المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 4
  • وليد حباس

في 17 آب 2026 شارك حوالي 75 ألف من منتسبي الليكود في انتخاب قائمة الحزب للمشاركة في الانتخابات العامة القادمة في 27 تشرين الأول 2026. وانتخب كل منهم 12 اسمًا لتشكيل قائمة الليكود. وحين أُغلقت الصناديق في التاسعة مساءً بقيت 8 مقاعد في القائمة فارغة، وكان بنيامين نتنياهو هو من احتفظ لنفسه، بدرجة أو بأخرى، بحق ملئها. حتى أن نتنياهو نفسه لم يكن مرشحًا في تلك المنافسة ولم ينل فيها صوتًا واحدًا، لكنه خرج منها أولًا رئيس القائمة، وثانيًا مالكًا لثمانية مواقع محصَّنة يضع فيها من يشاء وهي: المقعد 3 (يقرره نتنياهو)، والمقعد 4 (محصن ليسرائيل كاتس وتم بقرار من محكمة الحزب التي يتحكم بها نتنياهو)، والمقعد 5 (محصن لجدعون ساعر بمصادقة أمانة الحزب التي يوجهها نتنياهو)، المقعد 9 (يقرره نتنياهو)، المقعد 11 (يقرره نتنياهو ومنحه إلى أورن دوبرونسكي)، المقعد 15 (يقرره نتنياهو)، المقعد 18 (يقرره نتنياهو ومنحه إلى حاييم كاتس نتيجة "صفقة")، والمقعدان 26 و29 (يقررهما نتنياهو لكنهما خارج الحجم الواقعي لليكود، الذي يحصل حسب استطلاعات الرأي على 20-23 مقعدا فقط). تتناول هذه المقالة مفهوم الديمقراطية الجوفاء داخل حزب الليكود، وأسبابها، وتداعياتها.

مفهوم الديمقراطية في إسرائيل؟

تُعرّف إسرائيل نظامها بوصفه ديمقراطية برلمانية قائمة على الانتخابات الدورية والتعددية الحزبية وتداول السلطة، غير أن الانتقال من التعريف الرسمي إلى بنية النظام يقتضي فحص الديمقراطية على ثلاثة مستويات هي: 

  1. المستوى الأول يتعلق بحدود الجماعة السياسية نفسها وبالسؤال عن الشعب الذي تمنحه الدولة حقوقًا مدنية وسياسية متساوية، وعند هذا المستوى تفشل إسرائيل فشلًا بنيويًّا في سؤال الديمقراطية لأنها تقسّم الشعب إلى يهود وفلسطينيين، وتقسم الفلسطينيين إلى فئات قانونية متباينة وتُخضعهم لأنظمة حكم مختلفة بينما تضمن التفوق السياسي والقانوني والمكاني للمستوطنين اليهود. فالنظام بطبيعته هو استعماري ويقوم على إخضاع السكان الأصلانيين لا على المساواة بين الخاضعين لسيطرته بين البحر والنهر. 
  2. يتعلق المستوى الثاني في فحص ديمقراطية النظام بانتظام المؤسسات وسيادة القانون والفصل بين السلطات والرقابة والمحاسبة، وهو مستوى تظهر فيه إسرائيل دولةً تشتغل فيها حكومة وبرلمان ومحاكم وأجهزة رقابة وتتنافس فيها أحزاب في انتخابات دورية. شكليًا، تنجح إسرائيل في امتحان الديمقراطية على هذا المستوى من التحليل إذا ما تغاضينا عن المستوى الأول. 
  3. أما المستوى الثالث (الذي تركز عليه هذه المقالة) فيسأل عن مصدر التمثيل، أي عمّا إذا كان من تسمّيهم الدولة شعبًا (في هذه الحالة اليهود) يختارون ممثليهم فعلًا. ويقوم النظام الانتخابي الإسرائيلي على قوائم مغلقة (يقررها الحزب نفسه)، فالناخب يأخذ ورقة تحمل اسم القائمة وحروفها لا أسماء المرشحين، ولا يملك خلافًا لمعظم الديمقراطيات ذات التمثيل النسبي أي وسيلة للتأثيرفي هوية من يدخل الكنيست. وكما جرى في الانتخابات الحزبية داخل الليكود في تموز 2026، فإن حوالي ثلث أعضاء القائمة التي تم انتخابها لم يتم انتخابهم أصلًا، وإنما حصلوا على مقاعدهم "المحصنة" لهم على شكل Headhunting من نتنياهو نفسه. 

كيف يحدد الليكود قائمته الانتخابية؟

حتى العام 2013 لم يكن هناك عرف داخل الليكود يمنح رئيس الحزب الحق في تسمية مواقع محصنة. والموقع المحصن هو موقع ضمن قائمة الحزب لا يتم شغره عبر انتخابات الحزب الداخلية (البرايمريز)، وإنما يعينه رئيس الحزب مباشرة.  ثم مُنح نتنياهو موقعان محصنان اثنان قبل انتخابات 2015 وضع فيهما بيني بيغن في الموقع الحادي عشر وعنات بركو في الثالث والعشرين، واستخدم موقعًا محصنًا واحدًا في انتخابات الحزب الداخلية العام 2019، ثم قفز العدد إلى خمسة مواقع محصنة في 2022 وضع فيها عميحاي شيكلي وعيديت سيلمان وموشيه سعدة وتسيغا ملكو ويوسي فوكس.

في أثناء التحضير إلى انتخابات الحزب الأخيرة، وتحديدًا في أيار 2026، طالب نتنياهو بعشرة مواقع، وطرح إلى جانبها بديل أشدّ يقضي بإلغاء الانتخابات التمهيدية كليًّا واستبدالها بلجنة منظِّمة يترأسها هو.  وانتهى الصراع الداخلي في الليكود بتسوية منحت نتنياهو ثمانية مواقع محصَّنة فقط هي المواقع 3، 5، 9، 11، 15، 18، 26، 29،  وصادق عليها نحو 3,400 من أصل 4,500 من أعضاء مركز الليكود. أي أن القواعد التي حكمت تصويت 142,051 منتسبًا وضعها ثلاثة آلاف وأربعمائة شخص، وصاغها الوزير حاييم كاتس بوصفه رئيسًا لمركز الليكود ولجنة الدستور فيه، بالتفاهم المباشر مع نتنياهو. ثم أُغلقت الدائرة حين حصل كاتس نفسه على الموقع الثامن عشر، وهو أحد المواقع الثمانية التي صاغ آليتها، بعد أن كان المنتسبون سيدفعونه إلى موقع غير مضمون لو تُرك الأمر لأصواتهم، بحسب ما يؤكد المحلل شالوم يروشالمي.

تظهر دلالة التحصينات عند مقارنتها بعدد المقاعد المتوقع، إذ تمنح استطلاعات الرأي العام لليكود ما بين 20-23 مقعدًا. ومعنى ذلك أن 8 من المواقع الـ 22 الواقعية لم تمرّ عبر صندوق اقتراع، أي أكثر من ثلث القائمة. الأهم من عدد المواقع المحصنة هو توقيت شغلها، إذ لم يعلن نتنياهو أسماء كل محصَّنيه قبل الاقتراع بل أبقى ثلاثة مواقع محصنة شاغرة حتى صدور النتائج ليرى أي قائمة سيختارها المنتسبون ثم يقرر على أساسها. وبهذا لا يعمل التحصين بوصفه حصةً ثابتة يتنافس المنتسبون حول ما تبقّى منها، بل بوصفه أداة تصحيحٍ لاحقة لتصويت المنتسبين بحيث يعيد نتنياهو تشكيل القائمة بعد انتهاء الانتخابات الداخلية بما يوافق حساباته. وقد استعمل نتنياهو أدوات أخرى في الاتجاه نفسه حين عمّم قوائم استهدافٍ ضد وزراء ونواب اختلفوا معه مثل نير بركات ودافيد بيطان وطالي غوتليب، وتدخّل في منافسات المناطق بعد أن دفع مواقعها إلى أسفل القائمة. وحين أصدرت محكمة الحزب قرارًا خالف مصلحته أمر المستشار القانوني للحزب بالطعن فيه أمام المحكمة المركزية في تل أبيب، وهي ممارسةزعيمٍ يقف فوق مؤسسات حزبه ويهيمن عليها على نحو شبه مطلق.

هل سلطوية نتنياهو مؤشر إلى انهيار الليكود؟

يمكن القول إن سلطوية نتنياهو تتكشف بالأرقام: أكثر من مليون ناخب منحوا الليكود أصواتهم في العام 2022 في ما تم الترويج له بأنه أوسع استفتاء ديمقراطي داخل إسرائيل. ولكن، في الواقع، من أنتح القائمة في العام 2026 كان فقط أعضاء الليكود. وبينما أن أعضاء الليكود أصحاب حق التصويت في 2026 كانوا حوالي 142 ألفًا، إلا ان من صوت بالفعل لانتاج القائمة كان 75 ألفًا فقط. لكن فعليًا، فقط 3400 عضو في مركز الليكود هم من صاغوا القائمة ووضعوا القواعد، بينما رجلٌ واحد، هو نتنياهو، استطاع أن يوزّع ثلث المواقع الواقعية.

تشير هذه الأرقام إلى ما يمكن اعتباره بداية التآكل التنظيمي داخل الليكود. إذ انخفضت نسبة المشاركة الداخلية بـ4.5% عن انتخابات 2022، وسيغادر نصف كتلة الليكود البرلمانية العاملة حاليًا الكنيست القادم، كما أن هناك نوابًا انسحبوا من المنافسة معلنين أن نظام التحصينات جعل بلوغ موقع واقعي شبه مستحيل. كما تكشف بعض الروايات عن أن ثمة صراعًا داخل الليكود، إذ يشتبه محيط نتنياهو بأن نير بركات ويولي إدلشتاين قادا محاولة انقلاب داخلي بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبالتالي فإن تحصين دوبرونسكي في هذا السياق ينظر إليه كتصفية حساب مع بركات.

غير أن هذا التآكل لم يترجم إلى خسارة انتخابية مؤكدة، والاستطلاعات نفسها متضاربة، فمعظمها يمنح الليكود بين عشرين وثلاثة وعشرين مقعدًا بينما رفعه استطلاع "دايركت بولس" لقناة i24 إلى واحد وثلاثين بعد الانتخابات التمهيدية مباشرة. ومهما يكن من أمر، فإن الليكود يتحوّل من حزب جماهيري تتنافس داخله مراكز قوة إلى أداة شخصية بيد زعيمه، وهو النموذج الذي صار مهيمنًا على النظام الحزبي الإسرائيلي كله، حتى إن عوفر كينغ يردّ تراجع عدد النواب المنتخَبين بالانتخابات التمهيدية أساسًا إلى ازدهار الأحزاب الشخصية المتمحورة حول زعيم. 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات