعليم العالي، وسوق العمل، إذ أن غالبيتهم ما تزال منخرطة في جهاز تعليم الحريديم، الذي منهاجه مستقل عن المنهاج الرسمي، وتختفي منه مواضيع علمية أساسية، أو أن تعليمها بالحد الأدنى، غير الكافي.

وتشير هذه البيانات، بحسب استعراض صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، إلى أن محاولات دمج الرجال الحريديم لم تُكلل بالنجاح. ويتعزز هذا الاستنتاج بالبيان المتعلق بثبات معدل الانخراط في سوق العمل بين الرجال الحريديم، والذي كان حوالي 52% قبل عقد من الزمن، وظل ثابتا عند 53% في العام 2025.

ويتضمن التقرير معطيات تنظر اليها المؤسسة الإسرائيلية الرسمية على أنها معطيات "إيجابية"، إذ أنه في معاهد التعليم العالي الإسرائيلية، تضاعف عدد الطلاب والطالبات الحريديم تقريبا خلال عقد من الزمن، ليصل إلى نحو 19 ألف طالب وطالبة في العام 2025. ويعود جزء كبير من هذه الزيادة إلى تنوع المسارات الدراسية المتاحة لنساء الحريديم، اللاتي انضممن إلى الأوساط الأكاديمية على نطاق أوسع، وإلى فتح مسارات دراسية للتدريس أمام الرجال الحريديم.

كذلك ارتفع معدل انخراط نساء الحريديم في سوق العمل، من 71% في العام 2016 إلى 81% في العام 2025، وهو ما يعادل معدل انخراط النساء اليهوديات من غير الحريديم، في سوق العمل. مع ذلك، لا تعمل نساء الحريديم بدوام كامل في الغالب.

لكن الفجوة تبرز في مستويات الرواتب، ومداخيل العائلة، إذ يقل متوسط ​​الدخل الإجمالي لعائلات الحريديم عن متوسط ​​دخل العائلات غير الحريدية: 14.8 ألف شيكل شهريا في العام 2022 للعائلات الحريدية، مقابل 23.6 ألف شيكل شهريا للعائلات غير الحريدية. ويضاف إلى هذا، أن عدد افراد العائلة في مجتمع الحريديم، أكثر من ضعفي عدد أفراد العائلة اليهودية من غير الحريديم.

إضافة إلى ذلك، يُظهر تحليل اتجاهات دخل العائلات، على مدى عقد من الزمن، أنه بين عامي 2012 و2022، تمكنت العائلات غير الحريدية من تحسين دخلها بنسبة تقارب 40%، بينما لم تتجاوز نسبة التحسن لدى العائلات الحريدية 26%.

ويتوقف التقرير السنوي عند احصائيات التجنيد، وهو الموضوع الحارق في الساحة الإسرائيلية، ففي العام 2024 لم ينخرط في الخدمة العسكرية الإلزامية، أو في ما تسمى "الخدمة المدنية" البديلة، سوى 2650 شابا من الذكور، وهذا لا يصل إلى نسبة 10% من الشريحة العمرية، ما بين 18 و24 عاما.

التمدد في مدن وبلدات 

وقد أجرى الدكتور أريئيل فينكلشتاين وأيالا غولدبرغ من "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" لصالح صحيفة "ذي ماركر"، تحليلا استنادا إلى بيانات من المكتب المركزي للإحصاء، يرسم خريطة لتطور التركيبة السكانية للحريديم في المدن والبلدات، بين السكان حتى سن عمر الستين.

ويُظهر التحليل أنه في 21 مدينة مختلفة، أي ليست مدنا حريدية، ارتفعت نسبة الحريديم بين السكان حتى عمر الستين بأكثر من 5% خلال 13 عاما، من العام 2010 إلى العام 2023. وفي 14 مدينة وبلدة من هذه المدن والبلدات، سُجّلت زيادة بنسبة 10% أو أكثر.

وفي 11 مدينة وبلدة من أصل 21 بلدية شملها التحليل، سُجّل انخفاض في مؤشر أو مؤشرين من مؤشرات القدرة الاقتصادية للسكان، خلال الفترة نفسها. وفي سبع بلديات لم يُسجّل أي انخفاض، وفي ثلاث بلديات سُجّل ارتفاع في مؤشر واحد.

ويقول فينكلشتاين: "يعكس انخفاض المؤشر الاجتماعي والاقتصادي تغيرا ملحوظا في الوضع الاجتماعي والاقتصادي لسكان المنطقة. ويتجلى ذلك بشكل رئيس في تراجع جودة التعليم وفرص العمل، وزيادة عدد الأطفال". 

ويضيف أنه "من وجهة نظر البلديات، يعكس هذا انخفاضا في الدخل نتيجة لتخفيضات ضريبة البلديات، وفي الوقت نفسه زيادة في حجم الموارد التي يجب استثمارها في كل ساكن. وهذا أحد الأسباب الرئيسة التي تدفع رؤساء المجالس البلدية والقروية إلى السعي للحد من ارتفاع نسبة الحريديم في مناطقهم، حتى وإن لم يعترف معظمهم بذلك علنا". 

ويوضح فينكلشتاين أن إحدى الأدوات السياسية التي يستخدمها رؤساء هذه المجالس للحد من الحريديم في بلداتهم هي "التخطيط الذي لا يتوافق مع نمط حياة الحريديم من حيث مساحة الشقق، أو بناء الأبراج الشاهقة، أو البناء بدون شرفات".

نماذج لمدن وبلدات ارتفعت فيها نسبة الحريديم

نستعرض في ما يلي تمدد الحريديم في بعض المدن والبلدات والمستوطنات، استنادا للتحليل الذي نشرته صحيفة "ذي ماركر".

مستوطنة غفعات زئيف، شمال القدس المحتلة: ارتفعت نسبة الحريديم من 26% في العام 2010، إلى 65% في العام 2023، ولاحقا، فإن النسبة الأولى تعود للوضعية التي كانت في العام 2010، والنسبة الثانية تعود للوضعية التي كانت في العام 2023، مع الإشارة إلى أن كل النسب في ارتفاع مع تقدم السنين. 

وفي مدينة بيت شيمش، غربي القدس، ارتفعت نسبة الحريديم من 58% إلى 80%، وهذه المدينة في الطريق لتصبح بنسبة 100% للحريديم، على ضوء هجرة ما تبقى من علمانيين، وحتى متدينين من التيار الديني الصهيوني.

وفي مدينة صفد شمال البلاد، التي كانت ذات يوم تتميز بكونها مدينة علمانية (بعد العام 1948 وتهجير أهلها الأصليين الفلسطينيين)، فقد ارتفعت نسبة الحريديم من 40% إلى 62%. 

وفي مدينة طبريا، الواقعة على البحيرة التي تحمل اسمها، وكانت المدينة العلمانية السياحية (أيضا بعد 1948)، ارتفعت نسبة الحريديم فيها من 17% إلى 37%، ونسبة كبيرة أيضا من التيار الديني الصهيوني، ما جعلها مدينة متدينين بأغلبيتها الساحقة، وازدادت هجرة العلمانيين منها، بحسب تقارير سابقة.

وبلدة يفنيئيل، على مشارف جنوب بحيرة طبريا، القائمة على أنقاض قرية يمّة الفلسطينية المهجّرة، ارتفعت فيها نسبة الحريديم من 54% إلى 71%. وفي مدينة العفولة، في مرج بن عامر، ارتفعت نسبة الحريديم من 5% إلى 18%.

أما مدينة نوف هجليل (نتسيرت عيليت سابقا) الواقعة على أراض من مدينة الناصرة وعدة قرى في الجوار، فإن إسكان الحريديم فيها هو مخطط حكومي مبرمج، للجم نسبة العرب المتزايدة في المدينة، وبات العرب يشكلون نسبة 30%، أما الحريديم فقد ارتفعت نسبتهم من 5% في العام 2010، إلى 13% في العام 2023، وهي نسبة في تزايد مستمر. والفارق في هذه المدينة بالذات، هو أن العرب هم من يرفعون المستوى الاقتصادي الاجتماعي في المدينة العصرية، بينما الحريديم سيزيدون من خفض مستوى التدريج الاقتصادي الاجتماعي للمدينة.

والحال في نوف هجليل نراها في مدينة اللد، الفلسطينية التاريخية، التي بات فيها أهل المدينة الأصلانيون أقلية، إذ ارتفعت نسبة اليهود الحريديم من 5% إلى 17%، وهذا أيضا وفق مخطط حكومي.

ونشير هنا إلى وجود 8 مستوطنات، على الأقل، في الضفة الغربية المحتلة، 100% من المستوطنين فيها هم من اليهود الحريديم، وأكبر هذه المستوطنات هي موديعين عيليت، التي يستوطن فيها حتى نهاية العام الماضي ما يقارب 93 ألف مستوطن، ومستوطنة بيتار عيليت التي يستوطن فيها أكثر من 75 ألف مستوطن حتى نهاية العام 2025.

المصطلحات المستخدمة:

اللد, موديعين, بيتار

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات