المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 7
  • وليد حباس

[قراءة في كتاب "الاحتلال من الداخل: رحلة إلى جذور الانقلاب الدستوري" لميخائيل سفارد]

في كتابه الجديد "الاحتلال من الداخل: رحلة إلى جذور الانقلاب الدستوري" (صادر في العام 2025)، يقدّم المحامي الإسرائيلي ميخائيل سفارد قراءة تحليلية تربط بين نظام السيطرة المفروض على الفلسطينيين منذ العام 1967 والتحولات السياسية والقانونية التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي نفسه في السنوات الأخيرة من جراء صعود اليمين الاستيطاني- التوراتي ومساعيه الى تقويض أسس "الديمقراطية" الإسرائيلية- ومن هنا يأتي أسم الكتاب "الاحتلال من الداخل". 

ينطلق سفارد من لحظة مفصلية حديثة نسبياً، وهي موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إسرائيل العام 2023 ضد خطة الحكومة لإضعاف الجهاز القضائي. فقد خرج مئات آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع دفاعاً عما اعتبروه "الديمقراطية الإسرائيلية". غير أن الكاتب يرى في تلك الاحتجاجات مفارقة عميقة، إذ طالبت قطاعات واسعة من الإسرائيليين بالحفاظ على "الديمقراطية" التي تتآكل من قبل اليمين الإسرائيلي من دون أن تضع هذه القطاعات المحتجة في الحسبان أن "الديمقراطية" التي يتحدثون عنها إنما هي "قصة من الخيال العلمي"، سيما مع استمرار السيطرة على ملايين الفلسطينيين المحرومين من الحقوق السياسية والمدنية في الأرض المحتلة تحديداً (بدون أن نأتي على ذكر الفلسطينيين في إسرائيل). من هنا جاء عنوان الكتاب "الاحتلال من الداخل"، إذ أراد المؤلف أن يشير إلى أن أدوات القمع التي طورتها إسرائيل في سياق حكم الفلسطينيين، وجرى "تشريعها" تدريجياً على مدار أكثر من 59 عاماً من عمر الاحتلال في 1967، بدأت تُستخدم بشكل متزايد داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، ضد معارضين ونشطاء ومنظمات مجتمع مدني إسرائيليين ويهود. وسفارد هو محام إسرائيلي في مجال حقوق الإنسان ومناهض بارز للاحتلال الإسرائيلي، ويحاول في هذا الكتاب فهم البنية الفكرية والمؤسساتية التي جعلت من الاحتلال منظومة سيطرة لا تقتصر آثارها على الفلسطينيين في الأرض المحتلة، بل تمتد تدريجياً إلى داخل الخط الأخضر لتطاول الإسرائيليين أنفسهم. 

الحجة المركزية التي يقوم عليها الكتاب هي أن الأنظمة القائمة على الامتياز العرقي أو القومي لا تبقى محصورة في مجال واحد. فحين يتم تطبيع انتهاك الحقوق الأساسية لفئة سكانية (في هذه الحالة، الفلسطينيون)، فإن الحدود الأخلاقية والقانونية تتآكل تدريجياً، ما يسمح بنقل هذه الممارسات إلى مجالات (مثلاً، تجاه الإسرائيلي اليهودي الليبرالي). يربط سفارد ذلك بصعود التيار الاستيطاني – الديني القومي داخل مؤسسات الحكم، معتبراً أنه لم يعد ينظر إلى الاحتلال كحالة مؤقتة، بل كمشروع دائم لإعادة تشكيل الفضاء السياسي بين النهر والبحر على أساس تفوق يهودي. وبذلك يصبح إضعاف القضاء وتقليص الضوابط المؤسسية خطوة ضرورية لتمكين هذا المشروع، لا مجرد نزاع تقني حول توازن السلطات.

لفهم هذا التحول داخل إسرائيل يولي الكاتب أهمية خاصة لتأثير الذاكرة الجماعية لليهود، وخصوصاً الهولوكوست، في تشكيل وعي سياسي يرى العالم منقسماً بين ضحايا وجلادين، ويغذي خوفاً وجودياً دائماً من الإبادة. يتقاطع هذا التحليل مع أفكار عالم الاجتماع زيغمونت باومان، الذي يشير إليه سفارد بوصفه أحد المؤثرين الرئيسيين في تفكيره. فكرة "الضحايا الوراثين" الذين يعيشون تحت ظل صدمة تاريخية مستمرة تساعد، برأيه، على فهم كيف يمكن لذاكرة المعاناة أن تتحول من دافع للتضامن الإنساني إلى أداة لتبرير سياسات قمعية. غير أن سفارد يحذر من التبسيط: فهذه الذهنية لا تعمل تلقائياً، بل تتغذى عبر التعليم والإعلام والخطاب السياسي، الذي يعيد إنتاج الخوف ويحوّله إلى شرعية للعنف البنيوي.

من الناحية المفاهيمية، يصف سفارد النظام السياسي في إسرائيل بأنه "إثنوقراطي" أكثر منه ديمقراطي. فبينما توجد مؤسسات منتخبة، ومحاكم، وإعلام حر نسبياً، فإن توزيع القوة والموارد والفرص يبقى محكوماً بهوية قومية. معيار الانتماء اليهودي، برأيه، لا يزال عاملا حاسما في تحديد موقع الفرد داخل هرم السلطة، سواء من حيث الوصول إلى الأرض أو الوظائف أو دوائر اتخاذ القرار. ويرى أن هذا الطابع الإثنوقراطي تعمّق بعد فشل عملية أوسلو، وفي ظل تراجع التيارات الليبرالية، وصعود اليمين القومي – الديني.

ثمة جزء مهم من الكتاب مخصص لتجربة الكاتب الشخصية كمحامٍ يدافع عن الفلسطينيين أمام المحاكم الإسرائيلية. يصف سفارد تحولاً دراماتيكياً في طبيعة عمله: فبعد أن كان معظم نشاطه يركز على تمثيل ضحايا الاحتلال الإسرائيلي (من الضفة الغربية، القدس وقطاع غزة)، أصبح جزء كبير منه اليوم موجهاً نحو حماية المدافعين عن حقوق الإنسان أنفسهم من الملاحقة والتضييق (خصوصاً منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية). يعكس هذا التحول، من وجهة نظره، تآكل الفضاء المدني وتزايد استخدام أدوات قانونية وأمنية لإسكات الأصوات الناقدة. كما يشير إلى تراجع استعداد المحكمة الإسرائيلية العليا للتدخل لصالح الفلسطينيين، نتيجة تغير تركيبتها الأيديولوجية وضغوط سياسية متصاعدة.

على مستوى أوسع، يضع سفارد ما يجري في إسرائيل ضمن موجة عالمية من الشعبوية السلطوية، معتبراً أن صعود قيادات تميل إلى تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات ليس ظاهرة محلية معزولة. ومع ذلك، يؤكد أن خصوصية الحالة الإسرائيلية تكمن في الارتباط العضوي بين هذا المسار الداخلي ونظام السيطرة على الفلسطينيين. فكلما تعمّق الاحتلال، ازدادت الحاجة إلى بنية حكم أقل خضوعاً للقيود الديمقراطية.

رغم الصورة القاتمة، لا ينهي سفارد كتابه بنبرة يأس مطلق. فهو يقر بأن المدى القصير يبدو قاتماً، لكنّه يرى أن الأنظمة القائمة على القمع المستمر تحتاج إلى استثمار طاقة متزايدة للسيطرة، ما يجعلها عرضة للأزمات والانهيار على المدى الأبعد. والكتاب بذلك يشكل مساهمة فكرية وقانونية مهمة لفهم الترابط البنيوي بين الاستعمار الاستيطاني والتحوّل السلطوي داخل إسرائيل. 

المصطلحات المستخدمة:

الخط الأخضر

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات