لم تحمل نتائج الانتخابات الداخلية في حزب الليكود، لاختيار مرشحي الحزب للانتخابات البرلمانية المقبلة، الكثير من المفاجآت، على الرغم من نزول بعض الأشخاص البارزين عن المسرح السياسي، إلا إذا قرّر زعيم الحزب، بنيامين نتنياهو، إعادتهم إلى قائمة المرشحين، ضمن المقاعد المخصصة له، لتعيينهم بشكل شخصي، بالرغم من أنه استخدم بعض هذه المقاعد، حتى الآن، ومن المفترض أن يتم استكمال القائمة حتى نهاية الشهر الجاري، آب، لكن في كل الأحوال، فإن حوالي 20 عضو كنيست ووزيرًا حاليين، فقدوا مقاعدهم في الكنيست، بينما عدد الوجوه الجديدة، في القائمة، حتى الآن، قليل جدًا، خلافًا لجولات انتخابية سابقة، وهذا بفعل توقعات استطلاعات الرأي العام، بأن الليكود سيخسر ما بين ثمانية إلى 10 مقاعد، في الولاية البرلمانية المقبلة، من أصل 32 مقعدا حاليًا.
ولتوضيح الأرقام الظاهرة هنا، فقد حصل الليكود في الانتخابات السابقة، التي جرت يوم 1 تشرين الثاني 2022، على 32 مقعدًا، لكن الحكومة الحالية وسّعت نطاق ما يسمى بـ "القانون النرويجي"، الذي يجيز للوزير أن يستقيل من عضوية البرلمان، ليدخل مكانه آخر من قائمة الحزب لعضوية البرلمان، وفي حال استقالة الوزير من منصبه الوزاري، يعود إلى عضوية الكنيست، ويخرج من دخل مكانه، ولهذا باتت كتلة الليكود النيابية، مع الوزراء، 41 عضوًا.
ومن أبرز الأسماء التي فقدت مكانها في قائمة الليكود، الرئيس الأسبق لجهاز الأمن العام، "الشاباك"، آفي ديختر، والوزيرة المتطرفة ماي غولان، التي يقال إن أصولها في الحركات المنبثقة عن عصابة "كاخ" الإرهابية، المنحلة بموجب القانون الإسرائيلي، لكن من رموزها الحاليين من هم قادة في الحكومة الحالية، أبرزهم إيتمار بن غفير.
كما ستغيب عن الكنيست الوزيرة عيديت سيلمان، التي كانت في الولاية البرلمانية السابقة ضمن الحزب الذي يقوده نفتالي بينيت، وانقلبت عليه، وأسهمت في إسقاط حكومته، ليتبيّن أن هذا كان بتنسيق مع الليكود وزعيمه، لكن المكافأة كانت لدورة واحدة، ولم تنجح في الاستمرار.
كذلك تجدر الإشارة إلى أن أحد أبرز الأسماء التي تم دحرها إلى آخر المواقع شبه المضمونة الوزير نير بركات، الرئيس الأسبق لبلدية الاحتلال في القدس المحتلة، وهو من أبرز الأسماء التي قدمت نفسها كمرشحة مستقبلية لرئاسة الليكود، بعد نتنياهو.
من الأسماء اللافتة فوز عضو الكنيست ألموغ كوهين، من الحزب الذي يقوده إيتمار بن غفير، لكن دبت الخلافات بينهما، ومن أبرز الصدامات أنه في فترة خلاف بن غفير مع الحكومة، قَبِل كوهين بالتغيب عن جلسة تصويت في الكنيست، في مقابل تغيّب نتنياهو، الذي كان يعاني من ظرف صحي، وبذلك اصطدم كوهين مع بن غفير، كونه تمرّد على قراره.
وألموغ لن يشعر "بغربة سياسية"، وهو اللاجئ لليكود من حزب أصوله في عصابة "كاخ" الإرهابية، لأن نهج الليكود في الولاية البرلمانية المنتهية، ومن خلال قائمة مرشحيه للكنيست، يثبت توغله في النهج الكهاني.
وكنا في عدد "المشهد الإسرائيلي" 716، الصادر يوم 3 آب الجاري، قد أشرنا إلى التحولات السياسية في الليكود، ومما جاء فيه أنه في النصف الثاني من سنوات التسعين، وبعد أن تبنى الليكود طريقة الانتخابات المفتوحة جماهيريًا لاختيار مرشحي الحزب للانتخابات البرلمانية، "حارب" بقدر كبير مسعى المستوطنين، رغم قلتهم نسبيًا، في تلك السنوات، مقارنة مع اليوم، للسيطرة على المجلس المركزي لليكود، أو تشكيل مركز قوة، ذي تأثير قوي، واستمر نتنياهو في هذا المسعى لأكثر من عشر سنوات، أيضًا تمهيدًا لانتخابات الكنيست في العام 2009. لكن تمهيدًا لانتخابات مطلع العام 2013، أقدم نتنياهو على تحول كبير، ولنقل انعطافة، واستعان بتيار المستوطنين، من أجل الإطاحة بالشخصيات الكبيرة البارزة في الحزب، من التيار الأيديولوجي القديم، والتي رأى فيها نتنياهو عائقًا أمامه، للسيطرة المطلقة على الحزب، ومنذ ذلك الحين، باتت علاقة نتنياهو مع هذا التيار مختلفة تمامًا، إذ تحول إلى الذراع الطويلة لنتنياهو في الحزب، حتى الآن.
وبالإمكان القول إن هذا التحول، لكن ليس وحده، ساهم بقدر كبير في طغيان التيار الكهاني، الأشد تطرفًا في اليمين الاستيطاني، على كتلة الليكود في الكنيست، وعلى أداء وزراء الليكود في الحكومة، بدءًا من رئيسها.
نسبة التصويت بمثابة مؤشر
بلغ عدد الأعضاء المنتسبين لحزب الليكود، لغرض المشاركة في الانتخابات الداخلية، 140 ألف عضو، وهو عدد بعيد جدًا عما كان في سنوات سابقة؛ 230 ألفًا، لكن اللافت في هذه الانتخابات هي نسبة التصويت، في حدود 53%، وهي نسبة تُعد منخفضة جدًا، لحزب حاكم، وفي ضوء الأجواء الساخنة التي رافقت الانتخابات الداخلية في الحزب. وبالإمكان القول إن هذا مؤشر لمستقبل الليكود، ونتيجته في الانتخابات البرلمانية المقبلة.
"الليكود لم يعد حزبًا بل طائفة ظلاميّة"!
ويقول محلل الشؤون الحزبية في صحيفة "هآرتس"، يوسي فيرتر: "لم يعد الليكود حزبًا، بل أصبح طائفة ظلامية، تسيطر عليها عائلة (نتنياهو). إن صعود عضو الكنيست ألموغ كوهين، العضو في حزب عوتسما يهوديت (قوة يهودية)، إلى المراكز العشرة الأولى في الانتخابات التمهيدية، دليلٌ إضافي على أنه لا فرق يُذكر بين حزب بن غفير وطائفة نتنياهو. إن طائفة الليكود لا تقل تشددًا وتطرفًا عن الصهيونية الدينية، ولا تقل تطرفًا وكهانية عن عوتسما يهوديت".
وتابع: "حتى وقت قريب، كان مسؤولو الليكود يُظهرون في كل مرة ما يُسمى بالحكمة الجماعية. ففي كل انتخابات، كانوا يحرصون على إعداد قائمة معقولة، بل وأحيانًا جيدة وجديرة بالثقة. أما الضارون والمُحرجون، فكانوا يُطردون (على سبيل المثال: يحيئيل حزان، وأوسنات مارك، وأورن حزان، ونافا بوكر، ويارون مازوز، وأيوب قرّا)، وفي كل انتخابات تمهيدية، كانت الدوائر الانتخابية تُصدر سلسلة جديدة من المتطرفين، الذين كانت فترة حكمهم محدودة أيضًا. لم يعد الأمر كذلك. لقد بذلت المجموعة جهودًا مضنية حتى الآن: ماي غولان وعيديت سيلمان، ونسيم فاطوري وأوشر شيكاليم، وحانوخ ميلفيتسكي وساسون غيتا، وأفيشاي بوأرون وأريئيل كلاينر، وعميت هاليفي وكيتي شطريت، جميعهم خرجوا".
وقال فيرتر: "لكن أولئك الذين أعيد انتخابهم لا يُظهرون أي تحسن أو جودة أو استقلالية. فكل واحد منهم تقريبًا، من دون استثناء، هو من أنصار مشروع ’الانقلاب على مؤسسات السلطة’، المتشددين والمتعصبين الذين أيدوا الانقلاب، والذين يشوهون سمعة المحكمة العليا ورئيسها، والذين أنكروا مسؤوليتهم عن مجزرة 7 تشرين الأول/ أكتوبر؛ وكثير منهم من أشد المروجين لنظرية ’الخيانة من الداخل’. جميعهم يطالبون بالتحقيق مع القضاء أولًا، بينما يبرئون الحاكم ويخضعون له".
"كتلة بلطجية لتقويض النظام القضائي"
ويقول المحلل السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت" ناحوم بارنياع إن "ازدراء نتنياهو للانتخابات التمهيدية لحزبه مبرر تمامًا، إذ يرى المرشحون أن الانتخابات الداخلية احتفال بالديمقراطية، لكن كل واحد منهم يعلم أنه لا وجود للاحتفال ولا للديمقراطية، إنما هي فرح زائف وليلة من العذاب".
ويتابع بارنياع: "لقد وصل نتنياهو إلى ولايته الحالية على رأس مجموعة لم يشهدها النظام السياسي من قبل. لقد مات حزب الليكود كحزب يقود الحكومة، وكمنظمة تعكس إرادة ناخبيه، وكإطار لتبادل الآراء حول القضايا الرئيسة، كل ما يُتوقع من حزب حاكم، ودُفن. لقد حلت العائلة محل الحزب. سموتريتش، وبن غفير، ودرعي، وغولدكنوف، وليس وزراء الليكود، هم واجهة الحكومة".
وبرأيه "وصل أعضاء كتلة الليكود في الكنيست إلى مكانتهم عندما احتاج نتنياهو إلى بلطجية لإسقاط حكومة بينيت- لبيد وتقويض النظام القضائي. كان هناك منشقون عن الحكومة السابقة وحزب غانتس؛ وكان هناك أتباع بن غفير ومبعوثون من حاخامات الحريديم؛ وكان هناك ناشطون مخضرمون، حوّلتهم سنوات انتظارهم لتقاعد نتنياهو إلى شخصيات مشوهة، إلى رثة. بؤسهم هو فنهم. ولم يقتصر التغيير على المسؤولين المنتخبين فحسب، بل شمل الموظفين أيضًا. كان الليكود حزبًا علمانيًا يسوّق للفولكلور اليهودي. كان القاسم المشترك هو الشعور القومي، لا الدين. أما الموظفون الذين صوتوا في الانتخابات الداخلية، فهم مختلفون: يتحركون على طول المحور بين الليكود وشاس، بين بن غفير وسموتريتش".
وتابع الكاتب: "يعكس بعض هذا التغيير عمليات ديمغرافية؛ ويعكس بعضه الآخر تزويرًا: يحصل موظفو الليكود على امتيازات ويصوتون في الانتخابات لصالح الحريديم وسموتريتش. لعلّ من الأصحّ النظر إلى هذه العملية من منظور تاريخي: فقد أدى استقرار كتلة نتنياهو على مرّ السنين إلى ظهور حزب واحد وإشكالية واحدة: يشعر الكهانيّ بالانتماء إليها، ويشعر الحريديّ بالانتماء إليها. أما من يجد صعوبة في الانتماء إليها فهم اليمين القديم".
وبحسب بارنياع، فإن نتنياهو لم يرغب في إجراء انتخابات تمهيدية لأنه أدرك أنه لا يملك ما يُقنع به الناخبين، وقال "إنّ نظرة على قائمة المرشّحين، بما في ذلك قائمة المرشّحين المدجّجين بالسلاح، تكشف عن الأرض المحروقة التي يسير عليها نتنياهو: لا أحد منهم جذّاب، ولا يحمل أيّ منهم أخبارًا سارة. هل ستخسر البلاد شيئًا إذا أنهت ماي غولان مسيرتها السياسية؟ نير بركات؟ أفيخاي بوأرون؟ موشيه سعدة؟ نسيم فاطوري؟ بوعز بيسموت؟ يسرائيل كاتس؟ هل سيخسر اليمين شيئًا؟".
وما ختم به بارنياع "تزعم أبواق الدعاية التابعة للكتلة أن الشيء الوحيد الذي يوحّد الكتلة المعارضة هو ببساطة عدم وجود نتنياهو. عليهم أن ينظروا إلى القائمة الحالية. يقول هذا شيئًا واحدًا: بيبي (نتنياهو) فقط. كل شيء آخر غير صالح للاستهلاك"!
المصطلحات المستخدمة:
الصهيونية, يديعوت أحرونوت, هآرتس, الكتلة, كاخ, الليكود, الكنيست, بنيامين نتنياهو, يسرائيل كاتس, آفي ديختر