المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 8
  • أنطوان شلحت

جزمت مجموعة من منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل، في سياق بيان جديد صادر عنها مؤخراً، بأن ما يحدث في الضفة الغربية منذ شن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، هو تغيير هيكلي بعيد المدى. 

وحمل البيان عنوان "تقرير عن وضع الاحتلال 2025: السنة الـ 58 للاحتلال وحرب السنتين على غزة". وضمت المجموعة المنظمات التالية: "بمكوم"- التخطيط وحقوق الإنسان؛ مسلك (جيشاه)– مركز للدفاع عن حرية الحركة؛ جمعية حقوق المواطن في إسرائيل؛ اللجنة لمناهضة التعذيب في إسرائيل؛ مركز الدفاع عن الفرد؛ "يش دين"؛ مقاتلون من أجل السلام؛ "محسوم ووتش"؛ "عير عميم"؛ "عيمق شافيه"؛ أطباء لحقوق الإنسان - إسرائيل؛ "لنكسر الصمت" و"توراة العدل".

ووفقاً للبيان، الذي سنكتفي باستعراضه لأنه يقدّم بالوقائع صورة واضحة للغاية عما تشهده الضفة الغربية في الأعوام القليلة الفائتة، فإنه منذ إنشاء الحكومة الإسرائيلية الحالية (الحكومة الـ 37) وبزخم أكبر في ظل الحرب على قطاع غزة، يحدث في الضفة الغربية تغيير هيكلي بعيد المدى بواسطة مجموعة من الخطوات البيروقراطية ونقل صلاحيات واسعة من الجيش الإسرائيلي (المؤتمن على إدارة حياة السكان من خلال الإدارة المدنية) إلى جهات مدنية تسيطر عليها الحكومة بشكل مباشر. وقد غيرت هذه الخطوات وتغيّر طبيعة الحكم من كونه إطاراً قضائياً للاحتلال العسكري، من المفروض أن يعمل ضمن محدوديات القوانين الدولية الخاصة بالاحتلال، ليصبح نظام ضم فعلي مرتبطاً بالمصالح السياسية للحكومة الإسرائيلية. في موازاة ذلك، تتفاقم مظاهر نظام الفصل العنصري، الذي يمنح الحصانات والامتيازات للمستوطنين ويدوس على حقوق السكان المحميين في الأراضي المحتلة. وفي وقت كتابة هذا التقرير، من الصعب التنبؤ بما إذا كانت تصريحات الحكومة بشأن الفرض الرسمي للسيادة الإسرائيلية سوف تُحذف من جدول الأعمال في الوقت الراهن. ومع ذلك من المهم التشديد على أنه من ناحية الترتيبات الهيكلية والقضائية ومن ناحية ما يجري على الأرض فإن مناطق ج في الضفة الغربية قد تم ضمّها فعلياً وبشكل عملي، حتى من دون قرار رسمي يقضي بفرض السيادة.

وقام بتسلئيل سموتريتش، في سياق منصبه كوزير في وزارة الدفاع الإسرائيلية، بامتلاك صلاحيات واسعة تتعلق بإدارة الحياة المدنية. وبواسطة هذه الصلاحيات يكون سموتريتش هو فعلياً الوزير المسؤول عن ضم الضفة الغربية، وهو يُحدث تغييرات هيكلية وقضائية وبيروقراطية، الهدف منها توسيع السيطرة الإسرائيلية وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية. وتعمل تحت إشرافه "مديرية الاستيطان" التي أقامها، وهي هيئة حكومية جديدة داخل وزارة الدفاع تتحكم بمعظم مناحي الحياة المدنية في الضفة الغربية، وبذلك هو يفرّغ مسؤولية الإدارة المدنية من مضمونها. كما تم تعيين شخص مدني لمنصب نائب رئيس الإدارة المدنية. وهذا النائب لا يخضع للضابط الأكبر الذي يعمل كرئيس للإدارة المدنية إنما يخضع مباشرة للوزير سموتريتش. ويشكّل إضعاف الإدارة المدنية ونقل صلاحياتها إلى جهات مدنية مرحلة بينية في الطريق إلى تفكيكها بشكل تام. وفي أيلول 2024 قامت منظمة "يش دين" وجمعية حقوق المواطن بتقديم طلب التماس ضد هذا التعيين وتفويض الصلاحيات المرافقة له. في إثر طلب الالتماس أعلنت الدولة في تموز 2025 عن تقليص ما في الصلاحيات الواسعة التي أعطيت للوزير نفسه. غير أن هذا ليس كافياً من أجل إيقاف العملية الخطيرة نحو فرض حكم مدني أجنبي، أما طلب الالتماس فما زال على حاله.

في المقابل، عملت الحكومة على إضعاف المستشار القانوني العسكري للضفة الغربية عن طريق نقل صلاحياته إلى المستشار القانوني في وزارة الدفاع، وهو ليس جزءاً من الجيش. هدفت هذه الخطوة أيضاً إلى تغيير الإطار القانوني الذي بواسطته تسيطر إسرائيل على الضفة، ونقل الموضوع من السيطرة العسكرية المؤقتة إلى السيطرة المدنية الدائمة. وفي تموز 2025 صوّت الكنيست بأغلبية كبيرة مع الإعلان الداعي إلى فرض السيادة على الضفة الغربية. ومع أنه لا توجد عواقب عملية لهذا الإعلان ولكنه بمثابة إعلان نوايا مهم ويعكس نِسب الدعم العالية لهذا التحرك في صفوف أعضاء الكنيست (دعمه 71 عضو كنيست وعارضه 13 عضواً فقط).

كما تعمل الحكومة الإسرائيلية بأشكال مختلفة على ما يصفه التقرير بأنه "توسيع وتعزيز الحضور اليهودي في الضفة الغربية"، وذلك من خلال ما يلي: الإعلان عن إنشاء 22 مستوطنة جديدة، بمجموع 49 مستوطنة منذ تشكيلها (حتى نهاية العام 2025)، من بينها تأهيل البؤر الاستيطانية القائمة وإقامة مستوطنات جديدة؛ عملية تنظيم 63 بؤرة استيطانية غير قانونية أقيمت خلافاً للقانون وربطها بالبنى التحتية، ما يتيح توسيعها ومأسستها؛ سن قوانين تهدف إلى تسهيل قيام المستوطنين بشراء الأراضي في المناطق المحتلة؛ إزالة العوائق وتسريع عملية البناء وعملياً المصادقة على خطط البناء، وتوسيع وتطوير المستوطنات؛ البناء المتسارع في المستوطنات، وخاصة تطوير البنى التحتية لشوارع تخدم المستوطنين وتحويل ميزانيات ضخمة لصالح المشروع الاستيطاني؛ قرار "الكابينيت" في أيار من هذا العام بتجديد تنظيم الأراضي في الضفة الغربية.

وكل ذلك يشكّل، بموجب التقرير، انتهاكاً لمجموعة كبيرة من تعليمات القانون الدولي. وأكدت المنظمات في بيانها أن كل هذه التغييرات الهيكلية، إلى جانب خطوات أخرى قامت بها الحكومة الحالية، محسوسة جيداً في أراضي الضفة الغربية وتلحق أذى خطيراً بحقوق السكان الفلسطينيين، وبروتينهم اليومي، ومستقبلهم وبأمنهم.

المصطلحات المستخدمة:

بتسلئيل, بمكوم, الإدارة المدنية, الكنيست

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات