المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 8
  • هشام نفاع

صدر تقرير حاد عن منظمة "إنسان، طبيعة وقانون" الناشطة في مجال حماية البيئة، عدّد الأضرار التي لحقت بالبيئة خلال ولاية الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو. وهذه الخطوات لا تقتصر على نطاق محدد بل تمتد على عدد من المجالات والمشاريع.

بين الخطوات: إعفاء مصافي النفط في خليج حيفا من الحصول على رخصة بناء، سنّ قانون يتيح البناء في المحميات الطبيعية، ورفع الضريبة على السيارات الكهربائية. وهو ما جعل المنظمة تجزم بأن "هذه الحكومة هي الأسوأ في تاريخ إسرائيل فيما يتعلق بهذا المجال". ولم تردّ وزارات المالية والداخلية وحماية البيئة على التقرير، كما أفادت المنظمة ومواقع صحافية إسرائيلية.

هذا التقرير جزء من حملة أوسع بعنوان "تغيير الاتجاه" مع منظمة بيئية أخرى، وهي حملة عن أوجه القصور في الأداء البيئي وكيف يمكن إصلاحها. والمنظمتان تطرحانه كوثيقة موجهة إلى الحكومة المقبلة، وليس مجرد تقرير نقدي للحكومة الحالية. ومن بين محاوره المعلنة: تعزيز التنظيم والرقابة على التخطيط، وتعيين ممثلي الجمهور البيئيين في مؤسسات التخطيط.

النقد أوسع بكثير من تلوث الهواء أو النفايات. المحور المركزي هو، بحسب ما ظهر من مواد التقرير: إضعاف الرقابة والتنظيم البيئيين. تآكل قدرة الدولة على إنفاذ القوانين البيئية. إضعاف الاعتبارات البيئية في التخطيط والبناء. تقليص تمثيل الجمهور والاعتبارات البيئية في مؤسسات صنع القرار. واتخاذ قرارات في حالات الطوارئ الأمنية يمكن أن تتحول إلى ترتيبات دائمة. أي أن التقرير يتعامل مع طريقة إدارة الدولة للبيئة باعتبارها المشكلة الأساسية، وليس فقط النتائج البيئية.

"الدولة موجودة في حالة طوارئ مناخية وبيئية"

جاء التقرير بالاشتراك مع جمعية "حياة وبيئة" ويعرض إلى جانب الصورة القاتمة خطة تتضمن سلسلة من الإجراءات لإصلاح الوضع المتردي. ويقول معدو التقرير إن إسرائيل دولة صغيرة ومكتظة وساخنة، وتقع في إحدى أكثر المناطق حساسية لأزمة المناخ. ويوضح المحامي عميت براخا، المدير العام لمنظمة "إنسان، طبيعة وقانون" لموقع "واينت":

"الدولة موجودة في حالة طوارئ مناخية وبيئية. يموت آلاف الأشخاص سنويًا نتيجة تلوّث الهواء، ويتعرض مئات الآلاف من السكان للدخان السام الناتج عن حرائق النفايات، وتُغلق آبار مياه الشرب الواحد تلو الآخر، فيما تختفي المناطق المفتوحة تحت وطأة تطوير متسارع ومنفلت من كل القيود. وفوق كل ذلك، فإن غياب تشريع مناخي مُلزم يترك الجمهور عرضة للأخطار المتزايدة الناجمة عن أزمة المناخ".

ويضيف: "في مواجهة هذه التحديات تحديدًا، كانت الحكومة الحالية الأسوأ في تاريخ إسرائيل في كل ما يتعلق بالبيئة. فهي لم تفشل فقط في دفع الحلول المطلوبة، بل اتخذت خطوات أعادت إسرائيل إلى الوراء وعمّقت الضرر. ومع اقتراب الانتخابات، يجب على كل من يسعى إلى قيادة الدولة أن يتعهد بإصلاح الأضرار، وأن يضع صحة الجمهور والبيئة والمناخ في صدارة أولويات الحكومة المقبلة".

يهدف التقرير، بحسب المنظمتين، إلى أن يكون أداة عمل عملية للحكومة الجديدة، أيًا كانت، من أجل إصلاح الأضرار. ويقول معدّوه إن الاتجاه واضح: إضعاف التنظيم البيئي والمناخي، والتآكل المستمر في قدرات الإنفاذ، والإضرار بآليات التخطيط والرقابة، وإقصاء اعتبارات العدالة البيئية والجمهور الواسع عن عملية صنع القرار.

ويشير التقرير إلى أن الحكومة نفذت سلسلة من الخطوات التي أضرّت بالبيئة، من بينها خفض الميزانية، وإلغاء الضريبة على الأدوات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، وإضعاف صلاحيات الهيئات التي تحمي المحميات الطبيعية والأشجار والمناطق المفتوحة.

"الأزمات الأمنية فرصة لتمرير إجراءات تضر بالبيئة"

من اللافت أن التقرير يقر بأن الأزمات الأمنية تشكل دائمًا فرصة لتمرير إجراءات تضر بالبيئة، وهذه الحكومة الحالية لم تفوّت أي فرصة من هذا النوع. ففي تموز 2025، يتابع، وقّع وزير الداخلية أمرًا يمنح مصافي النفط في خليج حيفا (بازان) إعفاءً من الحاجة إلى الحصول على رخصة بناء لأعمال ترميم الأضرار التي خلفتها الحرب. ويتحايل هذا الأمر الوزاري على إجراءات التخطيط والرقابة البيئية، ويكرّس استمرار الصناعة البتروكيميائية الملوِّثة، بالرغم من قرار حكومي يقضي بإخلاء صناعة خليج حيفا.

مع ذلك، يشير التقرير إلى أن وزارة الطاقة دعمت هذه الخطوة بهدف الحفاظ على أمن الطاقة، وأن من المتوقع أن تكون مؤقتة. هنا، تزعم وزارة الطاقة أنه خلال الأشهر المقبلة ستُستكمل عملية تحويل جميع الوحدات العاملة بالفحم إلى الغاز الطبيعي. كما أن استخدام الوحدات العاملة بالفحم في محطة "أوروت رابين" في الخضيرة يتم في حالات الطوارئ فقط، كما حدث خلال الحرب مع إيران. وقد قرر وزير الطاقة الإبقاء على هذه الوحدات حتى نهاية العام 2028 لاستخدامها في حالات الطوارئ فقط.

من المثير للاهتمام أن المواد الحالية لـ"إنسان، طبيعة وقانون" تربط بين البيئة وبين الفوارق بين المركز والأطراف. وفي مادة حديثة للمنظمة، جاء أن الحرب عمّقت الفوارق القائمة مسبقًا بين المركز والأطراف، وإن إعادة إعمار الشمال والجنوب ينبغي ألا تقتصر على إصلاح أضرار الحرب، بل أن تستغل الاستثمارات لإعادة بناء بنية تحتية وخدمات عامة وبيئة وصحة أفضل.

السيارات الكهربائية: الحكومة عرقلتها بدل تشجيعها

يرى التقرير أن أحد أهم الإجراءات في سبيل تعميق حماية البيئة، هو تشجيع الانتقال إلى استخدام السيارات الكهربائية. ويقول معدّوه إن قطاع النقل، على الرغم من أهمية محطات الطاقة، هو أكبر مصدر للتلوث. وبدلا من تشجيع الانتقال إليها، فقد رفعت وزارة المالية ضريبة الشراء على السيارات الكهربائية. وهذا بعد ان كانت إسرائيل قد حققت تقدمًا في إدخال السيارات الكهربائية إلى الاستخدام، لكن الضرائب أبطأت هذه العملية.

ويشير التقرير كذلك إلى قوانين مرّت "تحت الرادار"، ومنها ما يُعرف باسم "قانون المراعي". وتوضح "جمعية حماية الطبيعة" أن القانون يُعدّ "واحدًا من أكثر الإجراءات إضرارًا"، لأنه أتاح إقامة مبانٍ سكنية وبنى تحتية في قلب المحميات الطبيعية والغابات، ووصفتْه بأنه "قانون تدميري يجب إلغاؤه فورًا". وفي موازاة ذلك، يتجنب وزير الداخلية ووزيرة حماية البيئة تعيين ممثلين عن الجمهور من ذوي الاختصاص البيئي في مؤسسات التخطيط، مثل المجلس القطري للتخطيط والبناء واللجان اللوائية.

وتعمل هذه المؤسسات، وفق التقرير، من دون الصوت البيئي المستقل الذي أقر المشرّع نفسه ضرورة تثبيته بصورة صريحة.

ويضاف إلى ذلك أن وزارة حماية البيئة ما زالت، منذ العام 2024، من دون إشغال وظيفة عالم رئيسي دائم، بعد إلغاء المناقصة الخاصة بالمنصب في العام الماضي.

يتناول التقرير أيضًا حقيقة أنه لا يوجد حتى الآن قانون للمناخ في إسرائيل. وكان هذا القانون من أوائل الأمور التي زعمت وزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان أنها تطلب الدفع بها، لكنه لا يزال عالقًا.

ضربات خطيرة لإجراءات الحماية البيئية البحرية

لقد تضررت أيضًا حماية البيئة البحرية. ففي كانون الأول 2024، قررت الحكومة إلغاء سياسة "صفر زيادة في المخاطر"، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة حركة ناقلات النفط في خليج إيلات. ومن جهة أخرى، أدّى القرار إلى تشكيل لجنة مشتركة بين الوزارات أوصت بإقامة منظومة وطنية يفترض أن تتولى حماية البيئة البحرية. ويبقى السؤال الآن، بحسب التقرير، هو: من سيدفع تكاليف هذه المنظومة. وفي جميع الأحوال، يشدد، ما زالت المخاطر الناجمة عن وقوع كارثة نفطية قائمة.

وقال المدير العام لجمعية "تسلول"، مور غلبواع، في تصريح للإعلام: "توجد للشعاب المرجانية في إيلات أهمية استثنائية، لكنها شديدة الحساسية للتلوث".

كذلك، فعلى الرغم من تلوث آبار المياه والمسطحات المائية والمياه الجوفية، تؤخر الحكومة وضع اللوائح الخاصة بتقييد المواد الخطرة. ففي الخلفية البيئية الإسرائيلية توجد مشكلة طويلة الأمد تتعلق بتلوث المياه الجوفية وإغلاق آبار مياه الشرب. وقد دافعت "إنسان، طبيعة وقانون" منذ سنوات عن إعادة تأهيل الآبار والمياه الجوفية الملوثة بدل الاعتماد المتزايد على تحلية مياه البحر وحدها.

خمسة تهديدات رئيسة لسواحل البلاد

عرض تقرير سبق التقرير الحالي بنحو شهرين، أصدرته منظمة "إنسان، طبيعة وقانون" صورة مقلقة لوضع الشريط الساحلي. ففي العام 2012 قُدّر بأن نصيب كل مواطن في إسرائيل لم يعد يتجاوز سنتيمترين من الشاطئ. ومنذ ذلك الحين، أضيف إلى سكان إسرائيل أكثر من مليوني نسمة، فيما يتزايد الضغط على الشريط الساحلي باستمرار.

لكن في الوقت الذي تصبح فيه كل حبة رمل موردًا عامًا أكثر ندرة، يتقلص الشاطئ نفسه. ويعدد التقرير خمسة تهديدات رئيسة لسواحل البلاد:

(*) التطوير والبناء على امتداد الساحل.

(*) مخططات قديمة تتيح البناء بالقرب من خط المياه.

(*) كواسر الأمواج والبنى التحتية التي تسرّع انجراف الرمال وتلحق الضرر بالشواطئ المجاورة.

(*) انهيار الجرف الساحلي.

(*) الارتفاع السريع في درجة حرارة البحر المتوسط، الأمر الذي يزيد من شدة العواصف، ويلحق الضرر بالشواطئ، ويسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر وتراجع خط الساحل باتجاه الشرق.

والخلاصة واضحة، كما ينص التقرير: إسرائيل في الدقيقة الأخيرة فيما يتعلق بحماية الشواطئ. فمستوى سطح البحر يواصل الارتفاع، والتهديدات تتراكم، لكن صانعي القرار يواصلون المصادقة على عمليات بناء واسعة النطاق بالقرب من خط الساحل، ويتجاهلون الحاجة إلى الاستعداد الحقيقي. وإذا لم نتحرك الآن ونعمل على وضع خطة وطنية شاملة لحماية الشواطئ، تتعامل مع جميع التهديدات بصورة مشتركة، فسوف نفقدها ببساطة.

ويضيف مستدركًا: لا يزال بالإمكان وقف التدهور. ويدعو التقرير إلى بلورة سياسة وطنية شاملة لحماية الشواطئ، وتحديث قانون الشواطئ بحيث تخضع أيضًا المخططات القديمة والمدمرة لإعادة النظر، وتعزيز الحلول القائمة على الطبيعة، والاستعداد الحقيقي للتغير المناخي. وتُعد جميع هذه الخطوات ضرورية لوضع حماية الشواطئ في صميم كل قرار تخطيطي، انطلاقًا من إدراك أنها مورد عام حيوي.

مقترحات التقرير لإصلاحات بمديات متعددة

هذا ليس أول تقرير من هذا النوع تصدره المنظمات البيئية الإسرائيلية. فقد نشرت منظمات البيئة الإسرائيلية تقارير سابقة تنتقد تراجع إسرائيل في مجالات البيئة. على سبيل المثال، تناول تقرير سابق تلوث الهواء، وسياسة المياه، وانبعاثات غازات الدفيئة، والتوسع العمراني على حساب المناطق المفتوحة، وفقدان المواطن الطبيعية والتنوع البيولوجي، والنفايات، وحتى الفوارق بين المركز والمناطق الطرفية. وهو ما يجعل تقرير 2026 أقرب إلى تحديث شامل لهذا الخط النقدي في ضوء سياسات الحكومة الحالية.

بناء على ما سلف، يصنّف التقرير إجراءات واضحة وفق جداول زمنية مختلفة:

(*) إجراءات للوقف الفوري للضرر، مثل إلغاء الإعفاء الممنوح لمصافي بازان من رخصة البناء، وإلغاء استخدام الوحدات العاملة بالفحم حتى في حالات الطوارئ.

(*) إجراءات يجب تنفيذها خلال 100 يوم، مثل إعادة فرض الضريبة على الأدوات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد.

(*) تشريعات جوهرية خلال السنة الأولى.

وقالت المحامية بار روزوف، مديرة القسم القانوني في منظمة "إنسان، طبيعة وقانون"، والتي أعدّت الوثيقة إن: "القيمة الأساسية للتقرير لا تكمن فقط في رسم خريطة للأضرار، وإنما أيضًا في الخطة العملية لإصلاحها. فهو يضع أمام الحكومة المقبلة خارطة طريق منظمة، تشمل إجراءات في مجالات السياسة العامة والتشريع والتنظيم، إلى جانب تحديد الأولويات والجداول الزمنية".

وأضافت روزوف أن هذه الخطوات "ستتيح إمكان البدء في عملية حقيقية لإعادة تأهيل الأضرار، وإعادة تأهيل البيئة، وتعزيز حماية صحة الجمهور".

 

تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات