المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 3
  • ياسر مناع

في ظل الحرب الأميركية الإيرانية وحالة عدم الاستقرار التي يشهدها الشرق الأوسط وتصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل، أعلنت السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب 2026 توقيع "اتفاق مكة للدفاع المشترك" الذي ينص على اعتبار أي هجوم على إحدى هذه الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. وبينما رحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاتفاق ورأى فيه خطوة تعزز قدرة دول المنطقة على تحمل مسؤولية أمنها، نظرت إليه إسرائيل بقلق متزايد، وذهب بعض الباحثين والمحللين الإسرائيليين إلى التحذير من تحوله إلى نواة لـ "ناتو إسلامي" قد يحد من مكانة إسرائيل الإقليمية ويؤثر في مسار التطبيع.

في هذه المساهمة نستعرض الموقف الإسرائيلي من هذا الاتفاق من خلال قراءة تحليلات باحثين وشخصيات سياسية، وما نشرته مراكز البحث والتفكير ووسائل الإعلام الإسرائيلية؛ بهدف الوقوف على بواعث القلق الإسرائيلي وتداعيات الاتفاق على موقع إسرائيل المستقبلي.

الموقف الإسرائيلي وتحولات ميزان القوة الإقليمي

يعبر وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي عن الجانب الأكثر وضوحًا في الموقف السياسي الرسمي من اتفاق مكة، إذ وصف في مقابلة مع قناة  i24NEWS الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان بأنه "تطور خطير جدًا ومقلق جدًا وسيئ جدًا جدًا بالنسبة إلى إسرائيل"، وربطه بتغير مهم في البيئة الاستراتيجية الإقليمية في ظل تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا ودخول السعودية في إطار دفاعي أوسع يجمعها بأنقرة وإسلام آباد. 

تظهر هذه المخاوف بصورة أكثر تفصيلًا في قراءة المحلل السياسي يوني بن مناحيم  في مقالنشره على موقع "مركز القدس للشؤون الخارجية والأمنية" يرى فيه أن أهمية اتفاق مكة تتجاوز مضمونه الدفاعي المباشر بسبب احتمال تحوله إلى نواة لمنظومة أمنية إسلامية مستقلة يمكن أن تنضم إليها دول أخرى مستقبلًا. وينطلق بن مناحيم من طبيعة القدرات التي تجمعها الدول الثلاث والمكونة من: الثقل الاقتصادي والصناعات الدفاعية المتطورة والترسانة النووية. وفي تقديره، قد ينتج عن هذا الجمع "مركز قوة إقليمي يمتلك هامشًا أكبر من الاستقلال عن الولايات المتحدة"، ويعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط بطريقة تحد من المكانة الإقليمية لإسرائيل. كما يربط بن مناحيم ذلك أيضًا بمستقبل التطبيع؛ لأن "حصول السعودية على مظلة أمنية بديلة قد يقلل حاجتها إلى إدماج إسرائيل في الترتيبات الأمنية الإقليمية".

يقترب مئير بن شبات - رئيس معهد مسغاف والمستشار السابق للأمن القومي الإسرائيلي - من هذه القراءة، ففي مقابلة مع موقع  JNS قال إنه يرى أن اتفاق مكة يعكس "صعود محور سني يسعى إلى معادلة القوى الإقليمية في ظل استمرار التهديد الإيراني، ويمنح الدول الثلاث مساحة أكبر لبناء ترتيبات أمنية خاصة بها". ويركز بن شبات على أن الاتفاق يعزز النفوذ التركي ويلفت في الوقت نفسه إلى غياب الإمارات عنه.

 أما براندون فريدمان - مدير الأبحاث في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب - فيوسع تفسير دوافع الدول الثلاث ويرى أنها تنظر إلى إسرائيل وإيران معًا بوصفهما مصدرين محتملين لعدم الاستقرار، وأن التطورات العسكرية خلال العام الأخير زادت رغبتها في إقامة إطار دفاعي أوسع يمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها.

