بقلم: ألوف بن *

عرض الرئيس الأميركي جورج بوش، خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل (9- 10 كانون الثاني 2008)، رؤيته حيال التسوية الإسرائيلية- الفلسطينية. ففي البيان الذي أدلى به في "فندق الملك داود" في القدس، استعرض بوش بشكل مفصل رؤية "الدولتين، إسرائيل وفلسطين، اللتين ستعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمن"، وذلك عشية بدء المفاوضات بين الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني حول "القضايا الجوهرية" في التسوية الدائمة.

بيان بوش يتسق مع الخط الذي رسمه في خطابه في حزيران 2002، غير أن تأمل تفاصيل البيان يشير إلى تطور وتغيير في مواقف بوش مقارنة مع مواقفه السابقة في هذا الصدد: خطابه في "مؤتمر العقبة" في حزيران 2003، رسالته إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية (السابق) أريئيل شارون في نيسان 2004، وحتى خطابه في مؤتمر أنابوليس في تشرين الثاني 2007.

ويظهر استعراض هذه التغييرات أنها تعكس محاولة أميركية لطرح موقف أكثر توازناً، والابتعاد قليلاً عن مواقف سابقة اعتبرت انحيازاً لصالح إسرائيل، وخاصة بحذفه لتعبير "دولة يهودية" والإشارة المرمّزة إلى الكتل الاستيطانية، والتحفظ على توطين لاجئين فلسطينيين في إسرائيل، وهي مواقف وردت في رسالته لشارون، إضافة إلى طرحه لـ "إنهاء الاحتلال الذي بدأ سنة 1967" كنقطة انطلاق للمفاوضات حول التسوية الدائمة بدلاً من قراري 242 و 338.

مع ذلك فقد حافظ بوش على مساحة من المرونة تتيح مجالاً للأخذ والعطاء بين الطرفين في المفاوضات حول المسائل الجوهرية الثلاث: الحدود واللاجئين والقدس.

"الدولة اليهودية"

طرحت مسألة طابع وهوية إسرائيل على بساط البحث السياسي في أعقاب فشل عملية السلام في نهاية ولاية الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، والتخوف الإسرائيلي من طرح المطلب الفلسطيني بتجسيد "حق العودة". وقد تحدث كلينتون في خطته لإنهاء النزاع ("المعايير") عن "فلسطين كوطن قومي للشعب الفلسطيني، وعن دولة إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي". في عهد الرئيس بوش طالبت إسرائيل باعتراف أميركي بكونها "دولة يهودية". وقد وافقت إدارة الرئيس بوش على هذا الطلب، حيث طرح هذا الموقف (الأميركي) للمرة الأولى في خطاب ألقاه وزير الخارجية الأميركية كولين باول في تشرين الثاني 2001. بعد ذلك أعلن الرئيس بوش، في مؤتمر العقبة ورسالته لشارون ومؤتمر أنابوليس، عن التزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل كـ "دولة يهودية".

غير أنه في بيان "فندق الملك داود" عاد إلى الصيغة القديمة للرئيس كلينتون وتحدث فقط عن "وطن قومي". هذا التغيير ينبع كما يبدو من المعارضة الشديدة التي أبداها الفلسطينيون والدول العربية للاعتراف (بإسرائيل) كدولة يهودية، وذلك عقب إثارة الموضوع من قبل الجانب الأميركي في الأسابيع السابقة لانعقاد لقاء أنابوليس. وعلى ما يبدو فإن معارضة الجانب الفلسطيني لتعبير "دولة يهودية" نابعة من سببين: ما يستشف منه من تنازلات عن "حق العودة"، والاهتمام بمكانة "الأقلية الفلسطينية" في إسرائيل.

اللاجئون

في رسالته لشارون من سنة 2004 عرض بوش مبادئ مفصلة أكثر لحل مشكلة اللاجئين حلاً "متفقاً عليه، عادلاً ومتوازناً وواقعياً" والذي يجب أن ينفذ حسب رأيه عن طريق إقامة دولة فلسطينية "يتم توطين اللاجئين فيها وليس في إسرائيل"، كما قال. غير أن بوش تحدث أيضاً في تصريحات ومقابلات أدلى بها قبل وصوله إلى المنطقة وكذلك في المؤتمر الصحافي في منزل رئيس الحكومة في القدس، عن موضوع "حق العودة" كواحد من قضايا النزاع الجوهرية، وقد استخدم بوش بذلك العنوان "الفلسطيني" لمسألة اللاجئين والذي يثير معارضة شديدة في إسرائيل. في بيان "فندق الملك داود" اكتفى بوش بصيغة ضبابية أكثر: "علينا أن نتطلع إلى إقامة دولة فلسطينية وآليات دولية جديدة بما في ذلك التعويض، من أجل حل مسألة اللاجئين".

الحدود

في بيان "فندق الملك داود" كرر بوش موقفه الذي عبر عنه في المرة الأولى في رسالته لشارون من شهر نيسان 2004، وهو أن حدود الدولة الفلسطينية يجب أن تستند إلى خطوط وقف إطلاق النار من العام 1949 "مع تعديلات متفق عليها، تعكس الواقع الراهن".

غير أنه حذف الفقرة التي وردت في رسالته لشارون والتي تحدثت صراحة عن "تجمعات سكانية إسرائيلية قائمة" في الضفة الغربية والتي تعبر عن نفس "الواقع الراهن"، تاركاً هذه المسألة ضبابية بعض الشيء، مكتفياً بالتأكيد على أن إسرائيل يجب أن تتمتع بحدود "آمنة، ومعترفا بها وقابلة للدفاع عنها"، وأن الدولة الفلسطينية يجب أن تكون "قابلة للحياة، متصلة وذات سيادة واستقلال".

المرجعية

في بياني أنابوليس و"فندق الملك داود" ظهرت بوضوح محاولة من جانب الإدارة الأميركية للتنصل من تصريحات واتفاقيات ومفاهيم ماضوية "مقدسة". فهما يخلوان على سبيل المثال من أي ذكر لقراري مجلس الأمن 242 و 338، أو اتفاقيات أوسلو، التي كانت تظهر في السابق في أي وثيقة سياسية (مثلا في خطاب بوش من سنة 2002 وفي "خريطة الطريق" ورسالته إلى شارون). في المقابل فقد أكد بوش في هذه المرة على أن "نقطة انطلاق المفاوضات حول التسوية الدائمة واضحة: إنهاء الاحتلال الذي بدأ في العام 1967".

القدس

تطرق بوش في بيان "فندق الملك داود" إلى مسألة القدس، وذلك للمرة الأولى في فترة ولايته، لكنه تجنب طرح موقف واضح يتعدى الإقرار بالهواجس السياسية والدينية للطرفين، والقول بأن المحادثات حول القدس ستكون صعبة.

يبدو أن بوش حاول هنا تفادي مواجهة مع المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة والتي وضعت "المعارضة لتقسيم القدس" على رأس أجندتها في سياق معارضتها لعملية أنابوليس. لذلك امتنع بوش عن طرح موقف مفصل أو حتى مبادئ عامة للتسوية في القدس.

__________________

* باحث زميل في "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، وعمل مراسلاً سياسيًا في صحيفة "هآرتس". المقال ترجمة خاصة بـ "المشهد الإسرائيلي".

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

إسرائيل: علاقة الدولة بالجيش وبالفكر العسكري

أعاد تأسيس حزب الجنرالات "أزرق أبيض" إلى الأضواء مجدّداً موضوع كون الجيش الإسرائيلي بمنزلة المعهد الأهم لتخريج القيادات السياسية والحزبية، والذي نتناوله في إحدى مواد هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي" عبر عرض الوقائع وإضاءة الدلالات التي أحالت إليها، سواء في الماضي أو في الوقت الراهن، وهي دلالات عديدة ليس أبسطها ظاهرة عسكرة الأحزاب أو لهاثها وراء العسكر، بوصفها ظاهرة عابرة لكل الأحزاب بغض النظر عن هويتها الأيديولوجية.

وعادة عندما يتم درس حالة المؤسسة السياسية الإسرائيلية وبشكل خاص مسألة من الذي يسيطر ويحكم في إسرائيل قولاً وعملاً، وهو ما لا يتم في فترات متقاربة، يشير معظم الدارسين إلى عدد من "الشبكات" غير الرسمية، وغير المنتخبة، وتعمل غالباً

للمزيد
تظاهرة نسائية في اللد احتجاجا على قتل النساء في العام 2016.

"الجانب الاقتصادي وتحريف سياقاته" في خطة الحكومة الإسرائيلية بخصوص الجريمة في المجتمع العربيّ (قراءة ثانية)

هذا هو الجزء الثاني من مقال يتناول خطة حكومية إسرائيلية تحمل العنوان "توصيات لجنة المديرين العامّين للوزارات بشأن التعامل مع الجريمة والعنف في المجتمع العربيّ"، ويترأسها مدير مكتب رئيس الحكومة وتضم نظراءه في وزارات عدة. وسيتم هنا تناوُل الجانب الاقتصادي الذي عالجته اللجنة ارتباطاً بقضية تفويضها: مواجهة الجريمة والعنف. ويجدر القول إن مجرّد التطرّق الى هذا الجانب، وهو الطبيعي والمفروض منطقياً وعلمياً في أي مكان آخر، يُعد "تطوراً" في الحالة الإسرائيلية؛ إذ تم على الدوام نسْب الجريمة والعنف بين المواطنين العرب الى "ثقافتهم" أو "عدم احترامهم القانون". فجرى تجريم العرب بما يتعرضون له من عنف وجريمة. أما وقد تناول أخيراً مستند رسمي القضية من جانبها الاجتماعي- الاقتصادي، فهو عملياً تكذيب مهم لمجمل الخطاب الرسمي الدارج على ألسن عنصرية مختلفة وكثيرة في المؤسسة الحاكمة.

للمزيد
تظاهرة نسائية في اللد احتجاجا على قتل النساء في العام 2016.

في "سياسات الإتاحة" لقتل النساء الفلسطينيات: قراءة في أدوار الدولة والشرطة والمجتمع!

تتواصل مظاهر الجريمة والعُنف ضدّ النساء في المجتمع الفلسطينيّ في الداخل، وكان آخرها حادثةِ الأسبوع الماضي، التي أدت إلى مقتلِ وفاء عباهرة في بلدةِ عرّابة (الجليل)، فيما يشبه الإعدام الميدانيّ حيثُ قام المجرم زوجها السابق بطعنِها في الشارع بعد أن صدمَ سيّارتها.

للمزيد
الأحد, نوفمبر 29, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية