في 3 كانون الثاني 2026 نفّذت الولايات المتحدة عملية خاصة في قلب كاراكاس عاصمة فنزويلا انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، حيث تم نقله إلى الأراضي الأميركية تمهيداً لمحاكمته بتهم تتعلّق بإدارة كارتل مخدّرات والتورط في أنشطة غير قانونية عابرة للحدود. هذا الحدث لم يمرّ بهدوء في إسرائيل، إذ أثار سلسلة من المواقف والتعليقات السياسية والتحليلات وواكبته تغطية إعلامية قدّمت فنزويلا كجزء من المحور المناهض لإسرائيل، مع التركيز على علاقاتها بإيران وحزب الله وبقية الأطراف المحسوبة على هذا المحور.
نستعرض في هذه المساهمة كيف تفاعلت إسرائيل مع عملية اعتقال رئيس فنزويلا، من خلال ثلاثة مستويات متشابكة: أوّلاً، المستوى الرسمي كما برز في تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وعدد من وزراء الحكومة الإسرائيلية. ثانياً، مستوى مراكز الأبحاث التي حاولت قراءة الحدث في سياق أوسع يتعلق بتوازنات القوة الإقليمية والدولية. وثالثاً، المستوى الإعلامي كما ظهر في تغطيات وتحليلات الصحافة الإسرائيلية التي قدّمت العملية للرأي العام بوصفها حلقة جديدة في صراع طويل مع إيران وحلفائها في أميركا اللاتينية.
أوّلاً: الموقف الرسمي... ضربة لمحور الشر العالمي
سارع بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، إلى إعلان دعمه الكامل للعملية الأميركية، مؤكداً أنّ حكومته بكامل مكوّناتها تقف خلف القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.[1] ووصف نتنياهو مادورو بـالحاكم الديكتاتوري، مشيداً بما اعتبره خطوة حاسمة لإعادة الحرية والعدالة إلى فنزويلا وذلك خلال الجلسة الأسبوعية للحكومة في القدس.
وأوضح أنّ التحولات الجارية في أميركا اللاتينية تشير إلى عودة عدد من الدول إلى المحور الأميركي، معتبراً أن هذا الانحياز الطبيعي يفتح الباب أمام تعزيز علاقاتها مع إسرائيل. كما ثمّن نتنياهو تنفيذ القوات الأميركية لـعملية وصفها بالمثالية ، وبارك لترامب على ما وصفه بـالقيادة الجريئة والتاريخية والعمل البارع لقواته.
وفي السياق ذاته، عبّر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ عن ترحيبه بالعملية ووجّه شكراً مباشراً لترامب على قيادته الحاسمة التي تسهم في جعل العالم أكثر أمناً. وأشاد بدور واشنطن في المعركة العالمية ضد الأنظمة الوحشية الخارجة عن القانون والمزعزِعة للاستقرار، وضد تهريب المخدرات.[2]
أما سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون ففضّل المقارنة بين القيادة الحقيقية لترامب وتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش معتبراً أن الصمت أمام الأنظمة الخطرة ليس حياداً بل تواطؤاً.
كما كتب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عبر منصة X منشوراً أعلن فيه دعمه الكامل للعملية الأميركية، مؤكداً أن الولايات المتحدة تصرّفت كزعيمة للعالم الحر. ورحّب بإزاحة مادورو الذي قاد حسب وصفه شبكة للمخدرات والإرهاب. وأبدى ساعر أمله في عودة الديمقراطية إلى فنزويلا واستئناف علاقات طبيعية بينها وبين إسرائيل، مشدداً على أن أميركا الجنوبية تستحق مستقبلاً خالياً من محور الإرهاب والمخدرات. [3]
أما وزير الشتات عميحاي شيكلي فاعتبر اعتقال مادورو خبراً ساراً ليس لشعب كاراكاس فقط، بل ضربة قاسية لمحور الشر العالمي ورسالة واضحة لخامنئي. ورأى أن مادورو كان يدير إمبراطورية للجريمة وتهريب المخدرات توفّر دعماً مالياً مباشراً لإيران وحزب الله. واعتبر شيكلي أنّ الخطوات الحازمة التي اتخذها ترامب تُظهر أن القيادة القوية هي السبيل الوحيد لإخضاع الديكتاتوريين وأن العملية تشكّل جزءاً من معركة بين قيم الحرية والغرب من جهة، والتحالف بين الإسلام الراديكالي والشيوعية من جهة أخرى. وختم بالقول إنّ العالم أصبح اليوم مكاناً أكثر أماناً.
ثانياً: موقف مراكز الأبحاث الإسرائيلية... الاعتقال في خدمة المصالح الإسرائيلية
على اختلاف منطلقاتها الفكرية وزوايا تحليلها، تشترك ثلاثة مراكز بحثية في قراءة اعتقال مادورو كخطوة تخدم المصالح الإسرائيلية بصورة غير مباشرة وتعيد رسم البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران وحلفائها.
إذ يرى معهد دافيد لسياسات الأمن أن اعتقال مادورو ليس حدثاً محلياً في أميركا اللاتينية، بل خطوة ذات أثر مباشر على شبكة النفوذ الإيرانية وبُناها الخارجية. فوفق التحليل المنشور في المعهد، تحوّلت فنزويلا خلال عهد مادورو إلى عقدة مركزية تربط بين الجريمة المنظمة والإرهاب العابر للحدود، وممر رئيسي لتهريب الكوكايين الذي وفّر لحزب الله مئات الملايين من الدولارات سنوياً، وساهم في تعزيز قدراته العسكرية. كما شكّل النظام الفنزويلي منصة عمليات خارجية لإيران عبر توفير جوازات سفر مزوّرة، وتسهيلات لوجستية، ومسارات للالتفاف على العقوبات، وصولاً إلى التعاونات الأمنية والرحلات المباشرة بين طهران وكاراكاس. [4]
ومن هذا المنظور، يقدّر المعهد أنّ اعتقال مادورو يمثل ضربة مباشرة لقدرات إيران المالية والاستخباراتية خارج حدودها، كما يمنح إسرائيل فرصة لتعزيز الردع وإضعاف شبكات التمويل التي يعتمد عليها حزب الله، شرط أن تستثمر تل أبيب هذا الظرف من دون أن تمنح طهران ذريعة لصرف الأنظار عن أزماتها الداخلية.
أما معهد القدس للاستراتيجية والأمن فيركّز على البعد القانوني والأخلاقي للعملية الأميركية. ويذهب تحليله إلى أنّ ردود الفعل الدولية على اعتقال مادورو تكشف عن أزمة عميقة في فهم النظام الدولي لمفهوم الشرعية. إذ أن الدول مثل إيران وروسيا والصين وكوبا توظّف خطاب القانون الدولي كأداة لحماية القمع والفساد، بينما تنزلق الديمقراطيات الغربية نحو قانونية شكلية محايدة تُفرغ المبادئ الأخلاقية من مضمونها. [5]
مضافاً إلى ذلك، يقدّم المعهد فنزويلا كحالة نموذجية لدولة تحوّلت إلى ديكتاتورية كليبتوقراطية جرّدت مؤسساتها، وجرّمت المعارضة ودَفعت الملايين إلى الهجرة مستندة إلى شبكات عنف وجريمة عابرة للحدود. ومن هذا المنطلق، يرى التحليل أنّ العملية الأميركية تمثل اختباراً حاسماً للنظام الدولي إما قدرة على تطبيق القواعد وإعادة الاعتبار للمسؤولية، أو استمرار الانحدار نحو قانون بلا قوة يختبئ خلفه الطغاة.
في حين ينظر معهد مسغاف للأمن القومي إلى العملية الأميركية بوصفها جزءاً من إعادة تشكيل كبرى للتوازنات الجيوسياسية، لا كخطوة خارجة عن الأعراف. ويرى المعهد أن حكم مادورو شكّل اختراقاً خطيراً في الفناء الخلفي للولايات المتحدة عبر شبكة تحالفات عميقة مع روسيا والصين وإيران على حساب الشعب الفنزويلي. [6]
ووفق المعهد، فإن تدخل واشنطن يعيد رسم الخطوط الحمراء أمام موسكو وبكين، ويعيد الولايات المتحدة إلى سياسة الفعل المباشر بدل الاكتفاء بالتحذيرات. كما يربط المعهد العملية بالاقتصاد السياسي العالمي، ولا سيما معركة السيطرة على الطاقة والمعادن الحيوية وسلاسل التوريد، إذ تمثّل فنزويلا بأكبر احتياطي نفطي عالمي وبمخزون واسع من الذهب والمعادن الأساسية ساحة تنافس مركزية بين واشنطن ومحور روسيا- الصين - إيران. كما أن هذه التطورات قد تفتح مجالاً لإسرائيل للاندماج في مشاريع الطاقة والربط الإقليمي وسلاسل التوريد، ما يعزز مكانتها الاستراتيجية في نظر الولايات المتحدة، ويعمّق الضغط على إيران في الشرق الأوسط.
ثالثاً: موقف الصحافة الإسرائيلية... من كاراكاس رسالة إلى طهران
في البداية ترى صحيفة "هآرتس" أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يتعامل مع مادورو بوصفه فرداً يجب محاكمته؛ بل كحلقة استراتيجية يجب اقتلاعها من شبكة النفوذ المناهضة لواشنطن. وتوضح الصحيفة أنّ ترامب يستخدم ملفات المخدرات والإرهاب كغطاء قانوني وأخلاقي لعملية عسكرية هدفها الحقيقي إعادة هندسة ميزان القوى في نصف الكرة الغربي. [7]
وبحسب تحليلها، تسعى الإدارة الأميركية إلى تحويل فنزويلا من قاعدة نفوذ للصين وروسيا وإيران إلى ساحة أميركية بالكامل عبر السيطرة غير المباشرة على قطاع النفط الضخم في البلاد وضمان توسّع الشركات الأميركية الكبرى فيه، وفي مقدمتها شيفرون. وبهذا المعنى، ترى "هآرتس" أنّ الهدف ليس اعتقال مادورو فحسب بل تفكيك نظام يُنظر إليه كجزء مركزي من المحور الذي ينازع الولايات المتحدة على موارد الطاقة ومعادلات النفوذ في أميركا اللاتينية.
أمّا صحيفة "يديعوت أحرونوت" فتعكس موقفاً أكثر دعماً لواشنطن، إذ تعتبر أن اختطاف مادورو يمثل عودة الولايات المتحدة إلى دور شرطي العالم وإثباتاً بأن تهديدات ترامب ليست مجرد تصريحات. وأن فنزويلا أصبحت عقدة رئيسية في محور الشر المرتبط بتجارة المخدرات وشبكات الإرهاب وبعلاقات وثيقة مع حزب الله، ولذلك تُعدّ العملية رسالة ردع موجهة إلى إيران وروسيا والصين. وتؤكد أن العملية ليست سرقة نفط بل محاولة لإنقاذ قطاع منهار بما يخدم الأميركيين والفنزويليين معاً، معتبراً أن نجاحها قد يفتح مرحلة أكثر استقراراً. [8]
بينما ذهبت صحيفة "يسرائيل هيوم" أبعد من ذلك، إذ ترى أن العملية الأميركية في كاراكاس تكشف قبل كل شيء عن أزمة بنيوية داخل إسرائيل في منظومة القيادة واتخاذ القرار. فنجاح القوات الأميركية في تنفيذ عملية معقدة في قلب فنزويلا لا يُعزى إلى تفوق نوعي فحسب؛ بل إلى وجود سلسلة قيادة واضحة تخضع فيها المؤسسة العسكرية مباشرة للرئيس، من دون تداخل أو تردد. [9]
وتضع الصحيفة هذا النموذج في مواجهة ما تسميه فوضى القرار داخل إسرائيل حيث أدّى تدخل الجهاز القضائي في ملفات الأمن القومي إلى خلق حالة من التردد لدى القيادات العسكرية وتآكل الانضباط المؤسسي وشكوك متزايدة حول الجهة المخوّلة بإصدار القرار العملياتي النهائي. وتؤكد الصحيفة أن أي عملية مشابهة في إسرائيل كانت ستواجه عوائق قانونية وسياسية واسعة، على خلاف الغطاء القضائي السريع الذي منحته واشنطن لعمليتها ضد مادورو.
كما تربط الصحيفة بين العملية الأميركية وبين تحولات أيديولوجية أوسع في نصف الكرة الغربي وترى أنّ تراجع الأنظمة الماركسية ولا سيما في فنزويلا وكوبا يضعف الخطاب المعادي للصهيونية عالمياً، ويخلق بيئة استراتيجية أكثر ملائمة لإسرائيل.
[1] مكتب رئاسة الحكومة الإسرائيلية، منصة إكس، 3 كانون الثاني 2026. https://x.com/IsraeliPM/status/2007512129633677687?s=20
[2]JNS، "استعادة الحرية والعدالة: الحكومة الإسرائيلية تشيد باعتقال مادورو"، 4 كانون الثاني 2026. https://www.jns.org/netanyahu-salutes-trumps-stand-for-freedom-and-justice-in-venezuela/
[3] جدعون ساعر. الصفحة الرسمية على منصة إكس، 3 كانون الثاني 2025. https://x.com/gidonsaar/status/2007478022123725166?s=20
[4] موران ألّوف. "اعتقال مادورو: ضربة للمحور الإيراني وفرصة استراتيجية لإسرائيل"، موقع JDN، 8 كانون الثاني 2026. https://www.jdn.co.il/articles-and-opinions/2553278/
[5] عمّانوئيل نافون، "فنزويلا تختبر المصداقية الأخلاقية لأوروبا: القانون الدولي في امتحان الإنفاذ - فنزويلا والمأزق الغربي"، معهد القدس للاستراتيجية والأمن، 5 كانون الثاني 2026. https://jiss.org.il/navon-venezuela-tests-europes-moral-credibility/
[6] يوسف روزِن. "أصداء فنزويلا: عندما تتوقف القوة العظمى عن الكلام وتبدأ بالعمل"، معهد مسغاف، 7 كانون الثاني 2026. https://www.misgavins.org/rozen-venezuela-ripples/
[7] يشاي هيلفر. "ماذا يريد ترامب من مادورو؟ وهل ستسيطر الولايات المتحدة على نفط فنزويلا؟ هآرتس تشرح"، هآرتس، 3 كانون الثاني 2026. https://www.haaretz.co.il/news/world/america/2026-01-03/ty-article/0000019b-8486-dd73-abff-96cebd2b0000
[8] بن درور يميني. "ترامب في دور شرطيّ العالم"، يديعوت أحرونوت، 4 كانون الثاني 2026، https://www.ynet.co.il/news/article/yokra14634591
[9] أمنون لورد. "الجيش الإسرائيلي لم يكن قادراً على تنفيذ عملية مثل عملية فنزويلا - والسبب محزن"، يسرائيل هيوم، 7 كانون الثاني 2026. https://www.israelhayom.co.il/magazine/hashavua/article/19628623
المصطلحات المستخدمة:
يديعوت أحرونوت, هآرتس, يسرائيل هيوم, أمنا, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو