سجّل التكاثر السكاني في إسرائيل، في العام 2025، نسبة متدنية للعام الثالث على التوالي، إذ كانت النسبة 1.1%، وهي نسبة مماثلة لما كانت عليه في العام 2024، ونسبة 1.3% في العام 2023؛ في حين أنه في السنوات القليلة التي سبقت، كان معدّل التكاثر السنوي يتراوح بين 1.8% و2%. والعامل الرئيس لهذا التدني هو استمرار مغادرة البلاد، مع توجهات لأمد طويل، ما يعني بموجب التعريفات الإسرائيلية، هجرة، إذ إن أعداد المغادرين فاقت بكثير أعداد العائدين أو المهاجرين الجدد إلى إسرائيل.
لكن هناك أيضا عوامل أخرى، أبرزها استمرار تراجع معدّل الولادات لدى اليهود، في حين أن معدّل الولادات بين العرب قد سبق أن تراجع بنسبة عالية، قياسا لما كان عليه قبل أكثر من عقدين من الزمن.
فقد أعلن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، في اليوم الأخير من العام المنصرم 2025، أن عدد السكان بلغ 10 ملايين و178 ألفا، زيادة بنسبة 1.1% عن العام الماضي 2024، إلا أن هذا العدد يشمل القدس المحتلة، ومرتفعات الجولان السوري المحتل، بموجب قوانين الضم، التي لا تعترف بها الغالبية الساحقة من دول العالم.
ومن دون هاتين المنطقتين، فإن عدد السكان يتجاوز بقليل 9.8 مليون نسمة. وهذا على أساس أن مجموع الفلسطينيين في القدس عامة 400 ألف نسمة، لكن من بينهم أكثر من 35 ألفا ممن بحوزتهم جنسية كاملة، ومن هؤلاء مواطنو قرية بيت صفافا (غرب المدينة)، ومن هاجروا داخليا إلى القدس، وحوالي 20 ألف شخص طلبوا وحصلوا على الجنسية كاملة، ومن بينهم لم شمل، على مر السنين.
يصدر مكتب الإحصاء تقريره عن أعداد السكان، في ثلاث محطات سنوية، في ذكرى الإعلان عن قيام إسرائيل، بحسب التقويم العبري المتغير، بين نهاية نيسان، ومنتصف أيار، وعيد رأس السنة العبرية، خلال شهر أيلول، وفي نهاية العام، وفق التقويم الميلادي العالمي. ويعتمد مكتب الإحصاء على أعداد السكان المتواجدين في البلاد في الأشهر الستة الأخيرة، وهذا خلافا للسجل السكاني، الذي يشمل أيضا المتواجدين في الخارج، ولم يتنازلوا عن الجنسية الإسرائيلية.
بحسب التقديرات، فإن عدد المواطنين العرب، من دون القدس والجولان المحتلين، يقل بقليل عن 1.8 مليون نسمة، وفي هذا العدد تراجع طفيف، ومن مسبباته تغيير من يعتبرهم مكتب الإحصاء مقيمين بشكل دائم في الخارج، (سنأتي عليه لاحقا)، وهنا يدخل في حساب "المهاجرين" آلاف الطلبة العرب في جامعات العالم. وبناء على هذا التقدير، تبلغ نسبة العرب من إجمالي المواطنين 18.1%. لكن بموجب التقرير الإسرائيلي الرسمي، فإن عدد العرب 2.147 مليون نسمة، ويشكلون نسبة 21.1% من إجمالي السكان، لكن هذا، كما ذكر، يشمل القدس والجولان المحتلين.
وكان مركز "طاوب" الإسرائيلي للأبحاث الاجتماعية والاقتصادية، قد قال في تقديرات بحثية، نشرت أيضا في اليوم الأخير من العام المنصرم، إن نسبة تكاثر السكان في إسرائيل ستقل في العام المنتهي 2025، عن 1%، وقد تكون 0.9%.
وفي تقديرات مركز "طاوب"، أن معدل الولادات سيتراجع في المستقبل أيضا بين المتدينين اليهود، الذين معدّل الولادات لديهم، خاصة المتزمتين دينيا، من الأعلى عالميا، في حين أن معدل الولادات لدى العرب هبط في السنوات القليلة الأخيرة حتى 30%، ويبدو أنه وصل إلى الحد الأدنى الممكن.
الهجرة في الاتجاهين
تبين من تقرير مكتب الإحصاء، أنه خلال العام الماضي غادر البلاد مع نية الإقامة لأمد طويل، وحتى هجرة، 69300 شخص، بينما هاجر وعاد إلى البلاد 19 ألف شخص، وهذا كما يبدو جعل نسبة الزيادة السكانية 1.1%.
وبحسب التقرير ذاته، فإنه منذ العام 2023 غادر البلاد أكثر بقليل من 211 ألف مواطن، في مقابل عودة أو هجرة إلى إسرائيل أكثر بقليل من 67 ألف شخص. الغالبية الساحقة من المغادرين والعائدين يُعرِّفهم مكتب الإحصاء المركزي على أنهم "يهود وآخرون"، أي ليسوا من العرب.
وكان مكتب الإحصاء المركزي قد أجرى قبل نحو ثلاث سنوات تعديلا لتعريف المهاجر، أو المرشّح للهجرة، إذ كان تعريف المهاجر هو من غادر البلاد ولم يعد إليها في الأشهر الـ 12 التي تسبق صدور التقرير، وبات التعريف الجديد، لمن يغادر البلاد مع مؤشرات مكوث لفترة طويلة في الخارج، لفترة 9 أشهر، وهذا ما ترصده السلطات الإسرائيلية في المطار الدولي، مثل حجم الأمتعة التي تكون مع المغادرين، وأحيانا يتم توجيه سؤال كهذا للمغادرين.
ونشير إلى أن القانون الإسرائيلي لا يلزم بالتنازل عن الجنسية، حتى لو غادر المواطن البلاد عشرات السنين، بل يفقد فقط مخصصات اجتماعية، بينما اسم الشخص يبقى واردا في سجل الناخبين، ولا يسقط منه، إلا إذا قرر التنازل عن الجنسية الإسرائيلية، لكن أعداد هؤلاء قليلة جدا، بحسب تقارير سابقة.
على الرغم من أن الظاهر للعيان أن سبب "اختلال ميزان الهجرة" بحسب الوصف الإسرائيلي، ناجم عن أجواء الحروب التي شنتها إسرائيل في العامين الأخيرين، وأساسا على قطاع غزة، وأيضا على لبنان وإيران، فإن الصحافة والتحليلات الإسرائيلية تنسب هذه الظاهرة أيضا إلى ما تسميه مشروع الحكومة الحالية "للانقلاب على الجهاز القضائي"، ولكن أيضا أزمات عمل في بعض القطاعات، خاصة في قطاع التقنية العالية والمجالات البحثية الأكاديمية، التي زادت من "هجرة العقول".
"هجرة العقول"
كان تقرير لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، صدر خلال الشهر الماضي، قال إن هجرة العقول من إسرائيل قد تزايدت في السنوات الأخيرة، وهذا قبل احتساب الهجرة الفعلية في السنتين الأخيرتين، في ظل الحروب الإسرائيلية، وحسب تقرير المكتب فإن ميزان الهجرة من ناحية حملة المؤهلات الأكاديمية العليا (هجرة العقول)، بات "سلبيا"، ومن أبرز المعطيات أن 16% من حملة شهادة الدكتوراه، الحاصلين عليها بين الأعوام 1990 إلى 2018، مقيمون في الخارج، مع توجهات إقامة دائمة.
وقال التقرير إن إسرائيل شهدت في العام قبل الماضي، 2024، عجزا في ميزان الهجرة الأكاديمية، حيث فاق عدد الأكاديميين الحاصلين على درجة البكالوريوس أو أعلى، والذين هاجروا للعيش في الخارج عددَ الأكاديميين العائدين. ووفقا للبيانات، فإن "هجرة العقول" هذه، تتسم بأنها هجرة شبابية، متعلمة، ومن مجتمعات مستقرة في إسرائيل، وتحديدا من منطقة تل أبيب الكبرى.
بحسب التقرير، فإن 16% من حملة شهادة الدكتوراه، مقيمون في الخارج منذ 3 سنوات على الأقل، ومنهم منذ سنوات طويلة، وفي التفاصيل يظهر أن أكثر من ربع الإسرائيليين الحاصلين على درجة الدكتوراه في الرياضيات (25.4%) يعيشون في الخارج اليوم، وكذلك 21.7% من خريجي الدكتوراه في علوم الحاسوب، و19.4% من حاملي الدكتوراه في علم الوراثة، و17.3% من خريجي الدكتوراه في علم الأحياء الدقيقة، و17% من خريجي الدكتوراه في الفيزياء، و14% من خريجي الدكتوراه في الكيمياء، ونسبة مماثلة بين حاملي الدكتوراه في الهندسة الكهربائية وحاملي الدكتوراه في علم الأحياء.
ومن بين خريجي الماجستير، يقيم حاليا 21% من خريجي ماجستير الموسيقى من المؤسسات الإسرائيلية في الخارج، وكذلك 16.7% من خريجي ماجستير علوم الحاسوب، و13.6% من خريجي ماجستير الرياضيات، ونحو 15% من خريجي ماجستير العلاقات الدولية، و13.1% من خريجي ماجستير الفيزياء، ونحو 12% من خريجي ماجستير الكيمياء.
من بين خريجي درجة البكالوريوس، يعيش 25.8% من خريجي الموسيقى من إسرائيل في الخارج، وكذلك حوالي 20% من خريجي اللغة الإنكليزية (اللغة والأدب) وحوالي 20% من خريجي درجة البكالوريوس في العلاقات الدولية.
ونسبت صحيفة "ذي ماركر" أسباب الهجرة المتزايدة، إلى ما يسمى "الانقلاب على الجهاز القضائي"، وأيضا الحرب الإسرائيلية، ثم يأتي، بحسب الصحيفة، شُح ميزانيات الأبحاث العلمية، في الجامعات الإسرائيلية.
انعكاسات سياسية قد تكون تعزّزت
تعززت، في الأسابيع القليلة الأخيرة، التقديرات بأن ازدياد الهجرة إلى الخارج، خاصة من أصحاب المؤهلات، ومن شرائح لها قدرات اجتماعية ومهنية عالية، قد تنعكس على الانتخابات البرلمانية، إذا استمرت هذه الحال، وذلك على ضوء تقلص الفجوة بين فريق الائتلاف، وكتل المعارضة الصهيونية، التي لا ترى بنفسها شريكة في أي حكومة يشكلها نتنياهو مستقبلا، وفق ما يظهر حتى الآن. وهذا الجانب كنا قد طرحناه في مقالين في "المشهد الإسرائيلي" لكاتب هذا المقال، صدرا في 29 أيلول 2025 (العدد 681) و17 تشرين الثاني 2025 (العدد 686).
على هذا الأساس بالإمكان التقدير إلى درجة التأكد، أن الغالبية العظمى جدا، من المغادرين هم من الجمهور الأقرب لفريق المعارضة البرلمانية. وهذه الفرضية ترتكز على الطابع الجماهيري للفريق الحاكم، الذي بغالبيته العظمى من الجمهور المتدين والمحافظ، إذ إن نصف المقاعد الـ 64 التي شكلت الائتلاف الحاكم حاليا، بعد الانتخابات الأخيرة، كانت لأحزاب دينية، من الحريديم والتيار الديني الصهيوني، ويضاف لهؤلاء جمهور من التيار الديني الصهيوني يمنح أصواته لحزب الليكود، وهذا جمهور أيديولوجي متزمت، أو قريب منه، ولا يسارع لهجرة "الوطن الموعود".
وعلى أساس أن مجموع من غادر في السنوات الثلاث الأخيرة (القصد بعد انتخابات 2022)، حوالي 211 ألفا، لكن عاد حوالي 69 ألفا، مع الأخذ بعين الاعتبار الأطفال من بينهم، يمكن التقدير بأن فريق المعارضة البرلمانية سيخسر ما بين مقعدين إلى 3 مقاعد برلمانية افتراضية، إذا استمرت حالة الهجرة هذه حتى الانتخابات المقبلة، التي من المفترض أن تجري في نهاية تشرين الأول من هذا العام.