المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 11
  • عبد القادر بدوي

أفرزت حرب الإبادة على قطاع غزة ديناميات احتجاجية متواصلة داخل المجتمع الإسرائيلي، أدّت إلى تشكّل أطر مدنية جديدة تمحورت حول قضايا إسرائيلية داخلية مثل: المساءلة، وتحميل المسؤولية، وآليات التحقيق في الإخفاقات التي رافقت الحرب التي توسعت لتشمل لبنان وسورية واليمن وإيران. وقد برز "مجلس أكتوبر" كأحد هذه الأجسام المدنية مطالباً بإقامة لجنة تحقيق رسمية وفق قانون لجان التحقيق. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل نشوء هذا المجلس عن سياق أوسع من تسييس الاحتجاج خلال الحرب، وهو سياق قد يفضي لاحقاً إلى تحوّل بعض هذه الأطر المدنية إلى فواعل سياسية منظّمة، أو إلى تشكيل أطر حزبية جديدة في الاستحقاقات الانتخابية القادمة. هذه المساهمة تسلط الضوء على نشأة "منتدى مجلس أكتوبر" وأهدافه المعلنة ومسارات نشاطه العام والقانوني.

يعد "منتدى مجلس أكتوبر" أحد أبرز الأطر المدنية التي تشكّلت في إسرائيل في أعقاب هجوم طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بوصفه تجمعاً منظماً يضم أكثر من 1500 عائلة من "عائلات القتلى، الأسرى، والناجين من الهجوم، إلى جانب جنود احتياط شاركوا في الحرب"، وقد جاء تأسيس هذا الإطار في سياق اجتماعي وسياسي داخلي مشحون، تميز بتفاقم الشعور بفقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية، وبالطريقة التي أدارت بها الحكومة الإسرائيلية الحرب، سواء على مستوى تحمّل المسؤولية أو في ما يتعلّق بآليات التحقيق والمساءلة لاحقاً.

خلال العام 2025، جرى تسجيل "مجلس أكتوبر" رسمياً كجمعية تحت اسم "مجلس أكتوبر- الحقيقة والأمن"، في خطوة هدفت إلى إضفاء طابع مؤسسي وقانوني على نشاطه، وتنظيم مسارات عمله العام، سواءً على مستوى الضغط السياسي أو العمل القانوني أو النشاطات التوعوية والتذكارية المرتبطة بأحداث 7 أكتوبر.

 

الأهداف المركزية للمجلس

يتركز الهدف الأساس لـ "مجلس أكتوبر" في المطالبة بإقامة لجنة تحقيق رسمية، تتشكل وفقاً لقانون لجان التحقيق المعمول به في إسرائيل، ويؤكد المجلس أن هذه اللجنة يجب أن تتمتع بصلاحيات كاملة ومستقلة، بما يتيح لها: "الوصول إلى الحقيقة، تحقيق العدالة لعائلات الضحايا، واستخلاص العبر الضرورية" لمنع تكرار ما يصفه المجلس بـ "الكارثة القادمة". ينطلق هذا المطلب من موقف نقدي حاد تجاه نوايا الحكومة الإسرائيلية، التي عبّرت، وفق ما يورده المجلس، عن رغبتها في إقامة لجنة تحقيق حكومية لا تستند إلى قانون لجان التحقيق، حيث يرى أعضاء المجلس في هذا التوجه محاولة للالتفاف على الحقيقة، والتهرب من المسؤولية السياسية والمؤسسية، وتفريغ عملية التحقيق من مضمونها، بما يفضي في نهاية المطاف إلى إعفاء المسؤولين عن الإخفاق من المساءلة والعقاب.

خلفية التأسيس والفاعلون المركزيون

 

تأسس "مجلس أكتوبر" في بداياته على يد عشرين عائلة، من بينها "عائلات ثكلى، وناجون من الهجوم، وعائلات أسرى، وسكان من مستوطنات غلاف غزة، وجنود احتياط شاركوا في الحرب". وقد جاء قرار إنشاء هذا الإطار نتيجة مخاوف متزايدة لدى هذه العائلات من امتناع الحكومة عن إقامة لجنة تحقيق رسمية وفق القانون، وهو ما اعتُبر مؤشراً إلى غياب الإرادة السياسية لمحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات التي سبقت 7 أكتوبر وترافقت مع حرب الإبادة. 

برزت ضمن المجلس عدد من الشخصيات التي لعبت دوراً قيادياً في نشاطه العام، من بينها رافي بن شطريت، والد إلروي بن شطريت الذي قُتل في الهجوم في قاعدة "ناحال عوز" العسكرية؛ وجون بولين، والد هيرش غولدبرغ- بولين الذي قُتل في الأنفاق من قبل الجيش الإسرائيلي بعد أن نجا قرابة عام؛ وحاييم يلين، أحد الناجين من الهجوم في مستوطنة "بئيري" ورئيس مجلس إشكول الإقليمي السابق؛ بالإضافة إلى عائلات مرسيانو وأشل، اللتين قتلت بناتهما المجندات المراقِبات في قاعدة "ناحال عوز".

 

مسارات النشاط والاحتجاج

شهد نشاط "مجلس أكتوبر" تصاعداً تدريجياً منذ الإعلان الرسمي عن تأسيسه، ففي 15 تشرين الثاني 2024، وبالتزامن مع إحياء مرور 400 يوم على أحداث 7 أكتوبر، ومع انتهاء سنة الحداد، عقدت العائلات مؤتمراً صحافياً أعلنت خلاله عن إقامة المجلس، مؤكدة أن مطلبها الأول يتمثل في إقامة لجنة تحقيق رسمية. في 15 أيار، وبعد قرار الحكومة عدم إقامة لجنة وفق قانون لجان التحقيق، صعّد أعضاء المجلس خطابهم، معتبرين أن أعضاء الحكومة يقعون في حالة تضارب مصالح، ومؤكدين أن "الشخص قيد التحقيق لا يمكنه تعيين المحقّق الخاص به"، وقد شكّل هذا التصريح أحد العناوين المركزية في خطاب المجلس، معبّراً عن رفضه لأي صيغة تحقيق تُدار أو تُضبط من قبل الحكومة نفسها.

في 15 أيار 2025، وجّه المجلس رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مطالباً بعقد لقاء عاجل معه، والاستجابة لمطلب إقامة لجنة تحقيق رسمية. وأشار المجلس في رسالته إلى أن هذه كانت المرة الثالثة التي يتوجه فيها إلى رئيس الحكومة من دون تلقي رد، مؤكداً أن العائلات التزمت، على مدار ما يقارب 600 يوم، بسلوك "دولاني"- (رسمي ومسؤول)، إلا أن إعلان نتنياهو عدم نيته إقامة لجنة تحقيق رسمية دفعها إلى تصعيد نضالها. لاحقاً، أعلن أعضاء المجلس نيتهم العمل من أجل تقديم موعد الانتخابات العامة، على أمل أن تُفضي الانتخابات المقبلة إلى تشكيل حكومة جديدة تقيم لجنة تحقيق رسمية، وأوضح المجلس أن هذا القرار جاء بعد سلسلة لقاءات مع وزراء، وأعضاء كنيست، وشخصيات عامة، أكد معظمهم في بداية الطريق دعمهم لإقامة لجنة تحقيق، قبل أن يتراجعوا عن مواقفهم لاحقاً، وشدّد المجلس في هذا السياق على أن المطالبة بالحقيقة ليست مطلباً سياسياً، بل مطلباً "أخلاقياً".

 

المسار القانوني والتصعيد الجماهيري

في 14 حزيران انضم "مجلس أكتوبر" إلى التماس قُدّم إلى المحكمة العليا، إلى جانب المدعية العسكرية العامة والحركة من أجل جودة الحكم، ضد مراقب الدولة، مطالبين بوقف إجراءات الرقابة التي يجريها في قضايا جوهرية مرتبطة بإخفاقات 7 أكتوبر. وفي 17 آب أعلن المجلس، بالتعاون مع مقر عائلات الأسرى، عن "يوم إضراب" شامل في إسرائيل، شارك فيه مئات الآلاف، مطالبين بإنهاء الحرب، وإعادة جميع الأسرى، وإقامة لجنة تحقيق رسمية. وقد تواصل التصعيد في 11 آب مع عقد مؤتمر صحافي أُعلن فيه عن تنظيم مؤتمر طوارئ تحت عنوان "عامان بلا إجابات" والتأكيد على أن الاحتجاج سيتصاعد حتى إقامة لجنة تحقيق رسمية، وقد جاء هذا المؤتمر على خلفية تحركات مراقب الدولة لفحص قضايا تتعلق بجوهر إخفاقات 7 أكتوبر، وهي تحركات رأى فيها المجلس محاولة للالتفاف على إقامة لجنة تحقيق رسمية.

لاحقاً، أعلن المجلس عن سلسلة احتجاجات، من بينها "تظاهرة غضب" أمام منزل رئيس الحكومة في القدس، وإطلاق "جدار الحقيقة" في ساحة "هبيما"، وتنظيم مظاهرات واسعة بمشاركة قادة أحزاب المعارضة، احتجاجاً على قرار الحكومة إقامة لجنة تحقيق حكومية لا تستند إلى قانون لجان التحقيق. وفي كانون الأول الماضي، صعّد المجلس تحركاته بالتزامن مع المصادقة على مقترحات قوانين تهدف إلى إقامة لجنة تحقيق بديلة (حكومية)، من خلال مظاهرات أمام مكتب رئيس الحكومة وأمام الكنيست، ورسائل رسمية إلى رئيس جهاز الأمن العام ("الشاباك")، عبّر فيها عن اشتباهه بمحاولات ممنهجة لطمس الحقيقة والتهرب من المسؤولية.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات