وصف المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل آخر المُستجدات المتعلقة بالعمليات العسكرية العدوانية التي تقوم بها إسرائيل في لبنان بأنها تشف عن حالة جمود نازفة أو دموية، معتبرًا أن الخسائر التي تكبدتها في صفوف قواتها خلال الأسبوع الأخير تجعله بمثابة الأسبوع الأصعب في لبنان منذ شهر آذار الماضي، وهو أيضًا الثمن الذي تدفعه في مقابل استمرار القتال في لبنان، ضمن حملة عسكرية لم تتضح أهدافها بالكامل، وتُدار فيها القوة العسكرية الإسرائيلية في ظل قيودٍ فرضتها الولايات المتحدة (7/6/2026).
ويتفق مع هرئيل في هذا التقييم المرحلي عدد كبير من المحللين العسكريين والسياسيين في إسرائيل، كما ينسحب هذا الاتفاق فيما بينهم على أبعاد إعادة احتلال قلعة الشقيف في الجنوب اللبناني التي يلاحظ وجود شبه إجماع فيما بينهم على أنها لا تغيّر مسار الحرب من الناحية الاستراتيجية وإن كانت "تمنح الجيش الإسرائيلي أفضلية تكتيكية معينة".
وبالوسع كذلك أن نستخلص من آخر هذه المستجدات ما يلي:
أولًا، أبرز ما يتم التركيز عليه هو أن ما وصف بأنها "حالة جمود دموية" يعود سببها الرئيس إلى محدودية الخطوات التي يمكن أن يُقدم عليها الجيش الإسرائيلي في ظل السياسة التي يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إسرائيل، وتنعت في الكثير من التحليلات بأنها "سياسة ضبط النفس". وهذا يساعد المؤسستين العسكرية والسياسية على الهروب إلى الأمام من المسؤولية عن حالة الجمود التي تستنزف قوات الجيش، وذلك عبر ربطها بسياقات خارجة عن إرادة هاتين المؤسستين.
وبحسب ما أشير مثلًا في صحيفة "معاريف"، فإن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، الجنرال إيال زامير، أوضح لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، في اجتماع أمني أن الجيش بحاجة إلى ضرب مدينتَي بيروت وصور، وليس القيام بعمليات دقيقة فقط، بل أحيانًا يحتاج كذلك إلى إسقاط مبانٍ. ومضت الصحيفة تقول في هذا الشأن: ثمة تأكيد في الجيش على أن المطلوب، بالأساس، هو ضرب مركز ثقل حزب الله، ولكن في هذه الأثناء، يحاول نتنياهو الموازنة بين الضوء الأخضر الذي منحه إياه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبين ازدياد الضغط من سكان الشمال وقيادة الجيش؛ فعندما يكون الجيش كالبطة في ميدان الرماية، لن يكون قادرًا على حسم عملية عسكرية، بل يمكنه فقط أن يأمل في ألّا يُصاب في جولة إطلاق النار التالية.
من ناحيته، أكد محلل "معاريف" العسكري، آفي أشكنازي، أن على إسرائيل أن توضح لترامب الآن أنه لا يوجد، ولن يكون هناك أي ربط بين إيران ولبنان. كما يجب على إسرائيل أن تغتال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، وكذلك يجب استهداف مخازن الطائرات المسيّرة في لبنان، وضرب المقرات ومناطق التجمع، وقواعد التدريب والبنية العسكرية والمدنية في كل من النبطية، وصور، وصيدا، وطرابلس، وبيروت، والبقاع، وفي كل أنحاء لبنان (26/5/2026). وبرأيه يجب أن يشارك سلاحا البحر والمدفعية في هذه العملية، ويجب أن تهتز أرض لبنان كلها تحت وقع ذلك، وأن يجلس سكان بيروت وصور وصيدا في الملاجئ، مثلما يُجبَر سكان الشمال على الاختباء في منازلهم. وجزم بأنه فقط بهذه الطريقة "يمكن إزالة تهديد الطائرات المسيّرة وإعادة حزب الله إلى الزاوية كتنظيم سياسي، وليس كقوة عسكرية تديرها إيران في منطقة الشرق الأوسط"، على حدّ تعبيره.
ثانيًا، ثمة من يفنّد هذا الادعاء الذي يحاول أن يعيد سبب ما هو حاصل في الساحة اللبنانية إلى تكبيل يدي إسرائيل من جانب الولايات المتحدة، ومن بين هؤلاء مدير برنامج "أبحاث الأمن القومي" في "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب وعضو الكنيست السابق عوفر شيلح الذي يؤكد أن آخر التطورات في الساحة اللبنانية لم تفاجئ إلّا الذي ما زال يصدق تبجُّح رئيس الحكومة ووزرائه، أو الذي انساق وراء مهرجان الاحتلال الرمزي لقلعة الشقيف. وأضاف: عبّر لي بعض أصدقائي، الذين احتلوا الشقيف قبل 44 عامًا بثمن دموي باهظ، عن شعور عميق بعدم الارتياح من استحضار تلك المعركة التي خاضتها وحدة الاستطلاع التابعة للواء غولاني، في محاولةٍ يائسة لصناعة "صورة انتصار". أمّا الذين تخلّصوا من وهم "النصر المطلق"، ومن الاعتقاد بأن ما لا يتحقق بالقوة يمكن تحقيقه بمزيد من القوة، فإن ما جرى منذ بداية شهر آذار لم يكن مفاجئًا لهم، بل إن المفاجأة الوحيدة هي أن هناك مَن لا يزال متفاجئًا (موقع قناة التلفزة الإسرائيلية 12، 2/6/2026).
ومثلما سبقت الإشارة في الكثير من التحليلات الإسرائيلية الأخرى، أعاد شيلح إلى الأذهان أنه عندما أطلق حزب الله النار في اتجاه الأراضي الإسرائيلية، بعد اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، تباهى المستويان السياسي والعسكري في إسرائيل بأن الحزب، الذي تلقّى ضربة قاسية في صيف وخريف 2024، "وقع في الفخ الاستراتيجي الذي نصبته له إسرائيل، وأنه بات في الإمكان الآن تنفيذ ضربة من شأنها أن تقضي عليه نهائيًا"، لكن لم يكن هناك أيّ أساس لذلك، فعلى المستوى التكتيكي، أظهر حزب الله قدرة الناجين على التعلّم والتكيّف، إذ قام بنقل تشكيلاته إلى الشمال، وأعدّ الميدان جيدًا للحرب، هذه المرة، بالاعتماد أساسًا على الطائرات المسيّرة الانتحارية. ولم يكن لاحتلال الجيش الإسرائيلي الأراضي أيّ معنى لحماية الجليل، بل أدى فقط إلى غرق حتمي في مستنقع عملياتي ومفاهيمي، يدفع الجيش ثمنه يوميًا من خلال الخسائر البشرية واستنزاف القوات وتآكل الشرعية.
يصل شيلح إلى بيت القصيد حين يشدّد على أنه منذ تولّي الرئيس ترامب مهمات منصبه، أصبحت كلمة سياسي غير قائمة في القاموس الإسرائيلي. وكتب قائلًا: إن حكومةً تحرّكها اعتبارات أُخرى، وقيادة عسكرية تحمل وصمة الإخفاق، تخلّتا بالكامل عن دورهما في بلورة مسار المعركة، وتتجاهلان حقيقة أن أي إنجاز عملياتي، مهما كان ناجحًا، هو بطبيعته قصير الأمد، وإذا لم يُدعَّم بتسوية سياسية، فمصيره التلاشي. وحتى الجمهور المُحبط والمُنهك لم يعُد يطالب بمثل هذه الخطوة. ووفقًا لاستطلاعات الرأي العام التي نجريها في "معهد دراسات الأمن القومي"، فإن هذا الجمهور لم يعُد يؤمن بإمكان تحقيق إنجاز حقيقي في الشمال، أو في إيران، أو في غزة، لكنه بالرغم من ذلك يؤيد استمرار العمل العسكري ببساطة، لأنه الشيء الوحيد الذي نعرف كيف نفعله.
ثالثًا، ثمة نقطة أخرى تتعلق بالساحة اللبنانية لا تغيب عن تداول التحليلات الإسرائيلية، وهي أن هناك تلميحًا صريحًا إلى أنه إذا كانت هناك ساحة يمكن أن تؤثر في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فهي الساحة اللبنانية، بسبب وجود اعتقاد بأن القدرة على تحقيق إنجاز هناك في المستقبل القريب أكبر منها في ساحات أُخرى، كما لمّح أحد المحللين في صحيفة "يديعوت أحرونوت" قبل أكثر من شهر.
كذلك صادفتنا تحليلات تؤكد أن نتنياهو يأمل في استثمار الضربات العسكرية ضد حزب الله وإيران لتقديم نفسه كـ "منقذ تاريخي" لإسرائيل، وهو ما قد يغطي على إخفاقات 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. لكن ما هو صحيح حتى الآن أن الرياح لم تأتِ بما تشتهي سفنه سياسيًا، وأغلب هذا التحليلات يخلص إلى نتيجة مؤداها أن الحرب في لبنان تحوّلت من ورقة رابحة كان نتنياهو يراهن عليها للتغطية على إخفاقات الماضي، إلى مستنقع استنزاف سياسي، وذلك على خلفية عدم القدرة على تحقيق حسم مطلق من جهة، وغضب سكان الشمال من جهة أخرى، والضغوط الأميركية من جهة ثالثة، وكلها عوامل تجعل حظوظه في الحفاظ على كرسي رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2026 في خطر.
ولفت رئيس تحرير صحيفة "هآرتس" ألوف بن (5/6/2026) إلى أنه سبق للبنان أن كان بمثابة قبر سياسي لنتنياهو خلال ولايته الأولى (1996-1999). فقد فكّر نتنياهو، آنذاك، في الانسحاب من الحزام الأمني، لكنه لم يجرؤ على اتخاذ القرار، أمّا منافسه إيهود باراك، ففهم اللحظة واستغل الفرصة. وقبل انتخابات 1999 بأشهر قليلة، أعلن باراك في سياق مقابلة تلفزيونية أنه إذا انتُخب رئيسًا للحكومة، فسيسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان خلال عام واحد، وهذا الموقف شكّل نقطة التحول في حملته الانتخابية. وقد هزم باراك نتنياهو، وعلى نحو نادر في السياسة الإسرائيلية وفى بوعده، وقاد الانسحاب الأحادي الجانب من لبنان في أيار 2000، بعد أقل من عام من تولّيه المنصب. منذ ذلك الوقت يرى اليمين الإسرائيلي أن الانسحاب من لبنان كان تراجعًا مُذلًا أضعفَ إسرائيل، وعزّز قوة حزب الله، وشجّع الفلسطينيين على الانتفاضة الثانية، فضلًا عن أن إخفاق إسرائيل في حرب لبنان الثانية العام 2006 وتعاظُم قوة حزب الله بعد ذلك، استُخدما لتأكيد هذه الرواية. لكن على الرغم من الخطاب المتشدد والتحذيرات المستمرة من تنامي قوة حزب الله، فإن نتنياهو حافظ على الوضع القائم طوال أعوام، وتجنّب التورط العسكري الواسع في الجبهة الشمالية، إلى أن جاءت أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وعلى خلفية ما تم الاعتقاد في إسرائيل بأنها نجاحات عملياتية ضد حزب الله، بما فيها عمليات تفجير أجهزة النداء (البيجر) واغتيال حسن نصر الله، ثارت شهية نتنياهو وحلفاؤه في الائتلاف ورئيس هيئة الأركان إيال زامير لتحقيق أهداف إقليمية أوسع. وقرروا "تكرار نموذج النكبة في العام 1948 والنكبة الثانية في قطاع غزة لاحقًا، في الجنوب اللبناني، بتهجير السكان وتدمير القرى هناك وتحويل السكان إلى لاجئين". غير أن ذلك أدى إلى تورط إسرائيل مرة أخرى في لبنان، ولا تقتصر مشكلة إسرائيل، برأي ألوف بن، على إيجاد حلولٍ تقنية للطائرات المسيّرة، بل تتعلق بمقتل الجنود في حربٍ توصف بأنها تفتقر إلى الجدوى الاستراتيجية. ولا يمكن لأي صورة انتصار إخفاء هذا الفشل، حتى صوَر السيطرة على مواقع، مثل قلعة الشقيف، أو قصف المباني في بيروت. ولن تجني إسرائيل أي فائدة حقيقية من احتلال الجنوب اللبناني. وفي ضوء ذلك تتعزّز التوقعات بأن يتحوّل لبنان مرةً أُخرى إلى "القبر السياسي لنتنياهو"!
تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.
المصطلحات المستخدمة:
يديعوت أحرونوت, هآرتس, باراك, الكنيست, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو, عوفر شيلح