كان أحد أكبر أخطاء إسرائيل في سياق صياغة إعلان المبادئ في أوسلو عام 1993 عدم التطرق إلى "عرب إسرائيل" – المواطنين الفلسطينيين العرب في دولة إسرائيل. لقد افترض المفاوضون الإسرائيليون أنه بقبول الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الشرط الإسرائيلي بأن منظمة التحرير الفلسطينية تستطيع تمثيل كل الفلسطينيين في كل مكان ما عدا أولئك الذين يعيشون داخل إسرائيل (والذين تمثلهم بوصفهم مواطنين إسرائيليين حكومة إسرائيل، وهي الطرف الثاني الموقع على اتفاق أوسلو)، فإن عملية السلام المقبلة لن تؤثر على وضع الفلسطينيين داخل إسرائيل. وعلى هذا فإن بمقدور الحكومات الإسرائيلية الاستمرار في تجاهل، ليس فقط الحاجات المادية والمدنية لعرب إسرائيل، بل مشاعرهم القومية أيضا.وفي النتيجة انفجر هذا الخطأ في وجوهنا على نحو صارخ أثناء الاشتباكات العنيفة في تشرين الأول/أكتوبر 2000 عندما انضم الجمهور العربي الإسرائيلي إلى ركب الانتفاضة فترة ضئيلة، وقتل اثنا عشر من أفراده على يد الشرطة الإسرائيلية. أدركت الغالبية اليهودية الإسرائيلية فجأة وعلى نحو مؤلم أن ظهور احتمال قيام دولة فلسطينية في الجوار، يضاف إليه اشتداد ساعد الحركة الإسلامية، كل ذلك على خلفية عقود من العيش كمواطنين من الدرجة الثانية، قد أدى إلى جعل التوجهات السياسية للعرب في إسرائيل تميل إلى التطرف. وقد غدا على إسرائيل أن توفر حلا قوميا للفلسطينيين ليس في الضفة الغربية وغزة فحسب بل في الجليل والمثلث أيضا.

هذه التطورات، وغيرها، بدأت في بث التطرف في المواقف اليهودية الإسرائيلية أيضا. لقد أدى إصرار عرفات على حق العودة للاجئي عام 1948، وتصميمه على أنه ليس لليهود وضع معين في جبل الهيكل، تضاف إلى ذلك موجات العمليات الانتحارية وتكاثر الأدلة على أن عشرات آلاف الفلسطينيين المقيمين في الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة يقومون "بعودة" غير شرعية إلى القرى العربية الإسرائيلية (وكان أحد هؤلاء الضحية الثالثة عشرة لانتفاضة عرب إسرائيل المحدودة)، كل تلك العوامل عملت في الواقع على دمج القضيتين: قضية العرب الإسرائيليين، والمسألة الفلسطينية في نظر كثيرين من اليهود الإسرائيليين.

بالنسبة لمعظم الإسرائيليين فإن مصدر القلق الرئيسي إنما هو ما يبدو من وجود استراتيجية فلسطينية على المدى القريب بقيام "دولة فلسطينية ونصف": أي إنشاء دولة فلسطينية في الضفة وغزة تستند إلى شروط (جبل الهيكل، وعودة اللاجئين)، تجسيد الإنكار الفلسطيني للمفهوم الصهيوني (دولة يهودية للشعب اليهودي)، بينما تستوعب إسرائيل نفسها اللاجئين الفلسطينيين العائدين وتستسلم لمطالب مواطنيها الفلسطينيين بأن تصبح "دولة لكل مواطنيها". وبمرور الوقت تستكمل العملية بأن تتحول إسرائيل إلى دولة ذات شعبين أولاً، ثم تصبح في نهاية المطاف دولة عربية فلسطينية أخرى.

لقد كان رد فعل اليهود الإسرائيليين، وقد كونوا هذا الفهم، قيامهم بالتشديد على مفهوم الدولة اليهودية بحدة. وقد تعرضت مدرسة ما بعد الصهيونية، التي كان بدأ ينتمي إلى فكرها بعض الإسرائيليين إذ نادوا "بدولة لكل مواطنيها"، لخلخلة قوية لمشروعيتها وتم تكوين حلول جديدة متطرفة تجمع بين إجراءات للضفة الغربية وغزة، وإجراءات بحق العرب الإسرائيليين، وهذه الأخيرة تؤكد على الحاجة إلى فصل يتم على الأرض بحسب القومية بين اليهود والعرب.

بعض تلك الحلول كان إيجابيا. ولهذا فإن التأييد لقيام دولة فلسطينية قد ارتفع بين اليهود في إسرائيل أثناء عامي الانتفاضة. وكذا كان الأمر بالنسبة لتأييد انسحاب من جانب واحد تقوم به إسرائيل مع تفكيك المستوطنات الاستفزازية. وبعض الحلول كان يخلق مشكلات. فقد أخذ الإسرائيليون على نحو متزايد يطالبون بإعادة رسم الخط الأخضر بحيث تصبح القرى العربية الإسرائيلية في المثلث ومنطقة وادي عارة داخلة ضمن دولة فلسطين. وبعض آخر من تلك الحلول كان إجراميا: هناك معسكر متنام ومخيف من مؤيدي "الترانسفير" العشوائي للفلسطينيين إلى مناطق خارج حدود إسرائيل/فلسطين.

غدا موضوع العرب الإسرائيليين الآن في صلب النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ولم يعد الأمران منفصلين.

على كلا الجمهورين أن يبذل جهداً في المكاشفة ومحاسبة الذات. يجب أن تبقى إسرائيل دولة يهودية – وإلا فإنها تفقد مبرر وجودها -، ولكنها يجب أن تكون ديمقراطية في طبيعتها؛ وليس في وسعها تجاهل أو شطب الهوية الفلسطينية لـ 18 بالمئة من سكانها. وعلى هؤلاء الأخيرين أن يدركوا أن دولة فلسطينية واحدة هو أقصى ما يمكن أن تطمح أنظارهم إليه، وأنهم هم لن يكونوا مقيمين في هذه الدولة. وإذا ما أرادوا هوية قومية عربية فلسطينية – وهذا بالتأكيد أمر مشروع – فعليهم أن يخططوا للانتقال للعيش في تلك الدولة.

ليس لنا أن نتوقع من اليهود الإسرائيليين أن يباشروا بالمهمة الشاقة المتمثلة في تخصيص وضع ما من الاستقلال الذاتي ثقافيا للفلسطينيين الإسرائيليين، إلا بعد أن يقوموا فيما بينهم بتحديد الطبيعة اليهودية لإسرائيل نفسها: إلى أي حد ستكون إسرائيل متدينة أو علمانية قومية، وإلى أي حد ستكون تعددية؟ هذه مهمة بالغة التعقيد وهي تهدد بشق الصف الوطني في إسرائيل.

ولا يمكن لنا أن نطلب إلى المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل أن يصلوا إلى فهم لوضعهم ما لم تعين الحدود النهائية التي تحدد وتفصل "الدولتين المستقلتين العربية واليهودية" (حسب منطوق قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة 181 لعام 1948) في فلسطين الانتدابية. يجب أن ينالوا وضعا مدنيا متساويا بشكل حقيقي، وحقوقا كأقلية. ولكنهم يجب أن يسلموا بالطبيعة الأساسية لإسرائيل كدولة يهودية. إن القبول بأن اليهود هم شعب له حق مشروع في تقرير المصير في وطنه التاريخي يمثل تحديا مؤلما لمعظم العرب والمسلمين في كل مكان. ويجب على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ههنا أن يكونوا في الطليعة.

* يوسي ألفر مدير سابق لمركز "يافه" للدراسات الاستراتيجية، جامعة تل أبيب.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

https://www.eremnews.com/news/arab-world/2322265

جولة الكفاح الفلسطينية الراهنة: المفاجأة!

يتفق جلّ المحللين الإسرائيليين على أن أكثر صفة تليق بجولة الكفاح الفلسطينية الحالية التي انطلقت من مبدأ حماية القدس وأهلها وممتلكاتهم، وسرعان ما استقطبت كلا من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي 48، هي كونها جولة مفاجئة، وبالذات فيما يتصل بتدحرجها ووصولها إلى داخل إسرائيل.

وبمتابعة سريعة يمكن أن نستشف من هذه التحليلات أن ما استدعى الالتجاء إلى هذه الصفة هو واقع أن إسرائيل تعاملت مع قضية فلسطين في الآونة الأخيرة كما لو أنها قضية منسية لا من طرفها فقط إنما من جهة أطراف أخرى كثيرة ذات صلة بينها أطراف عربية، بالإضافة إلى أطراف دولية، وكل ذلك في وقت كانت الساحة العالمية عرضة لمواقف إدارة أميركية (سابقة) متماهية مع سياسة اليمين الإسرائيلي وروايته التاريخية ورمت بكل ثقلها لجرّ أطراف كثيرة لتسوية قضية فلسطين وفق خطة هي إلى تصفيتها أقرب، عرفت إعلامياً باسم "صفقة القرن". وأمكن ملاحظة هذا التعامل الإسرائيلي مع قضية فلسطين أيضاً، من خلال الأزمة السياسية غير المسبوقة التي تشهدها إسرائيل منذ أكثر من عامين وتتسم أكثر شيء بما يشبه غياب الجدل السياسي حيال موضوعات كانت تحضر بقوة في الأزمات السياسية السابقة ولا سيما في جولات الانتخابات، وفي مقدمها قضايا الاحتلال والاستيطان والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني ومستحقات عملية التسوية.

للمزيد
وقفة تحدّ في "الشيخ جراح" في 14 أيار الجاري.  (أ.ف.ب)

هبّة القدس 2021: المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إذ تفشل في تحقيق أهدافها

الأنثروبولوجيا الاستعمارية والأمن الإسرائيلي

عملت المنظومة الاستعمارية الصهيونية قبل النكبة على تأسيس معرفة استعمارية أمنية عن المجتمع الفلسطيني، من خلال توثيق دقيق وميداني لقرى ومدن فلسطينية متعددة، وخير مثال على ذلك العمل الأمني- الأنثروبولوجي آنذاك، ملفات القرى التي عملت على إعدادها منظمة الهاغناه التي شملت توثيقا دقيقا لجزء كبير من القرى والبلدات الفلسطينية التي استعمرت العام 1948. ولاحقاً بعد احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، شكل رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك ليفي إشكول لجنة سميت "لجنة الأساتذة" ضمت أكاديميين في مجالات علم الاجتماع وعلم السكان والاقتصاد وغيره من التخصصات لدراسة أحوال السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة حديثاً؛ كان الهدف منها فهم طبيعة السكان والتخطيط للتعامل معهم وإدارتهم وحكمهم. أي أن الحكومة الإسرائيلية وأذرعها السياسية والأمنية لديها هوس أمني بجمع كل التفاصيل المرتبطة بالفلسطينيين ومجتمعهم، لتتمكن من السيطرة عليهم والتحكم بهم والقدرة على قمعهم عند الحاجة لذلك، وربما بسبب الغرور الأمني وصلت المنظومة الأمنية الإسرائيلية إلى حد الوهم أن بإمكانها فهم السلوك الفلسطيني والتنبؤ به قبل حدوثه، وبإمكانها تحييد أي سلوك فلسطيني أو قمعه وإنهائه من خلال الأدوات الأمنية.

للمزيد
أمير أوحانا: عناق مع سموتريتش.  (أرشيفية، عن "واي نت")

اسم في الأخبار: أمير أوحانا ودلالة ولايته في وزارة الأمن الداخلي الإسرائيلية

أوقفت الشرطة الإسرائيلية ثلاثة مستوطنين متهمين بإطلاق النار على الشهيد موسى حسونة من مدينة اللد. هذا التوقيف أثار حفيظة العديد من الجهات اليمينية المتطرفة في إسرائيل التي دعت إلى إطلاق سراحهم. وأحد أبرز هذه الأصوات كان على لسان أمير أوحانا، وزير الأمن الإسرائيلي الداخلي عن حزب الليكود. لم يكتف أوحانا بالدعوة إلى إطلاق سراح الموقوفين بشكل فوري، إنما قال بأن تسليح المستوطنين هو أمر هام كونهم "يحافظون على القانون ويمكن النظر إليهم باعتبارهم إسناداً ضرورياً للقوى الشرطية" في وجه التمرد العربي.

للمزيد
الأربعاء, مايو 19, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

إعلانات

دعوة الباحثين والباحثات للكتابة والنشر في مجلة قضايا إسرائيلية.

للمزيد من التفاصيل