في 23 كانون الأول 2025، أعلن وزير المالية والوزير الثاني في وزارة الدفاع الإسرائيلية بتسلئيل سموتريتش عن نقل وحدات الخدمات التابعة للإدارة المدنية من مقرّها في مستوطنة بيت إيل، قرب رام الله، إلى مبنى جديد في منطقة "بوابة بنيامين" الواقعة بين جبع ومخماس.
وخلال حفل افتتاح المقر الجديد، وصف سموتريتش الخطوة بأنها "تاريخية"، مسوّغاً ذلك بسببين أساسيين. الأول، أن المقر السابق للإدارة المدنية كان داخل مجمّع القيادة الوسطى للجيش الإسرائيلي في بيت إيل، ما حافظ، ولو رمزياً، على تصور الإدارة المدنية بوصفها بيروقراطية احتلال تابعة للمنظومة العسكرية. أما نقلها إلى مبنى مدني منفصل، فيكسر هذا الارتباط الرمزي، إذ ستعمل الإدارة المدنية من الآن فصاعداً في مكاتب شبيهة بمكاتب الحكومة، بعيداً عن "ضوضاء" الجيش والزي العسكري والثكنات المسوّرة. أما السبب الثاني، بحسب سموتريتش، فهو أن الخطوة تعبّر عن فصل بين "المدني" و"العسكري"، بما ينسجم (ولو جزئياً حتى الآن) مع تصريحه في العام 2024 بنيته إغلاق الإدارة المدنية أو إعادة تعريفها.
غير أن هذا الفصل المعلن لا يعني تقليص السيطرة، بل على العكس تماماً. فالخطوة تندرج ضمن برنامج أوسع يقوده سموتريتش، بالتنسيق مع قيادة مجالس المستوطنات، ويهدف إلى تحويل الإدارة المدنية من ذراع عسكرية لإدارة السكان والأرض إلى نموذج "خدمة مدنية كاملة" موجّه أساساً لخدمة المستوطنين. ووفق هذا النموذج، يتلقى المستوطن خدمات التخطيط والبناء والأراضي والتصاريح من "مكاتب حكومية" مدنية، لا من قواعد الجيش.
وتترافق هذه الخطوة مع إجراءات مكمّلة تعكس الاتجاه نفسه، من بينها تعيين نائب جديد لرئيس الإدارة المدنية (المستوطن العقائدي هيلل روث)، ونقل صلاحيات من وزارة الدفاع إلى "مديرية الاستيطان" التي يترأسها المستوطن المتطرف يهودا إلياهو، بما يقلّص الدور المباشر للمؤسسة العسكرية في إدارة الشأن المدني للمستوطنات. وفي خطابه، ربط سموتريتش هذه التحولات بتكريس سيادة إسرائيلية "أمر واقع" (de facto) في الضفة الغربية، داعياً صراحة إلى الانتقال لاحقاً إلى فرض السيادة القانونية الكاملة (de jure). كما أشار إلى تسوية عشرات المستوطنات وتوسيع إعلان "أراضي دولة" بوصفها خطوات ميدانية متراكمة على طريق هذا الهدف.
اللافت أن الخطاب لم يقتصر على الضفة الغربية، إذ طرح سموتريتش توسيع الخدمات مستقبلاً لتشمل الاستيطان في قطاع غزة، مع توجيه للبحث عن مقر جنوبي للإدارة المدنية. ويعكس هذا الطرح تصوراً بعيد المدى لإدارة مدنية استعمارية عابرة لحدود الاحتلال الراهنة، لا مجرد إدارة ظرفية، بما يعيد إلى الواجهة نموذج الإدارة المدنية السائد قبل العام 2005.
وللتذكير، فإن الإدارة المدنية هي كيان يشبه الحكومة، يعمل بوصفه بيروقراطية استعمارية مكتملة في مناطق الضفة الغربية. فمن حيث الوظيفة، تمارس صلاحيات سيادية كاملة تشمل التشريع، والتنظيم، والترخيص، والجباية، والتخطيط، وتوزيع الموارد. ومن حيث البنية، تضم 23 وحدة أو دائرة تشرف على مختلف تفاصيل الحياة العامة، وتشمل: الدائرة المالية، جودة البيئة، الطاقة، القيّم (حارس أملاك الغائبين)، المنظمات الدولية، الآثار، الصحة، الأديان، الزراعة، الاقتصاد، مكتب الرقابة، القياسات، المياه، سجلّ السكان، الشؤون القانونية وتسجيل الأراضي، الرفاه الاجتماعي، التخمين العقاري، حماية الطبيعة، المواصلات، التشغيل، الصناعة والتجارة، الاتصالات والبريد، والبنية التحتية.
وتُعيّن كل دائرة من هذه الدوائر مندوباً يُطلق عليه في العبرية لقب "ضابط"، رغم كونه موظفاً مدنياً غير عسكري، يكون منتدباً من وزارة أو سلطة إسرائيلية مختصة. فعلى سبيل المثال، المسؤول عن وحدة الصحة في الإدارة المدنية هو مندوب عن وزارة الصحة الإسرائيلية ويتقاضى راتبه منها.