لا يبدو هذا القلق وليد توقيع الاتفاق نفسه؛ فقد حذر غابي سيبوني وإيرز فينر - الباحثان في مركز القدس للاستراتيجيا والأمن - في دراسة نُشرت في شباط 2026 من أن تقارب تركيا والسعودية وقطر ودول سنية أخرى يعكس تغيرًا في نظرتها إلى صعود إسرائيل المدعوم أميركيًا، بعدما بدأت ترى هذا الصعود تحديًا لمكانتها ونفوذها. كما كانت الباحثة أوشريت بيرودكر قد توقعت في مقال لها نشر يوم 23 تشرين الأول 2025 من أن الاتفاق الدفاعي السعودي الباكستاني قد يكون خطوة أولى نحو تحالف أمني إسلامي أوسع يستفيد من القدرة النووية الباكستانية، ومع دخول تركيا في اتفاق مكة انتقل هذا الاحتمال من علاقة ثنائية إلى إطار ثلاثي قابل للتوسع.

تركيا ... النفوذ والممرات الإقليمية

تحتل تركيا الموقع الأكثر حساسية في جانب واسع من القراءات الإسرائيلية للاتفاق. حيث ترى بازيت رافينا - مراسلة صحيفة "مكور ريشون"- في مقال نشرته في 14 آب 2026 أن أنقرة تمثل الطرف الأهم بالنسبة إلى إسرائيل؛ لأن اتفاق مكة يعزز مكانة الرئيس التركي أردوغان داخل العالم السني ويوفر لتركيا فرصة لتوسيع حضورها العسكري والسياسي في الخليج والبحر الأحمر، مستفيدة من صناعاتها الدفاعية وموقعها الجغرافي في مقابل حصول اقتصادها ومشروعاتها العسكرية على استثمارات وتمويل سعودي، وهذا قد يقلص هامش الحركة الإسرائيلي ويمنح أنقرة أدوات إضافية للتأثير في الملاحة والتجارة، لا سيما موقع إسرائيل داخل مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC).

في المقابل، ترى رافينا أن باكستان قد تؤدي أساسًا وظيفة ردعية واستخباراتية أكثر من التزامها بخوض حروب مشتركة، بسبب حساسيتها تجاه إيران وأزماتها الاقتصادية والأمنية الداخلية ورغبتها في الحفاظ على هامش للمناورة. 

ويقدم دورون بيسكين - الخبير في أسواق الشرق الأوسط - في حلقة من بودكاست "محور المال" الذي تعدّه صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية ونُشرت في 12 آب 2026، قراءة تضع المصالح الاقتصادية والصناعية في مركز أهمية الاتفاق. فهو يرى أن السعودية تسعى إلى تقليل اعتمادها على استيراد السلاح الأميركي والانتقال إلى توطين المعرفة والتكنولوجيا العسكرية، بينما تريد تركيا ترسيخ موقعها قوة إقليمية في الصناعات الدفاعية، وهو ما يخلق نقطة التقاء مباشرة بين رأس المال السعودي والطموح الصناعي العسكري التركي في مجالات الطائرات المسيرة والطائرات القتالية ومشروعات دفاعية أوسع. وتضيف باكستان خبرتها العسكرية وقدراتها النووية والصاروخية.

من هذا المنطلق، يرى بيسكين أن مصدر القلق الأبرز لإسرائيل يكمن في احتمال تطور التعاون بين الدول الثلاث إلى شراكة أعمق في مجالات نقل المعرفة والخبرات والتكنولوجيا العسكرية حتى من دون أن يؤدي بند الدفاع المشترك إلى استجابة عسكرية تلقائية عند وقوع أي مواجهة. في الوقت نفسه، لا يعتبر التقارب السعودي التركي مؤشرًا إلى تراجع نهائي للرياض عن مسار التطبيع مع إسرائيل، لكنه قد يقلص من اندفاعها نحوه إذا منحها بدائل أمنية وسياسية أوسع.

بين "الناتو الإسلامي" والتحالف الظرفي

رغم هذه المخاوف، لا تتفق القراءات الإسرائيلية على أن اتفاق مكة سيتحول إلى تحالف عسكري متماسك. إذ يرى يارون فريدمان - المحاضر في جامعة حيفا - في مقال نشره في موقع "زمان يسرائيل" في 18 آب 2026 أن وصف الاتفاق بأنه "ناتو شرق أوسطي" أو نقطة تحول استراتيجية كبرى يتضمن قدرًا من المبالغة، ويستند في ذلك إلى تجارب إقليمية سابقة أظهرت صعوبة تحويل الالتزامات السياسية إلى عمل عسكري مشترك عندما تختلف المصالح الوطنية. 

يشكك فريدمان في استعداد تركيا أو باكستان لخوض مواجهة مباشرة مع إيران دفاعًا عن السعودية، نظرًا إلى اختلاف مصالح الأطراف وسعي أنقرة وإسلام آباد إلى مكاسب اقتصادية، في مقابل تطلع الرياض إلى ترسيخ موقعها الإقليمي، لذلك يرى أن الاختبار الحقيقي للاتفاق سيأتي عندما تتعرض إحدى الدول لأزمة تفرض على الشريكين الآخرين تحمل كلفة عسكرية فعلية.

يقدم يوئيل غوجانسكي - رئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي – في مقابلةمع صحيفة "يديعوت أحرونوتقراءة أكثر تشككًا، إذ يرى أن السعودية وتركيا وباكستان لا تشكل "ثلاثيًا طبيعيًا" تحكمه رؤية استراتيجية موحدة، ويعتقد أن العلاقة السعودية الباكستانية هي الأكثر رسوخًا لكنها ترتبط بدرجة كبيرة بالدعم المالي السعودي، وقد استدل بموقف إسلام آباد سابقًا الذي أظهر ترددًا في خوض حروب لا تمس مصالحها المباشرة، كما حدث عندما رفضت باكستان الانضمام إلى الحرب في اليمن العام 2015، فيما يظل التقارب السعودي التركي محكومًا بالحذر من طموحات أنقرة الإقليمية، وتبقى العلاقة التركية الباكستانية أضعف أضلاع المثلث.

 ويرى غوجانسكي أن البيئة الإقليمية المضطربة دفعت الدول الثلاث نحو الاتفاق أكثر مما دفعها توافق استراتيجي عميق. كما يشكك في مدى صلابة الالتزام العسكري، لأن اعتبار الهجوم على دولة هجومًا على الجميع لا يحدد طبيعة الرد أو مستواه، ويترك مساحة واسعة تمتد من الدعم السياسي إلى المساعدة الدفاعية من دون دليل على إدماج الترسانة النووية الباكستانية رسميًا في منظومة الردع.   

من هذا المنظور، يفسر غوجانسكي الاتفاق أيضًا بوصفه محاولة سعودية لتوسيع البدائل الأمنية في مواجهة إيران والقلق من إسرائيل وتراجع الثقة بثبات الالتزام الأميركي، ويرى أن توسيع عضوية الاتفاق قد يفاقم التباينات الداخلية ويجعل تحويله إلى تحالف عسكري متماسك أكثر صعوبة.

أما بنينا شوكر - الباحثة في معهد القدس للاستراتيجيا والأمن – فإنها قد تقترب من هذه القراءة، إذ ترفض وصف الاتفاق بأنه "ناتو إسلامي" وترى أن توسيع الاتفاق السعودي الباكستاني ليشمل تركيا يهدف أساسًا إلى منح منظومة الردع الجديدة شرعية إسلامية أوسع وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتوفير أداة للتحوط من المخاطر الإقليمية.

وتبرز مصر باعتبارها الاختبار الأهم لهذا الاحتمال. حيث يرى أوفير فينتر - الباحث في معهد دراسات الأمن القومي - في تعليق له نُشر بتاريخ 13 آب 2026 أن غياب القاهرة لافت لأنها شاركت منذ اندلاع الحرب على إيران في تطوير آلية تنسيق رباعية مع السعودية وتركيا وباكستان، لكنه يربط تحفظها برغبتها في الحفاظ على استقلال قرارها العسكري وعدم الانجرار إلى مواجهات لا ترتبط مباشرة بمصالحها، إلى جانب حرصها على علاقاتها مع اليونان وقبرص والإمارات والهند والولايات المتحدة وإسرائيل. 

كما يعطي أهمية لاحتمال أخذ القاهرة معاهدة السلام مع إسرائيل في الاعتبار عند تقييمها مبدأ الدفاع المشترك. مع ذلك، لا يعتبر غياب مصر قرارًا نهائيًا ويرى أن الباب يظل مفتوحًا أمام انضمامها مستقبلًا بعد معالجة القضايا العالقة.

السيناريوهات والتوصيات الإسرائيلية

أمام هذه التحولات، يميل جزء من الطروحات الإسرائيلية إلى موازنة الاتفاق من خلال شبكة شراكات مقابلة بدل الدخول في مواجهة مباشرة معه. حيث يرى أمير برعام - المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية – أن على إسرائيل بناء شبكة موازنة تمتد من الهند إلى الإمارات العربية ثم اليونان وقبرص مستندة إلى علاقاتها القائمة وقدراتها التكنولوجية وصناعاتها الدفاعية. ويقوم هذا التصور على التعامل مع الدول الثلاث بوصفها أطرافًا تمتلك مصالح وعلاقات متباينة يمكن لإسرائيل العمل داخلها، بدل التعامل معها منذ البداية باعتبارها كتلة استراتيجية موحدة.

وتقدم دراسة يوئيل غوجانسكي وغاليا ليندنشتراوس التي نشرها معهد دراسات الأمن القومي في 19 آب 2026، المعالجة الأكثر شمولًا لمسارات الاتفاق المستقبلية؛ حيث يرى الباحثان أن الاتفاق يمثل تطورًا استراتيجيًا مهمًا بالنسبة إلى إسرائيل؛ لأنه يربط ثلاث دول مركزية في العالم الإسلامي ضمن إطار يقوم على الدفاع المتبادل مع استمرار اختلافات جوهرية بينها في تصورات التهديد والأولويات الأمنية والعلاقات مع إيران والتنافس السعودي التركي على النفوذ. ويحذران في الوقت نفسه من المبالغة في دلالة السلاح النووي الباكستاني، لأنه يمنح الاتفاق وزنًا ردعيًا ورمزيًا من دون أن يثبت وجود مظلة نووية تلقائية للسعودية أو تركيا.

ويضع الباحثان أربعة سيناريوهات لمستقبل الاتفاق، وهي على النحو التالي:

السيناريو الأول: يقوم على بقائه ضمن الوضع القائم من خلال المناورات المشتركة والتعاون في الصناعات الدفاعية، ونشر قوات باكستانية في السعودية عند الحاجة من دون تغير نوعي في الالتزامات العسكرية. 

السيناريو الثاني، وهو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى إسرائيل وإيران، يفترض تحوله إلى تحالف دفاعي فعلي يمتلك آليات قيادة وتنسيق وتدريبات ثلاثية منتظمة وتعاونًا استخباراتيًا ودمجًا لأنظمة الدفاع الجوي، وصناعات دفاعية مشتركة بما قد يقلص هامش المناورة الإسرائيلي والإيراني. 

 السيناريو الثالث: يتوقع توسيع الاتفاق ليشمل دولًا أخرى، وفي مقدمتها مصر بما يزيد من وزنه الإقليمي مع احتمال أن يؤدي اتساع العضوية إلى زيادة التناقضات الداخلية أيضًا. 

 السيناريو الرابع: يقوم على بقائه أداة ردع سياسية وتصريحية تستخدمها الدول الثلاث من أجل توجيه رسائل إلى إسرائيل وإيران من دون تحويل بند الدفاع المتبادل إلى التزام عسكري تلقائي.

كما يرى الباحثان أن مصدر القلق الأساس بالنسبة إلى إسرائيل لا يكمن في نص الاتفاق وحده؛ وإنما في إمكان اكتسابه مضمونًا عسكريًا تدريجيًا من خلال إنشاء آليات دائمة وبناء قدرات مشتركة وزيادة الاعتماد الأمني المتبادل بين أطرافه. في المقابل، يعتبران أن استمرار الانقسامات داخل العالم العربي والإسلامي وغياب الإمارات العربية عن الإطار الجديد يمنح إسرائيل هامشًا للمناورة. 

لهذا يدعوان إسرائيل إلى تجنب معارضة الاتفاق علنًا أو محاولة تفكيكه مباشرة؛ لأن تحويله إلى تهديد مشترك قد يدفع الدول الثلاث إلى مزيد من التماسك، كما يوصيان بتعميق العلاقات مع الإمارات واليونان وقبرص والهند والعمل على ترميم العلاقات مع مصر، والحفاظ على قنوات مفتوحة مع تركيا ومواصلة السعي إلى التقارب مع السعودية بما يساعد إسرائيل على الحفاظ على موقعها داخل شبكة المحاور والشراكات الإقليمية الجديدة.

المصطلحات المستخدمة:

المثلث, مكور ريشون, يديعوت أحرونوت

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات