رفع بنك إسرائيل المركزي في تقريره الدوري، الصادر الأسبوع الماضي، تقديراته للنمو الاقتصادي الإسرائيلي إلى 5.2% في العام الجاري، زيادة بنسبة 0.4% عن تقديراته الصادرة قبل نحو 4 أشهر، كما خفّض تقديراته للتضخم المالي للعام الجاري، وأيضا خفض تقديرات لنسبة الدين العام، من حجم الناتج العام في العام الماضي 2025، وهذا في الوقت الذي فاجأ فيه البنك معظم المحللين، بقراره خفض الفائدة البنكية، للمرّة الثانية على التوالي، بربع نقطة، نسبة 0.25%، على ضوء التراجع الكبير في وتيرة التضخم المالي (الغلاء). وفي سياق الاقتصاد أظهر تقرير بحثي جديد، أن نسبة انخراط الرجال في سوق العمل الإسرائيلية، تقل بنحو 8%، عن معدلها في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية العالمية OECD.
وكما ذكر، فقد خفّض بنك إسرائيل المركزي الفائدة البنكية، للمرة الثانية على التوالي (السابقة في نهاية شهر تشرين الثاني الماضي) بنسبة ربع نقطة (0.25%)، وباتت الفائدة حاليا 4%، تضاف لها نسبة 1.5% ثابتة، بمعنى أن الفائدة الاجمالية باتت 5.5%. ويقدّر قسم الأبحاث بأن نسبة الفائدة ستصل إلى 3.5% قبل نهاية العام الجاري، تضاف لها النسبة الثابتة 1.5%، ما يعني أنه من المتوقع خفض نسبة الفائدة مرتين إضافيتين خلال العام الجاري.
وإلى جانب قرار خفض نسبة الفائدة، رفع بنك إسرائيل توقعاته للنمو الاقتصادي، إذ يُقدر قسم الأبحاث، في البنك المركزي، بأن الاقتصاد سينمو بنسبة 2.8% في العام الماضي 2025، بزيادة قدرها 0.3 نقطة مئوية مقارنة بالتوقعات السابقة الصادرة في أيلول الماضي.
كما رفع البنك توقعاته للنمو في هذا العام 2026، إلى 5.2%، مقارنة بـ 4.8% في التوقعات السابقة؛ كما يقدر بنك إسرائيل، منذ الآن، أن النمو سيكون مرتفعا نسبيا في العام المقبل 2027 أيضا، وقد يبلغ 4.3%. ما يعني أن النمو المتوقع في العامين الجاري والمقبل 2027، سوية مع ارتفاع النمو عن تقديرات سابقة، في العام الماضي 2025، من شأنه أن يسد تراجعات النمو في عامي الحرب على قطاع غزة.
ويرى بنك إسرائيل أن "بيئة التضخم (الغلاء) قد شهدت اعتدالا. فقد انخفض مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.5% في تشرين الثاني 2025، وبلغ معدل التضخم السنوي 2.4%. ويتوقع المحللون أن يشهد مؤشر كانون الأول ارتفاعا طفيفا في معدل التضخم السنوي، ثم ينخفض بعد ذلك إلى ما يقارب المستوى المستهدف". أما في العام الجديد، فتوقع البنك، أن يكون التضخم منخفضاً للغاية، حوالي 1.7% (بانخفاض قدره 0.5 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة)، وحوالي 2% في العام 2027.
وعلى ضوء التطورات الاقتصادية، خفّض بنك إسرائيل توقعاته للديْن العام بشكل ملحوظ إلى 68.5% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، في نهاية العام 2025 (بانخفاض قدره 2.5% عن التوقعات السابقة)، وإلى المستوى نفسه في نهاية العامين الجاري 2026، والمقبل 2027.
كما يتفق بنك إسرائيل مع توقعات وزارة المالية بشأن عجز الموازنة العامة، ويقدر الآن أن العجز في العام 2026 سيبلغ 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي، بانخفاض قدره 0.4% عن التوقعات السابقة.
وصرّح البروفيسور أمير يارون، محافظ بنك إسرائيل، في المؤتمر الصحافي الذي عرض فيه تقريره، قائلا: "مع بداية العام 2026، ورغم تراجع حالة عدم اليقين الجيوسياسي، فإننا نواجه تحديات اقتصادية تُبرز الحاجة إلى سياسات اقتصادية مسؤولة، تدعم النمو الاقتصادي في السنوات المقبلة، وتضمن استمرار الاستقرار المالي".
وقال المحافظ إن قرار خفض الفائدة جاء في أعقاب انخفاض معدّل التضخم (مؤشر الغلاء)، الذي يُتوقع أن ينخفض إلى ما دون مستوى الهدف الأعلى (3%) في الربع الأول من هذا العام 2026. ووفقا للمحافظ، فمن المتوقع أن يؤدي مؤشر الغلاء في كانون الأول الماضي، الذي سيعلن عنه هذا الأسبوع، إلى ارتفاع التضخم إلى مستوى أعلى من القائم، لكنه يبقى دون الحد الأعلى للهدف، لكن من المتوقع أن ينخفض التضخم بشكل حاد بعد ذلك.
وأشار يارون إلى أن البيانات الأخيرة تُشير إلى انخفاض الضغوط في سوق العمل، أي انخفاض نقص العمالة، وهي الضغوط التي أدت حتى الآن إلى ارتفاع الأسعار. وقد نتج هذا الانخفاض في الضغوط عن زيادة معدّل المشاركة في سوق العمل، ويعود ذلك جزئيا إلى انخفاض عدد جنود الاحتياط وعودتهم إلى سوق العمل.
ردا على سؤال صحيفة "ذي ماركر"، حول ما إذا كانت الضغوط السياسية، بأي شكل من الأشكال، قد أثرت على قرار بنك إسرائيل، قال يارون: "إن جدران غرفة لجنة السياسة النقدية متينة للغاية، ولا تخترقها الضوضاء الخارجية. وهذا لا علاقة له بالقرار الحالي. نحن نتصرف وفقا للبيانات والتطورات الاقتصادية. نعرف كيف نكون حازمين للغاية عندما نرى ضرورة الإبقاء على نسبة الفائدة من دون تغيير، ونعرف كيف نكون مرنين عندما نرى تغيرا في الظروف. في الواقع، منذ وقف إطلاق النار، الذي تم تقديمه مقارنة بتوقعاتنا السابقة، حدثت تطورات كنا قد توقعنا حدوثها في وقت أبكر، وقد أدى ذلك إلى عدد من العوامل التي رجّحت كفة قرار نسبة الفائدة".
البنوك الرابح الأكبر من الفائدة
الرابح الأكبر من ارتفاع الفائدة البنكية، في السنوات الثلاث الأخيرة الماضية، كانت البنوك، وخاصة البنوك الخمسة الأكبر، التي من التوقع أن تكون قد سجّلت في العام 2025 المنصرم ذروة جديدة في أرباحها، وأن تكون قد تجاوزت 30 مليار شيكل أرباحا صافية، (معدل صرف الدولار في أثناء كتابة هذا المقال حول 3.2 شيكل). لكن سيعلن عن الأرباح مع نهاية الربع الأول من العام الجديد 2026.
وبحسب تقديرات صحيفة "كالكاليست"، فإن البنوك الخمسة الكبرى، ستكون قد حققت في السنوات الثلاث الأخيرة، أرباحا صافية تتجاوز 85 مليار شيكل، وبحسب التقديرات، فإنه مع تراجع مستوى الفائدة المتوقع، في العام الجديد، فإن الأرباح ستتراجع، لكنها ستبقى عالية جدا.
وجرت في العامين الأخيرين محاولات لزيادة الضرائب على البنوك، وخاصة في الكنيست، بمبادرة نواب من الائتلاف والمعارضة، إلا أن الأمر جوبه بمعارضة من بنك إسرائيل المركزي، وضغوط مارستها البنوك، وفي العام الماضي، قبلت البنوك بأن تحول 2.5 مليار شيكل للخزينة العامة، ليس كضريبة جديدة، وإنما ما يمكن تسميتها "بادرة حسن نية".
إلا أنه مع نهايات العام الماضي، بادرت وزارة المالية، وأقرت الحكومة، ضريبة جديدة على الأرباح الزائدة في البنوك، رغم معارضة بنك إسرائيل المركزي، ودخل هذا القرار حيز التنفيذ في العام الجديد الجاري، وسيستمر حتى العام 2030.
وتقضي الضريبة الإضافية بفرض نسبة 15% على الأرباح الزائدة في البنوك، وهو قانون محدد للسنوات المقبلة كما ذكر؛ وحسب التوقعات فإنه سيجبي من البنوك ضريبة إجمالية بقيمة 1.13 مليار شيكل في العام الجديد 2026، و1.5 مليار شيكل في كل واحدة من السنوات من 2027 وحتى 2030.
وسيتم فحص معدل أرباح البنوك في السنوات من 2018 وحتى 2022، حينما كانت الفائدة البنكية في أدنى مستوياتها، ثم ستفرض الضريبة على كل بنك يحقق أرباحا سنوية، تزيد بنسبة 50% عن المعدل السابق ذكره.
ويستثني القانون بنوكا صغيرة، كتلك التي أملاكها لا تتجاوز نسبة 5% من إجمالي أملاك البنوك الإسرائيلية عامة.
انخراط قليل للرجال في سوق العمل
أظهر تقرير جديد لـ "مركز طاوب لأبحاث السياسات الاجتماعية" في إسرائيل، أن معدل انخراط الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 عاما في سوق العمل، يقل بنحو 8% عن متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، OECD، مقارنة بفارق لا يتجاوز 3% قبل عقد من الزمن. أما معدل انخراط النساء فيزيد بنحو 7% عن المتوسط في دول OECD، إلا أن هذا الفارق الإسرائيلي قد تقلص مقارنة بفارق بلغ نحو 11% في العام 2015.
وبحسب تحليل التقرير المذكور، يُرجح أن يكون ازدياد عدد السكان الحريديم والعرب، الذين لا تزال مستويات انخراطهم في سوق العمل منخفضة نسبيا، قد ساهم في ذلك. وهذا على الرغم من ارتفاع نسبة انخراط النساء الحريديات والعربيات.
وبحسب التقديرات، فإن معدل انخراط رجال الحريديم في سوق العمل يتأرجح حول نسبة 50% فقط، وهذا يعود لامتناع الرجال عن التوجه إلى سوق العمل، ليبقوا في معاهد دينية، تحت تسمية "طلاب دين"، ويتلقون مخصصات اجتماعية من خزينة الدولة، وهو الجدل الساخن الذي يرافق إسرائيل منذ عشرات السنين، ويحتد مع تقدم السنين، نظرا للارتفاع المتواصل في نسبة الحريديم من السكان، إذ تقدر حاليا بأكثر من 14% من إجمالي السكان، وأكثر من 17% من اليهود وحدهم.
ويقول التقرير إنه لوحظ بين الرجال الحريديم اتجاه متجدد نحو انخفاض معدلات التوظيف مقارنة بفترة ما قبل الحرب. أما الرجال اليهود غير الحريديم، فقد حافظوا على معدل توظيف مرتفع بلغ حوالي 87%.
أما بين النساء، فقد اختفت فجوة التوظيف تقريبا بين النساء اليهوديات الحريديات وغير الحريديات، وبلغ معدل التوظيف في كلتا المجموعتين 83% في الربع الأول من العام 2025.
إلا أنه بالنسبة للعرب، فإن الأسباب مختلفة كليا، إذ يتأثر المجتمع الفلسطيني في الداخل من سياسات التمييز المستمرة منذ ما يقارب 78 عاما، فمعدل انخراط الرجال العرب من عمر 15 إلى 64 عاما، في سوق العمل، تجاوز بقليل نسبة 77%، في مطلع العام الماضي 2025، ويقول التقرير إن هذا أقل بقليل من الذروة التي تم تسجيلها في العام 2023، وكانت بنسبة 79%.
ومن أسباب انخفاض انخراط الرجال العرب في سوق العمل البطالة التي هي أعلى من المجتمع اليهودي، وبشكل خاص البطالة بين الأكاديميين الذين لا يجدون أماكن عمل، لكن أيضا من أبرز الأسباب انخراط العرب أكثر من غيرهم، في قطاعات الأعمال الصعبة، التي تحتاج جهدا جسديا، مثل قطاع البناء وغيرهم، ما يدفع العاملين إلى التقاعد المبكر جدا، أو التوقف عن العمل لأسباب صحية.
وبالنسبة للنساء العربيات، يقول التقرير إن نسبة انخراطهن في سوق العمل ارتفعت إلى 49%، لكن تقريراً آخر ظهر قبل نحو ثلاثة شهور، تحدث عن نسبة تجاوزت 50%. ونشير هنا إلى أنه كلما قلّ جيل النساء، كانت نسبة انخراطهن في سوق العمل أعلى، وخاصة النساء الشابات، لكن أيضا لدى النساء العربيات أزمة بطالة أشد من الرجال، وبشكل خاص بين الأكاديميات العربيات، نظرا لقلة فرص العمل في العديد من القطاعات التي تحتاج إلى مؤهلات أكاديمية، تلائم مؤهلات النساء العربيات.