حين دخل يائير غولان الحياة السياسية الإسرائيلية، لم يكن بحاجة إلى بناء صورة جديدة لنفسه كما يفعل الآخرون، فقد أمضى قرابة أربعة عقود في الجيش قبل ذلك، وتولى خلال مسيرته مواقع قيادية رفيعة، بينها قيادة المنطقة العسكرية الشمالية، ورئاسة شعبة العمليات، وقيادة فرقة الضفة الغربية والجبهة الداخلية، قبل أن يصبح نائبًا لرئيس هيئة الأركان العامة، وفي العام 2017 أنهى خدمته العسكرية، بعد أن كان اسمه مطروحًا ضمن المرشحين المحتملين لرئاسة هيئة الأركان، ليجد نفسه بعد سنوات قليلة، في موقع مختلف تمامًا، وعلى رأس حزب يساري إسرائيلي يحاول استعادة مكانه في منظومة سياسية يهيمن عليها اليمين الصهيوني بشكل واضح ومستمر منذ سنوات، وبات يقود منذ أيار 2024 حزب "الديمقراطيون"، الذي تشكّل من اندماج حزبي العمل وميرتس، ويستعد لخوض انتخابات الكنيست المقرر إجراؤها في تشرين الأول 2026.
تشكل رحلة غولان من هيئة الأركان إلى قيادة اليسار مدخلًا مهمًا لفهم مواقفه السياسية، وتحديدًا من كونه دخل عالم السياسة من بوابة المؤسسة العسكرية (الجيش)، وبالذات، لمعسكر سياسي يواجه أصلًا مشكلة كبيرة منذ سنوات في إقناع الإسرائيليين بأنه قادر على التعامل مع قضايا الأمن والحرب... إلخ، وهي المهمة التي يسعى من خلالها غولان لإعادة تعريف اليسار الصهيوني من داخله.
الخبرة العسكرية: من المظليين إلى نائب رئيس هيئة أركان الجيش
وُلد غولان عام 1962، والتحق بالجيش في بداية الثمانينيات، واختار سلاح المظليين، امتدت خدمته العسكرية عبر لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة، وتدرج خلالها في عدد من المواقع العملياتية والقيادية حتى أصبح واحدًا من كبار الضباط في المؤسسة، وفي العام 2014 تولى منصب نائب رئيس هيئة الأركان، بعد مسيرة جعلته من أكثر الضباط خبرة في التعامل مع الجبهات الإسرائيلية المختلفة. لكن هذا الصعود داخل المؤسسة لم يكن خاليًا من الخلافات، ففي العام 2016، عندما كان نائبًا لرئيس هيئة الأركان، ألقى خطابًا في "ذكرى المحرقة" تحدث فيه عن مظاهر في المجتمع الإسرائيلي ذكّرته بما شهدته ألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن الماضي، محذرًا من التطرف ومن اعتياد "نزع الإنسانية عن الآخر"، وقد أثار هذا الخطاب ردود فعل حادة، خصوصًا من بنيامين نتنياهو وأحزاب اليمين، لكنه كشف في الوقت نفسه عن تصور لدى غولان يربط قوة الدولة العسكرية بقدرتها على ضبطها ضمن قواعد أخلاقية ومؤسساتية صهيونية.
لم يكن ذلك الخطاب بداية مواقفه السياسية، فقد سبق أن تعرض إلى إجراء تأديبي خلال خدمته في الضفة الغربية بسبب استخدام أسلوب عسكري كان الجيش قد حظره حينها، في واقعة تعكس التوتر الذي رافق مسيرته بين مقتضيات العمل العسكري والقيود التي تفرضها المؤسسة على استخدام القوة. صحيح أن هذه المواقف لا يمكن الاستناد إليها للقول إنه شخصية معارضة للاحتلال أو للمؤسسة العسكرية، إلا أنها تساعد في فهم شخصيته التي تجمع بين الارتباط الشديد بالأمن، مع حساسية واضحة تجاه حدود القوة وتبعاتها السياسية.
المواقف السياسية المبكرة
بدأ غولان حياته السياسية بشكل رسمي العام 2019 عبر حزب ميرتس، ثم أصبح نائبًا لوزير الاقتصاد في حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد. في رؤيته للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، ظلّ غولان يؤكد تأييده حلَّ الدولتين، معتبرًا أن استمرار السيطرة على الفلسطينيين يضع إسرائيل أمام خيارين لا ثالث لهما: الانفصال السياسي عنهم أو ضمهم، وأن الضم يهدد مستقبل إسرائيل بوصفها دولة يهودية وديمقراطية، وهو ما يدفعه لتأييد هذا الحل.
من ناحية ثانية، يشكل هذا الموقف جزءًا من محاولة غولان لإعادة تعريف اليسار الصهيوني بلغة يمكن أن تصل إلى الجمهور الذي تشكلت رؤيته السياسية أساسًا حول الأمن والعسكر، حيث يرى أن إسرائيل تحتاج إلى جيش قوي وقدرة ردع فعالة، لكنه يربط ذلك بوجود هدف سياسي واستراتيجية واضحة. وقد اكتسب غولان حضوره السياسي بشكل خاص خلال الاحتجاجات على خطة حكومة اليمين المعروفة بـ "الثورة القضائية"، حيث انخرط غولان في الاحتجاجات، وربط بين الدفاع عن الديمقراطية وبين أمن الدولة، معتبرًا أن المؤسسات الديمقراطية ليست قضية منفصلة عن قدرة إسرائيل على الحفاظ على قوتها ومكانتها، وفي آب 2024، كان قد وصل إلى موقع قيادة الحزب الجديد الذي جمع العمل وميرتس تحت اسم "الديمقراطيون".
حرب الإبادة على غزة: الانخراط في القتال إلى جانب الجيش والمواقف الناقدة للحكومة
جاءت أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لتعيد غولان مؤقتًا إلى الدور الذي أمضى حياته فيه، حيث توجه إلى الجنوب في يوم الهجوم، وشارك في القتال في المناطق التي تعرضت للهجوم، وأصبحت مشاركته لاحقًا جزءًا أساسيًا من صورته العامة، خصوصًا في مواجهة منتقديه الذين حاولوا تقديمه باعتباره سياسيًا منفصلًا عن التجربة الأمنية الإسرائيلية، أو مناهضًا لها بسبب مواقفه النقدية المحدودة، وقد أصبح منذ ذلك الحين أكثر حضورًا في الاحتجاجات ضد حكومة نتنياهو، وأكثر صراحة في انتقاد طريقة إدارة حرب الإبادة على غزة، فبالنسبة إليه، لم يكن "الدفاع عن إسرائيل" متناقضًا مع مساءلة الحكومة عن أهداف الحرب ونتائجها، في محاولة منه للفصل بين الجيش بوصفه مؤسسة مقدّسة وبين القيادة السياسية التي تحدد أهداف الحرب ومسارها، وهو ما وضعه في مواجهة مباشرة مع اليمين، لكن ذلك منحه في الوقت نفسه مكانة داخل المعارضة الإسرائيلية بوصفه شخصية تجمع بين الخبرة العسكرية والموقف السياسي المناهض لنتنياهو ولليمين.
بلغ هذا المسار ذروته في أيار 2025، عندما شنّ غولان هجومًا شديدًا على سياسة الحكومة في قطاع غزة، محذرًا من أن إسرائيل تتجه نحو أن تصبح "دولة منبوذة"، وانتقد قتل المدنيين وتهجير الفلسطينيين، مستخدمًا عبارة أثارت عاصفة سياسية واسعة في إسرائيل حينما قال بأن إسرائيل "تقتل الأطفال كهواية"، فقد كان وقع التصريحات أقوى بسبب هوية غولان وخلفيته العسكرية تحديدًا، قبل أن يتراجع عن ذلك لاحقًا وينفي ذلك مشيرًا إلى أنه يتحدث عن الاتجاه الذي تدفع إليه حكومة نتنياهو وسياساتها. ومع ذلك، كشفت هذه التصريحات، والانتقادات التي وجهها إلى حكومة نتنياهو عن تصوره الذي يربط بين طريقة إدارة الحرب (التي لا يعارضها من حيث المبدأ)، وبين مستقبل إسرائيل السياسي والأخلاقي ومكانتها دوليًا.
مشروع "الديمقراطيون": أي يسار يريد غولان؟
منذ قيادته للحزب الجديد، يحاول غولان تحويل هذا التصور إلى مشروع سياسي يسعى من خلاله لجمع قوى متفرقة تضم أنصار اليسار التقليدي، نشطاء الاحتجاج ضد الحكومة، شخصيات ليبرالية، شخصيات أمنية سابقة، ومجموعات تسعى إلى استعادة موقع اليسار في الحياة السياسية الإسرائيلية، وقد انعكس ذلك في قائمة الحزب للكنيست التي أُقرت في تموز 2026، وضمت إلى جانب غولان شخصيات من خلفيات سياسية واجتماعية مختلفة، بينها أعضاء من العمل وميرتس ونشطاء من حركة الاحتجاج.
وعلى الرغم من هذا الجمع غير المتناسق، أظهر الحزب قدرة تنظيمية أكبر مما كان متوقعًا لمعسكر اليسار، فقد بلغ عدد أعضائه المسجلين 112,376 عضوًا، شارك نحو 97 ألفًا منهم في الانتخابات التمهيدية في تموز، بنسبة 86%، وتشير استطلاعات متتالية إلى إمكانية حصول الحزب على نحو 10 أو 11 مقعدًا في الانتخابات المقبلة، مقارنة بأربعة مقاعد فقط كانت بحوزة ميراث العمل وميرتس في الانتخابات السابقة، وهو ما يمكن القول من خلاله أن هذا المشروع الذي يطرحه غولان نجح بالفعل في تجاوز حدود الحزب الصغير على الرغم من كونه لم ينجح في أعادة موضعة اليسار الصهيوني في مركز السياسة الإسرائيلية في ظل الهيمنة الواضحة لليمين على المشهدين السياسي والمجتمعي.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن غولان يطمح لإعادة تعريف اليسار الصهيوني ليحمل لغة أمنية قوية، ويربط الأمن بالديمقراطية وبحل سياسي للصراع، على الرغم من كل التناقضات التي تحملها هذه الصيغة، فمن جهة، يحتاج غولان إلى أن يثبت لجمهور إسرائيلي ينزاح بشكل مستمر وسريع إلى اليمين فكريًا وأيديولوجيا وسياسيًا أن رأس ماله العسكري (مكانته العسكرية في السابق) تجعله قادرًا على إدارة الأمن، ومن جهة أخرى، يحتاج إلى إقناع جمهور اليسار بأن الأمن الذي يتحدث عنه لا يعني استمرار حالة الحرب والاحتلال إلى ما لا نهاية، وبين الطرفين يحاول بناء هوية سياسية تقوم على فكرة أن القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تحقق "الأمن" على المدى البعيد، وأن إسرائيل تحتاج إلى استراتيجية سياسية تضع للحرب هدفًا ونهاية لا يعارضها من حيث المبدأ، وهي المحاولة التي سيتم اختبارها بشكل جدي في الانتخابات المقبلة، في مجتمع صهيوني أصبح أكثر يمينية، ومن دون أن يتخلى هذا المشروع عن هويته أو يتحول إلى نسخة أخرى من الوسط في معسكر اليمين.