المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 14
  • وليد حباس

تاريخياً، تسيطر كيبوتسات الحركة العمالية واليسارية على مزارع الأبقار الحلوب، وهي تخضع الحليب إلى تخطيط مركزي، سياسات تمنع الاستيراد، أسعار عالية، مما يحافظ على أرباحهم ويضم ديمومة هيمنتهم على هذه السوق. يسعى بتسلئيل سموتريتش (كوزير مالية) إلى كسر هذا الاحتكار، ويعرض خطة إصلاح جديدة قد تنسف إمبراطورية الحليب القائمة منذ أكثر من 70 عاماً، والتي يعتبرها سموتريتش بأنها "جيوب اقتصادية" لليسار- العمالي، وتقطن فيها نخب تعتبر "ضد اليمين" ومعارضة لبنيامين نتنياهو. 

مما تتكون سوق الحليب في إسرائيل؟

سوق الحليب في إسرائيل تقوم على سلسلة إنتاج وتسويق متكاملة تشمل: 1) مزارعي الأبقار الحلوب، 2) مصانع تصنيع الحليب، و3) تجار الجملة الكبار. 

  1. مزارعو الأبقار الحلوب

منذ ثلاثينيات القرن الماضي، تركزت مزارع الأبقار في الكيبوتسات والموشافات التي شكّلت تاريخيا قاعدة الصهيونية اليسارية، وعصب الزراعة التعاونية الصهيونية التي لولاها لما استطاع المستوطنون الجدد التأقلم، بناء اقتصاد سيادي، وتأسيس دولة.

اليوم يوجد في إسرائيل نحو 600–650 مزرعة ألبان، يتوزع معظمها بين الكيبوتسات بوصفها مزارع تعاونية كبيرة، والموشافيم كمزارع تعاونية أصغر. وتتميز سوق إنتاج الحليب بعدة سمات أساسية. أولا، يسيطر أصحاب المزارع في الكيبوتسات والموشافيم على منظومة إنتاج الحليب ككل، من خلال الحفاظ على سياسات منع الاستيراد، والتحكم بجدول الأسعار، والاعتماد على مجلس تخطيط استراتيجي يعمل بصورة شبه مستقلة للدفاع عن مصالحهم داخل السوق. ثانياً، اليمين الجديد في إسرائيل ينظر إليهم باعتبارهم بقايا الهيمنة الاقتصادية للصهيونية اليسارية التي ما تزال تحتكر هذا القطاع. ثالثا، يشهد عدد مزارع الألبان تراجعا مستمرا، إذ انخفض من 991 مزرعة العام 2008 إلى نحو 650 مزرعة في العام 2025، وهو ما يعكس مسارا متزايدا لتركيز السوق. 

من المهم تقديم مثال عملي يوضح كيفية عمل مجلس تخطيط الحليب، وكيف ما يزال يدير حتى اليوم جيوبا "تعاونية- مركزية" لم تتأثر بصورة جدية بالسياسات النيوليبرالية في إسرائيل، بل وتنجح أيضا في حماية نفسها منها. ففي إسرائيل يوجد اليوم نحو 180 مزرعة ألبان كبيرة (يضم كل منها قطيعا يقارب 300 بقرة حلوب) إلى جانب حوالي 450 مزرعة ألبان صغيرة (لا يتجاوز قطيع الواحدة منها نحو 30 بقرة).

يعتمد مجلس الحليب على نظام حصص إنتاج صارم، إذ تحصل كل مزرعة، كبيرة كانت أم صغيرة، على حصة إنتاج محددة (كوتا). في حال زاد انتاج المزرعة عن الحصة المخططة لها، فإن فائض الحليب لا يباع بتاتا بالسعر الكامل، وبالتالي سيصبح غير مجد اقتصاديا. وبهذا المعنى، تتمتع كل مزرعة بحصة إنتاج مضمونة تحميها في مجالي البيع والتسويق، وتمنع تعرضها لخسائر ناتجة عن المنافسة المفتوحة. في المقابل، فإن أي مزرعة تنتج أكثر من حصتها وتحاول تسويق الفائض بشكل فردي تتكبد خسارة شبه مؤكدة.

استنادا إلى هذا النظام، يحدد مجلس تخطيط الحليب سعر بيع لتر الحليب، وهو سعر ملزم لجميع المزارع من دون استثناء. وتشير المعطيات إلى أن أسعار منتجات الألبان في إسرائيل تُعد من بين الأعلى في دول OECD، إذ تأتي في المرتبة الثالثة، بينما تكون بعض المنتجات أغلى بأكثر من 100% مقارنة بأسعارها في أوروبا. كما تشكل الألبان أحد أكبر البنود في سلة استهلاك الأسرة الإسرائيلية.

ومن المهم التوضيح أن جزءا أساسيا من ارتفاع أسعار الحليب يعود إلى سياسة مقصودة تهدف إلى الحفاظ على ربحية مزارع الأبقار الصغيرة، التي يبلغ عددها نحو 450 مزرعة. فلو أُلغيت هذه السياسة، ولو ترك الإنتاج للمزارع الكبيرة وحدها، لكان بالإمكان إنتاج الحليب بتكلفة أقل بكثير. وبشكل عام، تقوم هذه السوق الزراعية على حوالي 120 ألف بقرة، بحيث أن معدل الحليب التي تنتجه كل بقرة يصل إلى 12 ألف ليتر سنوياً، وهو من أعلى مستويات الإنتاجية في العالم. 

  1. مصانع الحليب

تبيع مزارع الأبقار الحلوب إنتاجها من الحليب الخام إلى مصانع الألبان في إسرائيل، حيث أن نحو 90% من الحليب يذهب إلى ثلاث شركات كبرى تهيمن على صناعة الألبان وتحتكر فعليا هذه السوق: تنوفا، شتراوس، وتارا. 

أولا، تنوفا هي أكبر شركة أغذية في إسرائيل والمصنع المهيمن في قطاع الألبان. حصتها في سوق الألبان تصل إلى حوالي 50–60% من منتجات المزارع. تأسست تنوفا عام 1926 لتكون الذراع المركزية للكيبوتسات والموشافيم في تسويق منتجات الألبان والبيض، لكنها تحولت مع الزمن إلى شركة خاصة، تتوزع ملكيتها اليوم بين رأسمال إسرائيلي ممثل بشركتي أباكس بارتنرز وميفتاش شامير، ورأسمال صيني تمثله شركة برايت فود.

ثانيا، شتراوس، التي تملك قسما رئيسيا للألبان واستحوذت تاريخيا على نحو 20–25% من سوق الألبان. وهي شركة خاصة أسستها عائلة شتراوس الصهيونية-الألمانية، وبدأت كمزرعة صغيرة تضم ثلاث بقرات فقط، قبل أن تتحول إلى أحد عمالقة صناعة الألبان في إسرائيل. في العام 2004 اندمجت مع شركة عيليت، ليصبح اسمها شتراوس- عيليت.

ثالثا، تارا للألبان، وهي ثالث أكبر معالج للحليب في إسرائيل، بحصة سوقية بنحو 12–14% بعد تنوفا وشتراوس. تأسست تارا العام 1942 نتيجة اندماج مجموعة من المزارعين بهدف تصنيع الألبان. وفي العام 2004 بيعت الشركة إلى كوكاكولا-إسرائيل، مع الحفاظ على درجة عالية من الاستقلالية في مجالي الإنتاج والابتكار.

​تشتري هذه الشركات الحليب الخام من المزارع، تقوم بتصنيعه، ثم تبيعه بالجملة مباشرة لشبكات السوبرماركت والمتاجر والمؤسسات (مثل السجون، الجيش، وغيرهما). وبهذا المعنى، فهي تسيطر على أكثر من 90% من قطاع تصنيع وتسويق الألبان في إسرائيل. تمتلك هذه الشركات تفوقا لوجستيا حاسما، يتمثل في أساطيل توزيع واسعة، ومخازن تبريد متقدمة، ونظام تسليم يومي منتظم لشبكات السوبرماركت. هذه البنية تجعل استبدالها بموردين آخرين أمرا مكلفا وغير عملي بالنسبة لتجار التجزئة. في المقابل، لا تُعد الأسواق الفلسطينية ذات قيمة استراتيجية لشركات الألبان الإسرائيلية وتستهلك فقط ما مقداره 1.5% من إنتاج الحليب الإسرائيلي. يعود ذلك إما بفعل حملات المقاطعة، أو نتيجة وجود شركات ألبان فلسطينية محلية تنافسها بأسعار أقل.  

  1. موزعو الحليب

تسيطر سلاسل السوبرماركت الإسرائيلية الرئيسة على معظم مبيعات الحليب للمستهلكين، عبر شبكات واسعة من المتاجر. تتصدر شوفرسال القائمة بحصة تُقدّر بنحو 25–30% من إجمالي مبيعات البقالة وذلك من خلال أكثر من 300 فرع.  تليها سلسلة رامي ليفي بحصة تتراوح بين 15–20%، وقد عززت موقعها بفضل سياسة الأسعار المنخفضة وانتشارها عبر أكثر من 50 فرعا. أما المرتبة الثالثة فتشغلها سلسلة فيكتوري، بحصة تُقدّر بنحو 10–12%، من خلال شبكة تضم أكثر من 200 متجر. في المقابل، تتقاسم السلاسل الأصغر والمتاجر المستقلة النسبة المتبقية من السوق، في ظل نمو تدريجي لمبيعات الأغذية عبر الإنترنت، بدون أن يغير ذلك حتى الآن من بنية الهيمنة القائمة.

كيف يريد سموتريتش تغيير سوق الحليب؟

يقوم الاصلاح الجديد في سوق الحليب، والذي يقترحه سموتريتش، على تفكيك نظام التخطيط المركزي الذي حكم قطاع الحليب منذ العام 1956، وإلغاء الدور العملي لمجلس الحليب، وتحويل السوق إلى سوق مفتوحة تنافسية. يتوقع أن يدخل القانون حيز التنفيذ في نيسان 2026 ضمن قانون الميزانية، وحسب الخطة سيعمل القانون على تخفيض تدريجي لأسعار الحليب الذي تبيعه المزارع للمصنعين بنحو 15% خلال 27 شهرا، ويسمح بالاستيراد بقرار من وزير الاقتصاد بعد التشاور مع وزيري المالية والزراعة. 

ظاهريا، الهدف هو خفض أسعار الحليب للمستهلك. لكن الحقيقة هي أن هناك محاولات لنقل مركز الثقل من التخطيط الزراعي والأمن الغذائي من الجيوب التعاونية التي لا تزال تسيطر عليها حركة العمل الصهيونية. فالإصلاح يضرب البنية القائمة لسوق الحليب من الأسفل، أي المربين الصغار والمتوسطين، الذين ستصبح ربحيتهم هامشية أو سالبة مع خفض سعر الحليب الخام. النتيجة المتوقعة هي إغلاق مزارع، خاصة البعيدة عن المصانع أو الاقل كفاءة، ما يعني تراجعا فوريا في عرض الحليب الطازج. في المقابل، تستفيد المصانع من خفض كلفة المادة الخام، بدون إلزام فعلي بتوسيع إنتاج الحليب الخاضع للرقابة، وهو أصلا أقل ربحية من الأجبان والمنتجات غير الخاضعة للتسعير. هذا يعمق تركيز القوة بيد عدد محدود من المصانع الكبرى، ويعيد توزيع الدخل داخل السلسلة لصالحها. 

تنسج هذه الإصلاحات م مع الخط الاقتصادي لسموتريتش، القائم على نيوليبرالية حادة تقطع مع إرث التخطيط، حتى في قطاعات سيادية مثل الغذاء. المفارقة أن هذا الخط، رغم خطابه القومي، يضعف السيطرة الفعلية للدولة على موارد أساسية، ويزيد التبعية للخارج وللاحتكارات. على المدى المتوسط، قد نشهد فائضا من الأجبان المستوردة، ونقصا في الحليب الطازج، ومعه ارتفاع أسعار فعلي بعد خروج منتجين محليين من السوق. على المدى البعيد، يتم تفكيك أحد أعمدة الاستيطان الزراعي القديم، وتحويله إلى نشاط غير مجد اقتصاديا. 

المصطلحات المستخدمة:

الصهيونية, بتسلئيل

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات