يكتسب اقتراب إسرائيل من الانتخابات البرلمانية العامة، التي من المقرّر أن تجري يوم 27 تشرين الأول المقبل، أهمية متزايدة في كل ما يتعلق براهن عدة أمور ومستقبلها. ويظل في مقدمها الضفة الغربية، وخصوصًا على خلفية آخر ما تشهده من مظاهر تصعيد في عمليات القمع الإسرائيلية وتوسعة الاستيطان ونهب الأرض وأعمال العنف من جانب المستوطنين الذين يحظون بحماية الجيش، وكذلك في ظل تقدير أطراف في الائتلاف الحكومي بأن اتخاذ خطوات جذرية في الضفة الغربية ربما يساعدهم انتخابيًا، ما يزيد من احتمال اتخاذ إجراءات متطرفة أكثر وضوحًا، مثل ضم أراضٍ، أو إلحاق ضرر شديد بالسلطة الفلسطينية، أو المزيد من عمليات تهجير السكان الفلسطينيين.
عبارة "من الزمن الأصفر إلى الخط الأصفر" في عنوان هذه الكلمة مستوحاة من مقالة جديدة لافتة للبروفسور أورن يفتاحئيل، وهو باحث متخصّص في الجغرافيا السياسية والقانونية وتخطيط المدن وأستاذ في "جامعة بن غوريون" في بئر السبع، وتتعلّق بإشارته في سياقها إلى أنه قبل نحو 40 عامًا- وتحديدًا في نيسان 1987- نشر الكاتب الإسرائيلي دافيد غروسمان كتاب "الزمن الأصفر" (والذي ترجم في العالم باسم "الريح الصفراء") وهو نصٌّ بدا وكأنه نبوءة حذّر فيه من آثار الاحتلال في أراضي 1967 على الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.
حفلت معاهد الأبحاث ووسائل الإعلام في إسرائيل بالتحليلات التي تحاول إجمال مآلات ألف يوم مرّت منذ اندلاع الحرب متعددة الجبهات الحالية يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وتمثّل الاستنتاج الأبرز في أن هناك حالة من الجمود الذي يوصف بأنه استراتيجي، ومن التآكل المستمر، وفي أن ما شهدته إسرائيل هو أطول استنزاف عسكري واقتصادي واجتماعي في تاريخها من دون تحقيق حسم حقيقي لأي من الملفات المفتوحة، مثلما سعت وكانت تشتهي.
أعادت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، التي قال فيها مؤخرًا إن المساعدة الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى إسرائيل تمنح واشنطن حق مطالبة هذه الأخيرة بأن تمتثل إلى سياستها، وأطلق خلالها تلميحات بشأن فرض قيود أو عرقلة توريد السلاح، إذا لم تتصرف إسرائيل وفقًا لذلك، إلى الصدارة جوهر العلاقات القائمة بين إسرائيل والولايات المتحدة على مرّ الأعوام منذ إقامة الأولى في العام 1948.
إلى جانب الجدالات التي تشهدها الحلبة السياسية والحزبية في إسرائيل بشأن ما آلت إليه الحرب على إيران ولبنان، تتصاعد الانتقادات الحادّة حيال سلسلة التعيينات الأخيرة التي دفع قدمًا بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ولا سيما من جانب أحزاب المعارضة، والأوساط القانونية. وتنطلق هذه الانتقادات من رؤية مؤداها أن هذه التعيينات ليست مجرد خطوات إدارية بل هي جزء من استراتيجية أعمق تهدف إلى تحقيق عدة مرامٍ مترابطة. ويمكن القول إن الغاية الأبرز هي تفكيك أجهزة المراقبة والمحاسبة، حسبما تجلّى ذلك مثلًا في الآونة الأخيرة في النقاش الذي دار حول تعيين ميخائيل رافيلو، المحامي الشخصي لنتنياهو وعائلته، في منصب مراقب الدولة، والذي أشارت المحكمة الإسرائيلية العليا إلى أن عملية انتخابه في الكنيست شابتها عدة إجراءات مشبوهة أبرزها أن أعضاء كنيست من حزب الليكود تلقوا تعليمات بتصوير أنفسهم في أثناء الاقتراع خلف الستار، في خطوة اعتبرت مخالفة لسرية التصويت.
لعل أبرز ما طغى على التحليلات الإسرائيلية هو الإجماع الواسع على أن توصّل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق بشأن نهاية المواجهة العسكرية فيما بينهما يلحق بإسرائيل خسارة استراتيجية. ويمكن العثور على عدة مسوّغات تقف وراء هذا الإجماع، في مقدمها مسوّغان جوهريان: الأول، النواقص الكبيرة التي ينطوي عليها الاتفاق، والثاني، الربط مع الساحة اللبنانية لا سيما وأن إسرائيل لم تحقّق إنجازات استراتيجية بارزة في هذه الساحة الأخيرة. وبالنسبة إلى هذا المسوّغ الثاني، يُشار على وجه الخصوص إلى نجاح إيران في ربط قضية حزب الله ولبنان بملفها الخاص، الأمر الذي من شأنه أن يحدّ عاجلًا أم آجلًا من حريّة عمل الجيش الإسرائيلي في الشمال، وأن تصبح إسرائيل أكثر تقييدًا مما كانت عليه قبل الحرب.
الصفحة 1 من 56