تقدير موقف

تقرأ وتحلل قضايا مستجدة وتستشرف آثارها وتداعياتها سواء على المشهد الإسرائيلي او على القضية الفلسطينية.
  • تقدير موقف
  • 10
  • وليد حباس
  • تصفح الملف

منذ عام 2022، تشهد المنطقة المصنفة "ج" في الضفة الغربية تحوّلًا بنيويًا غير مسبوق في أنماط السيطرة الإسرائيلية على الأرض، يتجاوز السياسات التدريجية التي اتبعتها إسرائيل قبل ذلك في ما عُرف باسم "الضم الزاحف". وترسم هذه التحولات معالم مرحلة جديدة تشمل إعادة هندسة شاملة لمنظومة السيطرة، وتسريع التوسع الاستيطاني، والتلاعب بالملكيات العقارية وتسوية الأراضي، إلى جانب سياسات التخطيط التي بات يشرف عليها التيار الاستيطاني القومي المتطرف.

خلال فترة الحكومة (2022–2026) تراكمت -وبوتيرة متسارعة على نحو خاص خلال الحرب- سلسلة من التشريعات والأوامر العسكرية والقرارات الحكومية، ونُقلت صلاحيات مؤسسية من الإدارة العسكرية إلى أطر مدنية، وأُقيمت مستوطنات جديدة، وتوسّعت صلاحيات الإنفاذ داخل مناطق السلطة الفلسطينية، وفُتح سوق شراء الأراضي أمام المستوطنين. ويأتي قرار استئناف تسوية الأراضي في المنطقة المصنفة "ج"، لأول مرة منذ عام 1968، بوصفه ذروة هذا التحول؛ إذ ينقل الصراع من إدارة مؤقتة للأرض إلى محاولة فرض ترتيبات طويلة الأمد تتعلق بالملكية العقارية. وأمام هذا التدفق غير المسبوق من المعطيات القانونية والمؤسسية، تبرز الحاجة إلى جمع هذه التطورات ضمن قراءة واحدة لفهم ما الذي يحدث فعليًا في المنطقة المصنفة "ج"، وهذا ما تقوم به ورقة تقدير الموقف هذه.

تنطلق الورقة من تحليل بنية السيطرة الإسرائيلية على المنطقة، ثم تفكك تصنيفات الأرض وآليات التسوية، وتدرس مشروع التسوية الفلسطينية والتمويل الدولي، قبل أن تحلل حقبة سموتريتش بوصفها مرحلة "الهجمة المرتدة" الإسرائيلية، وتداعيات قرار الحكومة لعام 2026. وتقع الورقة في أربعة أقسام:

يعرض القسم الأول الإطار السياسي والقانوني للضفة الغربية باعتبارها أرضًا فلسطينية محتلة ووحدة جغرافية متكاملة، ويحلل نشأة المنطقة المصنفة "ج" ضمن اتفاقيات أوسلو وأنماط السيطرة الإسرائيلية عليها وفق خطاب "الأرض المتنازع عليها". ويفكك القسم الثاني البنية القانونية–العقارية التي اعتمدتها إسرائيل لإدارة الأرض، ويعرض جذور التسوية الأردنية وتجميدها عام 1968، وتحولات عبء الإثبات على الفلسطينيين، وصولًا إلى قرار استئناف التسوية عام 2026 باعتباره أداة بيروقراطية لحسم الملكية وتوسيع السيطرة التدريجية. ويحلل القسم الثالث تطور مشروع التسوية الفلسطيني منذ أوسلو، ولا سيما بعد عام 2016، وكيف دق هذا المشروع "ناقوس الخطر" لدى الجمعيات الاستيطانية والحكومة الإسرائيلية، حيث قدّمت خلالها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية تقريرًا يدعو إلى التحرك الفوري لوقف ما سمّته محاولة السلطة الفلسطينية فرض وقائع سيادية مضادة. أما القسم الرابع فيحلل صعود التيار الاستيطاني داخل مؤسسات الحكم، ودور جمعية ريغافيم ومنتدى شيلو في صياغة السياسات المتعلقة بالمنطقة المصنفة "ج" وصولًا إلى تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية، ويستعرض أبرز القرارات والتشريعات الإسرائيلية الخاصة بالمنطقة المصنفة "ج" بما يشير إلى انتقال متدرّج نحو ضم مؤسسي للمنطقة.

 

  1. السيطرة إسرائيلية على المنطقة المصنفة "ج" في الضفة الغربية

تشكل أراضي الضفة الغربية المحتلة وحدة سياسية وجغرافية متكاملة، وتُعد جزءًا أساسيًا من الدولة الفلسطينية وفق برنامج منظمة التحرير الفلسطينية ورؤية السلطة الفلسطينية. وإلى جانب هذا الحق السياسي للشعب الفلسطيني، يرى القانون الدولي أن النزاع حول الضفة الغربية لا يتمحور حول خلاف قانوني على ملكية قطع أراضٍ، بل هو صراع سياسي ناجم عن وجود احتلال إسرائيلي غير شرعي. وبناءً على ذلك، تُعدّ جميع الإجراءات التي تتخذها إسرائيل-مثل مصادرة الأراضي أو تغيير وضعها القانوني-إجراءات غير شرعية، فهي لا يجوز أن تفرض وقائع دائمة على الأرض.

أما الأراضي المصنفة "ج"، فهي نتاج لاتفاقيات أوسلو (1993–1995) ثم اتفاق واي (1998)، وتبلغ مساحتها نحو 3,640 ألف دونم (قرابة 61% من مساحة الضفة الغربية). ووفق اتفاقية أوسلو، تتولى إسرائيل السيطرة المدنية والأمنية على هذه المناطق من خلال "الإدارة المدنية"، التي تملك صلاحيات تحديد استخدامات الأراضي، والتخطيط، والبناء، والإنفاذ. وبينما قُدّم أوسلو بوصفه ترتيبًا مرحليًا يمتد خمس سنوات تمهيدًا لاتفاق دائم، فإن الاحتلال الإسرائيلي بعد توقيع الاتفاقيات مضى تدريجيًا في مسارين متلازمين: (1) توسيع الاستيطان اليهودي الذي بدأه أصلًا في منتصف السبعينيات، والشروع في أسرلة المناطق المصنفة "ج" عبر تطوير محميات طبيعية، وبنى تحتية، وشوارع التفافية، ومناطق سياحية/أثرية، وإبراز رموز السيادة الإسرائيلية مثل تعليق الأعلام ووضع اليافطات؛ (2) تقييد التوسع السكاني الطبيعي للفلسطينيين في المناطق المصنفة "ج"، وفرض قيود واسعة على البناء الفلسطيني، ورفع وتيرة هدم المنازل والمنشآت، والاستمرار في تجفيف الآبار وقطع المياه عن الفلسطينيين، ومنعهم عمليًا من حماية أنفسهم أمام هجمات المستوطنين.

ومع ذلك، يمكن رصد توجهين داخل إسرائيل-غير منفصلين تمامًا-في مقاربة المنطقة المصنفة "ج". فمن جهة، تتبنى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وأجهزة الأمن (الجيش والإدارة المدنية) رؤية رسمية تعتبر المنطقة المصنفة "ج" أراضي "متنازع عليها" (disputed territories)، وأن التوسع الاستيطاني يرسم الوقائع على الأرض. وتتيح هذه الرؤية لإسرائيل الاستمرار في توسيع الاستيطان بحجة انتظار "حسم" مصير الأراضي المتنازع عليها، من دون أن تسمح فعليًا بالوصول إلى مرحلة حسم متفق عليها أو نهائية. ومن جهة ثانية، تقوم رؤية التيار الاستيطاني التوراتي، الذي ترأس ممثلوه مديريات وهيئات مركزية في إدارة الأرض المحتلة بعد عام 2023، على اعتبار أن المنطقة المصنفة "ج" (بل الضفة الغربية عمومًا) هي "أرض إسرائيل"، وأن الاستيطان فيها واجب ديني وأخلاقي غير مرتبط بالاعتبارات الدولية أو الحقوق السياسية. وبناءً على ذلك، ينظر هذا التيار إلى "تحريرها" من الفلسطينيين وإقامة مملكة إسرائيل فيها بوصفه من "حتميات" التاريخ، مع التشديد على الدور الريادي للمستوطنين في تحقيق هذه الرؤية الخلاصية.

ومع أن الخطاب الرسمي لدولة إسرائيل كما تعبر عنه الحكومات المتعاقبة وأذرعها الدبلوماسية والقانونية، لا يزال يصنّف الضفة الغربية أراضي "متنازع عليها"، ويرى أن التوسع الاستيطاني قد يرسّخ حقائق على الأرض، فإنه في الوقت نفسه ينزع عن الفلسطينيين صفة الكتلة السياسية صاحبة الحق في إقامة دولة. ويُضفي هذا الموقف قدرًا من الضبابية على مفهوم "الأرض المتنازع عليها"، إذ لا يجري التعامل مع الفلسطينيين كطرف سياسي مُنازِع على الأرض. وقد تجلّى ذلك في إعلان الكنيست في تموز 2025 وبأغلبية كبيرة، أن الضفة الغربية هي أراضي يهودا والسامرة، وإلزامه الحكومة الإسرائيلية بالعمل وفق هذه الرؤية والسعي إلى ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل.

 

 

  1. تصنيفات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي في المنطقة المصنفة "ج"

مستندة إلى الرؤية الرسمية التي تندرج تحت إطار "الأراضي المتنازع عليها"، فإن إسرائيل لا تتعامل مع الضفة الغربية كمنطقة جغرافية - سياسية واحدة، بل تتبع أسلوب التفتيت العقاري (cadastral fragmentation)، بحيث عمدت منذ العقد الأول من الاحتلال إلى فرض بنية قانونية - استعمارية تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها مجموعة من قطع الأراضي المنفصلة التي يحددها أساسًا وضع الملكية وأنماط الاستعمال ومستوى الإثبات القانوني. وبهذا التحول ينتقل مركز النقاش من قانونية وجود إسرائيل كقوة احتلال إلى مسألة تقنية تتعلق بتحديد أصحاب الحقوق العقارية.

في هذا السياق، تصنّف إسرائيل أراضي الضفة الغربية وفق معايير إثبات مستمدة من تراكم أنظمة قانونية عثمانية وانتدابية وأردنية وإسرائيلية، مع إعطاء أولوية للتسجيل الرسمي أو إثبات الاستعمال الزراعي المتواصل. أما الأراضي التي لا تحمل سند ملكية خاصة معترفًا به، أو تسجيل وقف، أو دليلًا على استغلال دائم، فتصبح عرضة لإعادة تصنيفها كـ "أراضي دولة" استنادًا إلى تفسيرات إدارية لقوانين الأرض الموروثة. وهنا ينتقل عبء الإثبات إلى الفلسطينيين بدلًا من أن تكون قوة الاحتلال هي التي تحتاج الى إثبات شرعية قانونية لاستمرار وجودها. والنتيجة هي نزع الطابع السياسي عن سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على الأرض؛ فبدلًا من إعلان الضم بصورة صريحة، يجري توسيع السيطرة تدريجيًا عبر إجراءات بيروقراطية مثل المسوحات والتسجيل والتصنيف. يمكن شرح هذا النهج الإسرائيلي على النحو التالي: 

  1. يقوم قانون الاحتلال العسكري في القانون الدولي الانساني على مبدأ أساسي يتمثل في استمرارية النظام القانوني القائم قبل وقوع الاحتلال. وعليه، أعلنت الأوامر العسكرية الأولى استمرار سريان القوانين الأردنية ما لم تتعارض مع أوامر القائد العسكري، وهو ما قدم أساسًا قانونيًا لإدارة الضفة الغربية.
  1. وفي ما يتعلق بفترة الحكم الأردني في الضفة الغربية، واستنادًا إلى قانون تسجيل الأموال غير المنقولة عام 1964، شرعت الأردن بتسوية الأراضي في الضفة الغربية، واستمرت في ذلك حتى وقوع الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، حيث جرى تسوية وتسجيل نحو 33.9٪ من أراضي الضفة الغربية، يقع نحو نصفها في المنطقة التي ستتحول بعد أوسلو إلى المنطقة "ج" والنصف الآخر في مناطق ستصبح لاحقًا الأراضي "أ" و"ب".

 

الجدول 1: واقع أراضي الضفة وفق التسوية الأردنية وعشية احتلالها

النسبة من الضفة الغربية

النسبة من المنطقة المصنفة "ج"

المعنى القانوني

أراض تمت تسويتها بشكل نهائي

33.9٪

15%

أراضٍ أُنجزت فيها "التسوية النهائية" وسُجلت الملكيات بشكل رسمي في السجل العقاري.

أراضي تسوية أولى غير منتهية

33٪

20%

جرى فيها مسح أولي وتحديد قطع، لكن لم تُستكمل فيها إجراءات التسوية النهائية. على من يدعي حق الملكية أن يثبت ملكيته أمام سلطات الاحتلال.

أراض لم تمر إطلاقا بمسار تسوية

33٪

65% (ومنها جرت مصادرة ما بات يسمى "أراضي دولة")

لم تخضع لا لتسوية نهائية ولا لمسح منظم مكتمل.

 

 

الجدول 2: تفاصيل التسوية الأردنية قبل الاحتلال بناء على المحافظات الفلسطينية

المحافظة

مساحة كلية بالدونم

منها في المنطقة "ج"

الأراضي التي تمت تسويتها بالدونم

منها في المنطقة "ج"

جنين

583،010.719

33.4 ٪

538،151.472

92.3٪

طوباس

401،670.622

78.3 ٪

325،271.413

81٪

نابلس

600،304.641

43.4 ٪

219،843.508

36.6٪

طولكرم

246،162.875

41.3 ٪

57،657.297

23.4٪

قلقيلية

171،073.672

72.6 ٪

33،066.319

19.3٪

رام الله

855،574.570

64.4 ٪

384،824.875

45٪

أريحا والأغوار

592،801.982

88.3 ٪

265،147.636

44.7٪

القدس (منطقة J2)

344،447.494

70.0 ٪

90،230.874

26.2٪

بيت لحم

658،872.490

67.3 ٪

0

سلفيت

203،703.912

74.8 ٪

0

الخليل

996،648.483

46.5٪

0

المجموع

5،654،271.460

61٪

1،914،193.394

33.9٪

 

 

 

  1. تسوية الأراضي هي إحدى وظائف "الدولة" صاحبة السيادة، وهي عملية ترسيم نهائي لحدود قطع الأراضي وتحديد ملكياتها بصورة غير قابلة للطعن عبر إصدار شهادات طابو. وفي حالة الضفة الغربية، كانت "الدولة" المقصودة هي الأردن (1948–1967)، ثم الحكم العسكري الإسرائيلي (1967–1995)، غير أن صلاحياته كقوة احتلال تبقى مقيّدة بموجب القانون الدولي، الذي يحظر عليه إدخال تغييرات على وضعية الأراضي والملكيات إلا بما "يحقق الأمن" طيلة فترة الاحتلال المؤقتة، وبشرط عدم إسكان مستوطنين في الإقليم المحتل. وبعد أوسلو، أصبحت السلطة الفلسطينية الجهة التي تستكمل التسوية في المناطق "أ" و"ب"، بينما استمر الاحتلال الإسرائيلي في ممارسة سلطته كقوة احتلال في المناطق المصنفة "ج".
  2. في عام 1968، أصدر الاحتلال الإسرائيلي الأمر العسكري رقم 291 المتعلق بتسوية الأراضي. لم يُلغِ القرار عملية التسوية التي بدأتها الأردن، لكنه جمّدها عند المرحلة التي وصلت إليها، وألغى جميع إجراءات التسوية التي كانت قائمة ولم تُستكمل بعد. وظلت فكرة تسوية الأراضي (في الضفة الغربية والقدس الشرقية) مطروحة على أجندة إسرائيل منذ ذلك الحين، إلا أن إسرائيل أجّلت عملية التسوية بهدف تثبيت حقائق جديدة على الأرض. وفي عام 2021 نشرت وزارة الاستخبارات الإسرائيلية تقريرًا حول وضع الأراضي المصنفة "ج"، تضمّن الجدول التالي:
  3.  

الجدول 3: المنطقة المصنفة "ج" من حيث تسوية الأراضي ووضعيتها القانونية

أراض مصادرة كـ "أراضي دولة"

نحو 1200 ألف دونم

33٪

أراض مصادرة كـ "مناطق عسكرية مغلقة"

نحو 980 ألف دونم

27٪

ملكيات خاصة/أخرى

نحو 728 ألف دونم

20٪

أراضي تسوية أولى غير منتهية

نحو 728 ألف دونم

20٪

المنطقة المصنفة "ج"

3640 ألف دونم

100٪

المصدر: وزارة الاستخبارات الإسرائيلية، 2021. 

 

  1. في 15 شباط 2026، قررت الحكومة الإسرائيلية (قرار 3559 وتعديلاته) استئناف تسوية وتسجيل الأراضي في المنطقة "ج" لأول مرة منذ تعليقها عام 1968. وقد وضع القرار هدفًا مرحليًا يتمثل في تسوية ما لا يقل عن 15% من الأراضي المصنفة "أراضي تسوية أولى غير منتهية"، أي نحو 109 آلاف دونم، وذلك حتى نهاية عام 2030.[1]
  1. منحت المحكمة العليا الإسرائيلية هذا القرار "مباركة قانونية"، فقد كان قرار استكمال تسوية الأراضي في الضفة الغربية قد صدر بالأصل بتاريخ 11 أيار 2025‎،[2]إلا أن منظمات حقوقية إسرائيلية طلبت تجميده بعدما رفعت التماسًا إلى المحكمة العليا طالبت فيه بالبت في قانونيته[3]. وفي الحكم الصادر بتاريخ 27 كانون الثاني 2026، قررت المحكمة أن قرار الكابينت لا يؤدي، في المدى القريب، إلى تنفيذ خطوات تفرض "وقائع على الأرض" أو تُحدث ضررًا "غير قابل للإصلاح"، وهو ما لا يبرر النظر في الالتماس قبل بلورة مخطط التسوية النهائي.

 

 

  1. إخراج المنطقة المصنفة "ج" من حسابات الدولة الفلسطينية

بعد توقيع اتفاقيات أوسلو، نقلت الإدارة المدنية سجل الأراضي المتعلق بالمناطق "أ" و"ب" إلى السلطة الفلسطينية بينما بقيت المنطقة المصنفة "ج" تحت إدارة الاحتلال الإسرائيلي بانتظار مفاوضات الحل النهائي. 

في السنوات الأولى من أوسلو، لم تبادر السلطة الفلسطينية بمشاريع تسوية في الضفة الغربية بسبب نقص التمويل وضعف الكادر الفني والمؤسساتي. لكن في العام 2002، تم إنشاء سلطة الأراضي الفلسطينية بمرسوم رئاسي لتولي إدارة الأراضي والتسجيل العقاري. وتشير تقارير إسرائيلية أنه حتى نهاية العام 2016، كانت عمليات التسجيل التي تقوم بها السلطة الفلسطينية بطيئة للغاية، وغطت نحو 3٪ فقط من الأراضي غير المسجلة على مستوى الضفة الغربية. 

حصل التحول الأهم لدى السلطة الفلسطينية عام 2016، مع إنشاء هيئة تسوية الأراضي كهيئة مستقلة، و 14 محكمة تسوية أراض للفصل في النزاعات، وتكريس ميزانية كبيرة لتوسيع مشروع التسوية. وفي تقارير هيئة تسوية الأراضي، فإن كل الضفة الغربية (البالغ مساحتها نحو 5641 مليون دونم) تقع ضمن رؤية السلطة الفلسطينية في تسوية الأراضي. في التقرير السنوي للعام 2024 لسلطة الأراضي الفلسطينية، جاء أن من ضمن أهداف استكمال تسوية أراضي الضفة الغربية وتسجيلها هو "حمايتها من طمع الاحتلال، الذي لا يوفر جهدًا للسيطرة على أراضينا".[4]

 

الجدول 4: نتيجة التسوية الفلسطينية في الضفة الغربية نهاية العام 2024

مساحة الضفة الغربية

5641 مليون دونم

تم تسويتها من قبل الأردن

33.9٪

تم تسويتها من قبل السلطة الفلسطينية حتى نهاية 2024

26.7٪

مجموع التسوية حتى نهاية 2024

60.6٪

المصدر: سلطة الأراضي الفلسطينية، 2025.

 

وقد حلل فريق قانوني إسرائيلي مشروع التسوية الذي تقوم به السلطة الفلسطينية، وخلص إلى أن 58٪ من أعمال التسوية التي قامت بها السلطة الفلسطينية من عام 2016 وحتى 2021، تركز في المنطقة المصنفة "ج"، مقابل، 27٪ من المنطقة المصنفة "ب" ونحو 15٪ في المنطقة المصنفة "أ".[5] في ما يخص المنطقة المصنفة "ج"، يدعي القانونيون الإسرائيليون أن اعمال التسوية الفلسطينية جرت في الأرياف المحيطة بالكتل الاستيطانية الكبرى، وأنه في مرة من المرات، حسب الادعاء الإسرائيلي، تم رصد أعمال مسح فلسطينية داخل نطاق مستوطنة أفرات.[6]

الجدول 5: كيف تنظر وزارة الاستخبارات الإسرائيلية إلى التسوية الفلسطينية للأراضي في المنطقة المصنفة "ج"؟

السياق الزمني الذي حلله تقرير وزارة الاستخبارات

يعتبر التقرير عام 2009 نقطة التحول المركزية مع خطة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض "إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة"، حيث بدأت فكرة "خلق وقائع على الأرض بدعم دولي". وكانت البداية في العام 2015 عندما أصبحت الجهود مركزية، مخططة حكوميًا، منسقة بين الوزارات والسلطات المحلية والمنظمات الدولية.

حجم التمويل الدولي ما بين 2019-2022

نحو 500 مليون يورو.

الجهات الدولية التي دعمت دور السلطة الفلسطينية في المنطقة المصنفة "ج"

هولندا، الدنمارك، السويد، فرنسا، سويسرا، بريطانيا، بلجيكا، ألمانيا، تركيا، قطر، الأردن، الاتحاد الأوروبي، وكالات الأمم المتحدة المختلفة، البنك الدولي، منظمات دولية إنمائية واقتصادية، بالإضافة إلى قنوات دعم منفصلة عبر منظمات عربية وإسلامية.

طبيعة الدعم الدولي

الدعم السياسي والدبلوماسي، دعم المواقف الفلسطينية في المؤسسات الدولية، توظيف قرارات دولية مثل قرار مجلس الأمن 2334 لتعزيز النشاط السياسي، تمويل المعارك القضائية لمنع الهدم، تقديم أدوات قانونية للطعن في الملكية أو قرارات الإدارة المدنية، إعداد مخططات هيكلية (Master Plans)، تقديم عشرات مخططات البناء للقرى الفلسطينية، البنية التحتية (مياه وكهرباء)، التعليم، الزراعة، مشاريع تشغيل وتنمية اقتصادية.

النتائج السياسية للتمويل الأجنبي لعمل السلطة في المناطق المصنفة "ج"

يربط التقرير التحول في التمويل الأوروبي بقرار عام 2012 الذي شجع العمل في المناطق المصنفة "ج": ليس فقط لأسباب إنسانية أو اقتصادية، بل كوسيلة سياسية للتأثير على التسوية المستقبلية. ويرى التقرير أن الدعم جاء أيضا ردًا على توسع الاستيطان الإسرائيلي.

 

وادّعى التقرير أن تدخل السلطة الفلسطينية في المنطقة المصنفة "ج" استند إلى تمويل دولي انصبّ على قضايا تتعلق بالمسح، والخرائط، والتوثيق القانوني، والبحث في الأرشيفات، وأسفر عن:

  • تعطيل هدم نحو 4000 مبنى في المنطقة المصنفة "ج"، وأن الإجراءات القانونية نجحت في منع هدم 98% من البناء الخاص و94% من البناء العام.
  • تركيا نقلت نسخة من أرشيف "الكوشان" العثماني للسلطة الفلسطينية. اعتبر ذلك "سلاحًا قانونيًا" للطعن بـ "أراضي الدولة" التي تسيطر عليها إسرائيل. 
  • حتى نهاية 2019 تم تسجيل 45%من القطع الأرضية أي مساحة تقارب 940 كم².
  • تم تقديم 118مخططًا عمرانيًا لـ 125 قرية فلسطينية في المنطقة المصنفة "ج" (جزء منها يدخل في المنطقة المصنفة "ب")، يسكنها نحو 260 ألف شخص وأن المساحة التنظيمية قاربت 75 كم².
  • تمويل مشاريع مباشرة شملت إنشاء أكثر من 1000 مبنى عام (مدارس، عيادات، مباني خدمات، مشاريع تعليمية واجتماعية). 
  • تم شق أكثر من 1000 كم من الطرق الجديدة (طرق زراعية، طرق ربط تجمعات، وصول للأراضي الزراعية). وتم توسع النشاط الزراعي الفلسطيني على عدة مئات من الكيلومترات المربعة.
  • ارتفع البناء الفلسطيني غير المرخص بنسبة تقارب 150% خلال السنوات الأخيرة بحيث أن التمويل الدولي خفّض مخاطر الهدم وشجع البناء.

 

  1. حقبة سموتريتش: "الهجمة المرتدة" الإسرائيلية (2022-2026)

في 29 كانون الأول 2022، تشكلت الحكومة الإسرائيلية التي شغل فيها سموتريتش منصب وزير داخل وزارة الجيش ومسؤولًا عن الإدارة المدنية. وقد ورد في الاتفاقيات الائتلافية العديد من البنود (تم تنفيذ معظمها خلال عمل الحكومة، كما سيجري توضيحه أدناه). غير أن الهجمة الاستيطانية لم تبدأ بتشكّل هذه الحكومة؛ إذ كانت منظمات وجمعيات استيطانية عدة تعمل بشكل حثيث على إعداد مخطط استراتيجي يُقدَّم لأي حكومة يمينية قد تتشكل مستقبلًا. ويمكن تلخيص عمل هذه المنظمات والجمعيات في المثالين البارزين التاليين:

 

4.1         جمعية ريغافيم ومنتدى شيلو (2009-2022)

ريغافيم هي جمعية استيطانية أسسها سموتريتش عام 2006، وتعمل على متابعة قضايا الأراضي والبناء في الضفة الغربية والنقب والجليل، وهي مرتبطة عقائديًا بالمشروع الاستيطاني وتستخدم العمل القانوني والإعلامي لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأرض. في العام 2022، نشرت ريغافيم تقريرًا بعنوان "حرب الاستنزاف: هكذا تسعى السلطة الفلسطينية إلى إقامة دولة بحكم الأمر الواقع في يهودا والسامرة".[7].  أما منتدى شيلو فهو إطار فكري - سياسي إسرائيلي مرتبط بتيارات اليمين الديني - القومي، يضم باحثين ونشطاء يعملون على تطوير رؤى وسياسات لتعزيز السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية. خلال السنوات الأخيرة، قدم المنتدى أوراق توصية عديدة لمكافحة ما سماه "الحملة الفلسطينية على المنطقة ج"، ويمكن تلخيص التوصيات التي خرجت فيها هاتان المؤسستان (وهي توصيات وضعت أمام صناع القرار اليمينيين في إسرائيل قبل 2022) على النحو التالي:

1.    إنشاء هيئة حكومية خاصة لحماية الأراضي في المنطقة المصنفة "ج" بهدف توحيد الصلاحيات بين الجيش والإدارة المدنية والوزارات. 

2.    استكمال المسح الأرضي الإسرائيلي بهدف إعلان أراضي دولة رسميًا ومنع التسجيل الفلسطيني للأراضي. واعتبرت ريغافيم تجميد التسوية الأردنية (عام 1968)، وغياب مسح إسرائيلي طيلة فترة الاحتلال، سمح للسلطة الفلسطينية بفرض تسجيل بديل.

3.    تشديد إنفاذ القانون ضد البناء الفلسطيني غير المرخص بما يشمل زيادة أوامر الهدم، تنفيذ الهدم بسرعة أكبر، تقليل التأجيلات القانونية.

4.    مكافحة "الاستيلاء الزراعي" للفلسطينيين في المنطقة المصنفة "ج"، عبر منع استصلاح الأراضي دون ترخيص، إزالة البنى الزراعية الجديدة، منع شق الطرق الزراعية. 

5.    مواجهة "الحرب القانونية" الفلسطينية وذلك عبر تقليص قدرة المنظمات الفلسطينية على تعطيل الهدم قضائيًا وتعزيز تمثيل الدولة القانوني في المحاكم، وتغيير سياسات التسويات القضائية التي تمنح وقتًا إضافيًا للبناء.

6.    مواجهة التمويل الدولي سياسيًا ودبلوماسيًا من خلال تحرك دبلوماسي ضد الاتحاد الأوروبي والدول المانحة، ومنع تنفيذ مشاريع ممولة خارجيًا دون موافقة إسرائيلية. وقد اعتبرت ريغافيم أن التمويل الأوروبي والعربي عنصر أساسي في نجاح البرامج الفلسطينية.

7.    صياغة سياسة حكومية إسرائيلية شاملة للمنطقة المصنفة "ج"، وإنهاء حالة عدم الاستقرار السياسي التي خلقت "فراغًا ميدانيًا".

 

4. 2 الاتفاقيات الائتلافية التي بموجبها تشكلت الحكومة الإسرائيلية (28 كانون الأول 2022)

تضمن نصّ الاتفاق الائتلافي بين الليكود والصهيونية الدينية البنود التالية:

  • البند 118 نصّ على أن للشعب اليهودي "حقًا طبيعيًا" على أرض إسرائيل، وأن الحكومة ستعمل على بلورة سياسات لفرض السيادة على الضفة الغربية، على أن يرتبط التنفيذ بالتوقيت المناسب والاعتبارات الدولية.
  • البند 119 نصّ على تنظيم البؤر الاستيطانية التي أُقيمت قبل 28 شباط 2011.
  • البند 131 نصّ على حماية أراضي الدولة في الضفة الغربية، واستخدام الاستيطان الرعوي للحفاظ على الأرض.
  • البند 132 نصّ على إجراء تعديلات على الأوامر العسكرية لضمان تسجيل المعاملات العقارية ونقل الملكية بشكل فعّال إلى المستوطنين.
  • البند 139 نص على حماية أراضي الدولة من "الاستيلاء غير القانوني" الذي يقوم به الفلسطينيين. وفق هذا البند ستقوم مديرية الاستيطان بوضع تصورات تتعلق بالترتيبات العقارية، التسجيل الأول للأراضي، إجراءات المسح، التعداد السكاني.

أما في اتفاق الليكود مع حزب "قوة يهودية"، فقد ورد التالي:

  • البند 96 ينص على تعديل الأوامر العسكرية من أجل تطبيق القانون الإسرائيلي المتعلق بالتخطيط والبناء، وقوانين البيئة، ومخلفات البناء.
  • البند 97 ينص على وضع خطة طوارئ لمنع "السطو" الفلسطيني على الأماكن التراثية اليهودية في الضفة الغربية.

 

4. 3 الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية منذ تشكلها في 29 كانون الأول 2022

  • في 12 شباط 2023 قررت الحكومة الإسرائيلية منح تسوية قانونية بأثر رجعي لبؤر استيطانية مما أدى إلى إنشاء 9مستوطنات جديدة مستقلة. 
  • في 23 شباط 2023 توصل بنيامين نتنياهو إلى اتفاق يمنح سموتريتش صلاحيات واسعة داخل وزارة الدفاع لإدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية، ما شكّل ضمّا فعليا دون إعلان رسمي. نُقلت صلاحيات التخطيط والبناء وتسوية الأراضي وإنفاذ الهدم والبنية التحتية والإعلان عن المحميات الطبيعية إلى "إدارة الاستيطان" الجديدة بقيادته. تعكس الخطوة انتقال السلطة من الإدارة العسكرية إلى إدارة مدنية إسرائيلية.[8]
  • في 21 آذار 2023 ألغى الكنيست بنودًا من قانون فك الارتباط 2005، ما يسمح بإعادة إقامة مستوطنات حومش وسانور وغانيم وكديم شمال الضفة. يمهد القرار لتسوية بؤر قائمة على أراض فلسطينية خاصة.
  • في آذار 2023، قدمت وزارة المواصلات الإسرائيلية طلب ميزانية بقيمة 960 مليون دولار لمشاريع طرق في الضفة الغربية خلال خمس سنوات، أي نحو ربع ميزانيتها. وفي الفترة نفسها نُفذت أعمال تنقيب أثري في جبل عيبال شمال نابلس داخل المنطقة المصنفة "ب" بمشاركة مستوطنين ومنظمة إنجيلية أميركية والجيش الإسرائيلي، رغم غياب ترخيص قانوني.[9]
  • في شباط 2024، بدأت إسرائيل إجراءات تسجيل وتسوية ملكية الأراضي في الحي الأرمني داخل البلدة القديمة في القدس، في موقع مرتبط بصفقة متنازع عليها بين البطريركية الأرمنية وشركة عقارية مرتبطة بمنظمة "عطيرت كوهانيم" الاستيطانية.[10]
  • في 29 أيار 2024، وقّع رئيس الإدارة المدنية أمرًا ينقل جزءًا واسعًا من صلاحيات الحكم العسكري في الضفة الغربية إلى مسؤول مدني جديد تابع لسموتريتش، هو هليل روث من مستوطنة يتسهار. وشملت هذه الصلاحيات مجالات التخطيط والبناء، وتسجيل الأراضي، وإدارة الممتلكات والموارد، والمجالس المحلية، والسياحة.. تمثل الخطوة انتقالًا مؤسساتيًا من الإدارة العسكرية إلى إدارة مدنية يقودها المستوطنون أنفسهم. وعلى الفور، في 27 حزيران 2023 صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على تسوية خمس بؤر استيطانية هي: أفيتار قرب نابلس، سديه إفرايم، جفعات آساف شرق رام الله، حلتس وأدورايم جنوب الضفة. 
  • في أواخر حزيران 2024 صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي على منح الإدارة المدنية صلاحيات إنفاذ واسعة في مواقع الآثار داخل المنطقة المصنفة "ب" رغم أنها تقع ضمن مسؤولية السلطة الفلسطينية وفق أوسلو. تشمل الصلاحيات إعلان مواقع أثرية، وقف البناء، فرض غرامات، هدم منشآت وطلب اعتقالات.
  • في تموز 2024، وقّع قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي أمرين يمنحان الحكومة صلاحيات تخطيط وإنفاذ مدني على نحو 167 ألف دونم (أراضي صحراء القدس)، وهو ما عنى فعليا "سحب" صلاحيات السلطة الفلسطينية على نحو 3٪ من مساحة الضفة الغربية (المنطقة المصنفة "ب"). 
  • في أيار 2025 صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على إقامة 22 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، تشمل تسوية 12 بؤرة قائمة وإنشاء 9 مستوطنات جديدة والاعتراف بحي قائم كمستوطنة مستقلة. 
  • في 20 آب 2025 منحت الحكومة الإسرائيلية الموافقة النهائية لمشروع مستوطنة E - 1لبناء نحو 3,500 وحدة استيطانية مع بدء البنية التحتية تمهيدًا للبناء في 2026. 
  • في 19 تشرين الثاني 2025 أعلنت الحكومة الإسرائيلية مصادرة نحو 1,800 دونم من أراض فلسطينية خاصة في سبسطية شمال الضفة الغربية لتحويل الموقع الأثري إلى مشروع سياحي إسرائيلي. 
  • في 11 كانون الأول 2025 صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على خطة لتسوية 19 بؤرة استيطانية. 
  • في 3 شباط 2026 طُرح مشروع قانون إنشاء "هيئة التراث في يهودا والسامرة" كجسم مواز لسلطة الآثار بصلاحيات أوسع تشمل إعلان مواقع أثرية ومصادرة أراض خاصة. ينقل المشروع الصلاحيات من الإدارة المدنية لوزارة التراث، ما يعزز الضم المؤسسي ويفتح الباب لمصادرة أراض فلسطينية والتدخل في مناطق "أ" و"ب". 
  • في 11 أيار 2025 قرر الكابنيت الإسرائيلي بدء إجراءات تسوية وتسجيل الأراضي في المنطقة المصنفة "ج" بالضفة الغربية، وهو إجراء سيادي نهائي يحسم الملكية العقارية رغم حظر القانون الدولي قيام قوة احتلال به. عمليًا يفرض القرار على الفلسطينيين إثبات الملكية بشروط شبه مستحيلة تشمل وثائق عثمانية وبريطانية وأردنية وإثبات زراعة متواصلة منذ 1967، ما يعني تسجيل مساحات واسعة باسم الدولة عند فشل الإثبات. لكن بعد تقديم التماس للمحكمة العليا، وقيام المحكمة برفض الالتماس، عادت الحكومة الإسرائيلية للتأكيد على القرار في بداية 2026 ووضعت هدف تسوية نحو (15% من الأراضي غير المسواه خلال خمس سنوات).[11]
  • في 8 شباط 2026، صادق الكابينت الإسرائيلي على سلسلة قرارات واسعة تُعيد تشكيل منظومة السيطرة على الأرض في الضفة الغربية عبر تحرير سوق شراء الأراضي للمستوطنين وتوسيع الصلاحيات الإسرائيلية داخل مناطق السلطة الفلسطينية. وقد ألغت القرارات قيودًا تعود إلى الفترة الأردنية كانت تمنع غير سكان الضفة من شراء الأراضي، وألغت شرط الحصول على تصريح أمني مسبق لإتمام الصفقات، كما فتحت سجلات الملكية العقارية أمام الجمهور. وتسمح هذه الخطوات للمستوطنين بشراء الأراضي مباشرةً دون رقابة حكومية، وتخلق بيئة عالية المخاطر للتزوير والضغط على المالكين الفلسطينيين. كما أعادت الحكومة تفعيل آلية حكومية سرية لشراء الأراضي عبر "الوصي على أملاك الحكومة في الضفة الغربية".
  • وبالتوازي، قرر الكابينت توسيع صلاحيات الإدارة المدنية داخل المنطقتين "أ" و"ب" في مجالات الآثار والبيئة والمياه، بما يسمح بوقف مشاريع البناء الفلسطينية أو هدمها بذريعة حماية التراث أو معالجة مخالفات بيئية، رغم أن هذه المناطق تخضع إداريًا للسلطة الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو. كما سُحبت صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل في محيط الحرم الإبراهيمي لصالح الإدارة المدنية، وأُنشئت مديرية خاصة لإدارة موقع قبر راحيل في بيت لحم لتمويل توسعه.

 

الخلاصة

إن استئناف تسوية الأراضي في المنطقة المصنفة "ج" وتحويلها إلى ملف تسجيل نهائي للحقوق العقارية يعني الانتقال من إدارة احتلال مؤقت إلى هندسة نظام سيادة إسرائيلية دائمة، أي ضم مؤسسي فعلي دون إعلان رسمي. يقوّض هذا التحول جوهر اتفاقية أوسلو التي تعاملت مع المنطقة المصنفة "ج" كترتيب انتقالي بانتظار الدولة الفلسطينية، ويُخرج أكثر من نصف الضفة من أي تسوية مبنية على انسحاب تدريجي. النتيجة السياسية أن سقف حل الدولتين يُعاد تعريفه عمليًا ليعني كيانًا فلسطينيًا مقطَّع الأوصال خارج المساحات التي حُسمت ملكيتها لصالح منظومة الاستيطان. من خلال التفتيت العقاري للمنطقة المصنفة "ج" ونقل عبء إثبات ملكية الأراضي إلى الفلسطينيين، يُعاد تأطير القضية من صراع على إنهاء الاحتلال إلى نزاع حول إثبات الملكية أمام هيئات إسرائيلية تملك سلطة الحسم النهائي. 

كما أن هيمنة خطاب "أرض يهودا والسامرة" في الكنيست واستكمال المشاريع الاستيطانية الكبرى (E - 1، تسوية عشرات البؤر، توسيع المستوطنات) تجعل من التواصل الجغرافي لدولة فلسطينية قابلة للحياة افتراضًا نظريًا أكثر منه خيارًا تفاوضيًا واقعيًا. في المقابل، تكشف قدرة الحكومة الإسرائيلية على استخدام القضاء الداخلي وعدم الانزعاج من دور المجتمع الدولي الذي يكتفي بإدانة "الوقائع" المفروضة على الأرض، حدود فاعلية القانون الدولي حين لا تقترن نصوصه بأدوات إنفاذ وعقوبات. 

في المقابل، تبين التجربة منذ 2016 أن التمويل الدولي لمشاريع التسوية الفلسطينية والبنى التحتية في المنطقة المصنفة "ج" استطاع تأجيل جزء من الهدم وخلق وقائع لصالح الفلسطينيين، لكنه أثار في الوقت ذاته "هجمة مرتدة" إسرائيلية منظمة لتجريم هذا الإنجاز وتجفيف مصادره. هذا يعني أن النضال حول المنطقة المصنفة "ج" قد يأخذ دورًا محوريًا في السنوات القادمة، سيما وأن نحو 532 تجمعًا وقرية وبلدة فلسطينية تقع داخل المنطقة المصنفة "ج"، كما أن أهم الموارد الطبيعية والاقتصادية التي تشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد الفلسطيني تقع فيها.

 

ملحق (تعريفات)

أراضي الدولة:

 هي أراضٍ تقرر إسرائيل أنها "غير مستخدمة"، وفي حال طالتها عملية التسوية فلن يكون هناك أحد قادرًا على إثبات ملكيتها أو استخدامها. بعد 1967 صدر الأمر العسكري رقم 59 الذي اعتبر أملاك الحكومة الأردنية "أملاكًا حكومية" انتقلت لإسرائيل، بحيث أن الأراضي التي كانت تصنف أملاك دولة أردنية (نحو 530 ألف دونم) أصبحت لاحقًا أراضي دولة تحت إدارة الاحتلال الإسرائيلي. بين 1979-1992، تنبهت إسرائيل إلى أن بناء الاستيطان على أراض لا تعتبر ملكية خاصة للفلسطينيين، قد يوفر نافذة قانونية للالتفاف على القانون الدولي وتوسيع الاستيطان، فتم الإعلان عن 908 ألف دونم كأراضي دولة. حتى اليوم، هناك تقديرات بأن أراضي الدولة تشكل ما بين 1200-1400 ألف دونم، بدون وجود إحصائية واحدة دقيقة. تقوم الإدارة المدنية بتوكيل "الوصي على أملاك الحكومة الإسرائيلية" (وهي وحدة خاصة بداخل الإدارة المدنية) لإدارة أراضي الدولة، وقد خصص "الوصي" نحو نصف هذه الأراضي للتوسع السكني، لكنه خصص 99.7٪ منها للبناء الاستيطاني وتوسيعه، وأقل من 0.3٪ لتوسيع القرى الفلسطينية في المنطقة المصنفة "ج". 

أراضي "إطلاق نار":

مباشرة بعد حرب عام 1967، بادر أريئيل شارون إلى تحديد مساحات واسعة في الضفة الغربية كـ "مناطق إطلاق نار"، وصرّح عام 1979 أن الهدف كان الاحتفاظ باحتياطي أراضٍ للتوسع الاستيطاني. واليوم، تُصنَّف نحو 18% من مساحة الضفة الغربية (أو 27% من المنطقة المصنفة "ج") كمناطق إطلاق نار. وتُعدّ المنطقة 918 (جنوب الخليل/مسافر يطا) أبرز هذه المناطق، وتقع على نحو 35 ألف دونم، إضافةً إلى منطقة "إطلاق نار" تمتد في المساحات الواقعة بين طوباس وشمال أريحا.

أراضي تسوية أولى غير منتهية:

هي أراضٍ مرت بمرحلة تسوية أولى لكنها لم تستكمل مسار التسوية لترسيم الملكيات بشكل نهائي؛ لذلك تُعد تسوية غير منتهية، وتسمى الأوراق الثبوتية المستخدمة فيها "إخراج قيد". وتقوم إسرائيل، بالاستناد إلى هذا "الفهم القانوني"، بإجراء مسوحات، وفحص سجلات الطابو التاريخية، واستخدام صور جوية على امتداد سنوات، وخرائط، وإجراء جولات ميدانية والاستماع إلى ادعاءات السكان (على الأقل من باب اتخاذ الإجراء القانوني كما في "الدول الديمقراطية")، بهدف التحقّق مما إذا وُجد استغلال زراعي متواصل أو حقوق ملكية خاصة أخرى. وتتعامل السلطات الإسرائيلية مع هذه الأراضي كمخزون محتمل للإعلان المستقبلي عنها كأراضي دولة (كما في حالة جبل صبيح في بيتا)، وفي حالات كثيرة تفرض عليها قيود استخدام مشابهة (تصاريح بناء، تخصيصات، وغيرها).

 

 

 

المراجع

[1] حكومة إسرائيل، "خطة تعزيز وتطوير البلدات وتطوير البنى التحتية في يهودا والسامرة"، قرار الحكومة رقم 3559، الحكومة السابعة والثلاثون، 4 كانون الأول 2025، أمانة الحكومة الإسرائيلية. انظري:  https://peacenow.org.il/wp-content/uploads/2026/02/Gov-decision-land-registration-150226.pdf

[2] حكومة إسرائيل، "تسوية الأراضي في منطقة يهودا والسامرة"، قرار الحكومة رقم ب/187، الحكومة السابعة والثلاثون، 11 أيار 2025، أمانة الحكومة الإسرائيلية. انظري:  https://peacenow.org.il/wp-content/uploads/2025/05/Cabinet-Decision-Land-Registration-110525.pdf

[3]  المحكمة العليا الإسرائيلية، بغتس 28845-09-25، "يش دين – منظمة متطوعين لحقوق الإنسان وآخرون ضد لجنة الوزراء للأمن القومي وآخرين"، التماس إلى محكمة العدل العليا، فُتح بتاريخ 11 أيلول 2025. 

[4] سلطة الأراضي الفلسطينية، التقرير السنوي 2024. انظري: https://www.pla.pna.ps/ar/File/7329y29481Y7329/Annual-Report-2024

[5] حاييم ساندبرغ، "تسوية الأراضي من قبل السلطة الفلسطينية"، مجلة مشفاطيم [القانون]، العدد 22 (2024). انظري: https://lawjournal.huji.ac.il/article/24/1948

[6] المصدر نفسه. 

[7] ريغافيم، "حرب الاستنزاف: هكذا تسعى السلطة الفلسطينية إلى إقامة دولة بحكم الأمر الواقع في يهودا والسامرة: تقرير حالة الأراضي في يهودا والسامرة"، جميعة ريغافيم، 2022.

[8] Yaniv Kubovich, "Far-Right Smotrich Gets Authority Over West Bank Policy, Outpost Eviction Left to Israeli Army," Haaretz, January 27, 2023.

[9] Emek Shaveh, “Settlers Backed by army and Civil Administration lead illegal excavation in Area B of the West Bank”, July 12, 2023. See:  https://emekshaveh.org/en/mt-ebal-ii/

[10] Bimkom and Ir Amim, “Israel Initiates Land Registration in Armenian Quarter in Likely Bid to Aid Takeover of Strategic Plot of Land”, February 5, 2024. See:  https://mailchi.mp/ir-amim/israel-initiates-land-registration-in-armenian-quarter-in-likely-bid-to-aid-takeover-of-strategic-plot-of-land?e=f7e1245427

[11] في التقارير التي تصدر عن المؤسسات الحقوقية الإسرائيلية، والأجنبية، تم الإشارة الى أن المشروع يشمل 15٪ من أراضي الضفة (أي 290 آلف دونم) بيد أن نص القرار يشير الي أن النسبة هي 15٪ من الأراضي التي تصنف على أنها تسوية غير منتهية (وهذا يجعل التقدير حوالي 109 ألف دونم).