يبدو أن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني المعروفة باسم "صفقة القرن"، ستظل مدرجة في جدول الأعمال، وقد تترتب عليها مفاعيل عدة حتى ظهور نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية التي ستجري يوم 3 تشرين الثاني المقبل. وكذلك يمكن أن تبقى في حال فوز ترامب وخسارة منافسه الديمقراطي.

ومع أن الحديث بشأن ضم مناطق من الضفة الغربية إلى إسرائيل الذي تضمنته الخطة توقف الآن، تؤكد تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين وفي طليعتهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أن الضم أرجئ ولم يتم إلغاؤه، وأن خطة تنفيذه ستبقى مطروحة على الطاولة. وثمة تلميحات صريحة، سواء من جانب نتنياهو أو من جانب الضاربين بسيفه إسرائيلياً وأميركياً، إلى أن الضم سيحظى بقوة دفع أكبر لدى فوز ترامب.

في هذا العدد الأسبوعي من "المشهد الإسرائيلي" ارتأينا أن نواصل الوقوف على جملة من الخصائص الجوهرية التي تجعل "صفقة القرن" مرفوضة فلسطينياً، وينبغي بها في الآن نفسه أن تجعلها مرفوضة عربياً، على نحوٍ لا يجعل الطريق سالكة أمامها من خلال تطبيع العلاقات مع إسرائيل والتساوق مع عقيدة نتنياهو التي تنص على مبدأ السلام مقابل السلام بديلاً عن مبدأ الأرض مقابل السلام الذي يُشدّد على وجوب زوال الاحتلال الإسرائيلي، وتنص كذلك على أن القضية الفلسطينية لا تشكل لبّ القضايا العربية الإقليمية، وبالتالي يمكن التوصل إلى سلام مع إسرائيل من دون أن تتخلى عن الاحتلال ومشاريع التوسع الكولونيالية.

وتطالعون في العدد عرضاً موسعاً لمناقشات "مائدة مستديرة" نظمها "مركز مولاد لتجديد الديمقراطية في إسرائيل" مؤخراً لتلخيص العقد المنصرم واستشراف التحديات الماثلة أمام إسرائيل على مدى العقد الجديد. وكان عدد من كبار المسؤولين السابقين في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ومن الخبراء في مسائل الأمن القومي من بين المشاركين في هذه "المائدة" التي أعدّت لتكون حلقة نقاش تعليميّة في خضم الواقع الاستراتيجي الراهن الذي تعيشه إسرائيل ومعطياته المختلفة وبالبناء على نظرة تلخيصية متمعنة في العقد الماضي وتجاربه ونتائجها، ترمي إلى البحث عن "النقاط العمياء" والتحديات الغائبة عن أبصار القيادتين السياسية والعسكرية الرسميتين في إسرائيل وعن جدول أعمالهما.

ومع وجوب ملاحظة أن غاية المتناقشين تتمثل بالأساس في "ضمان استمرارية المشروع الصهيوني"، لا بُدّ من القول إن أهم ما خلصوا إليه هو تأكيدهم أن الخطة المذكورة هي بمثابة تصديق قانوني على التوجه الأحادي الجانب الذي تعتمده إسرائيل في تعاملها مع القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية، وخاصة العقد الأخير بالتحديد، والذي حل محل التوجّه التبادلي، ولذا فهي خطة تعزّز الوهم الإسرائيلي بأن عدم الإتيان بأي فعل يفضي إلى نتائج إيجابية في نهاية المطاف. ومردّ هذا الوهم، ثم الاستنتاج الخاص به في سياق المناقشات، هو واقع التفوّق الإسرائيلي من الناحية العسكرية، بناء على الفرضية القائلة بأن في الإمكان حل المشكلة عبر هذا الطريق ومن خلال النهج المعتمد فيه.

بالإضافة إلى ذلك نتناول في العدد ما قد يترتب على "صفقة القرن" في المستقبل، ولا سيما بعد الانتخابات الأميركية، سواء أسفرت نتائجها عن فوز الرئيس الحالي أو عن خسارته، وما الذي يمكن أن يقدم عليه منافسه إذا ما فاز فيها.

وفي هذا الشأن ينبغي أن يُشار إلى مسألتين يظل التعامل معهما مُعلّقاً على ما سيطرأ من خطوات في المستقبل:

الأولى، أنه جرى تنفيذ "صفقة القرن" قبل إعلانها عبر خطوات ذات دلالة من طرف الإدارة الأميركية الحالية، على غرار وقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في آب 2018، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس في كانون الأول 2017، وطرد بعثة منظمة التحرير من واشنطن، وأخيراً ما بات يُسمى في إسرائيل بـ"عقيدة بومبيو"، ويُقصد بها إعلان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، يوم 18 تشرين الثاني 2019، أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة تتعارض مع القانون الدولي. وحتى هذا الإعلان كانت السياسة الأميركية تعتمد، من الناحية النظرية على الأقل، على رأي قانوني صادر عن وزارة الخارجية العام 1978، ويعتبر أن إقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة يتعارض مع القانون الدولي.

الثانية، احتمال تحوّل هذه الصفقة إلى إرث للولايات المتحدة بما يناقض ما سبق من سياسات اتبعها البيت الأبيض إزاء الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. وهي سياسات وإن اتسمت بأنها منحازة بشكل كبير إلى إسرائيل إلا إنها لم تكن متماهية معها على نحو شبه مطلق، في حين أن خطة ترامب تتماهى مع خطاب اليمين الإسرائيلي.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

الانتخابات الأميركية وتداعيات متوقعة على إسرائيل

من شبه المؤكد أنه ستكون لنتائج الانتخابات الأميركية، التي ستجري يوم 3 تشرين الثاني المقبل، تداعيات على إسرائيل.

ومنذ فترة غير وجيزة يؤكد الناطقون المفوهون بلسان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ومعسكره اليميني أنها قد تكون تداعيات ذات طابع دراماتيكي في حال خسارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمصلحة منافسه مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي السابق.

وبرأي هؤلاء الناطقين فإن مواقف ترامب وبايدن حيال مختلف موضوعات السياستين الخارجية والأمنية تظهر بجلاء أن ثمة "فجوة كبيرة" بينهما.

للمزيد

سنة أكاديمية إسرائيلية جديدة قد يضطر خُمس الطلاب فيها إلى ترك مقاعد التعليم لأسباب اقتصادية!

افتتحت مطلع هذا الأسبوع في إسرائيل السنة الدراسيّة الجامعية في المؤسسات والمعاهد الأكاديمية العليا، والكليّات ‏المتخصصة. ويأتي هذا بطبيعة الحال وسط بل ربما في ذروة تفشى فيروس ‏كورونا، الذي فشلت الحكومة الإسرائيلية في اتخاذ القرارات السليمة والإجراءات الناجعة والملائمة لصدّه فيما سُمي بما بعد الموجة الأولى. وعليه ‏فقد قررت الحكومة إغلاقاً شاملاً ثانياً بدأ تخفيفه التدريجي والمحدود جداً، هذا الأسبوع، وهناك من يحذر بأنه سيؤدي لنتائج أسوأ.

للمزيد

كتاب "أكبر سجن على وجه الأرض" لإيلان بابيه بالعربية: احتلال 1967 كان استمراراً للتطهير العرقي في 1948

لم يُخلق أكبر سجن على وجه الأرض في حزيران عام 1967 لغاية الإبقاء على الاحتلال، بل كان "استجابة عمليّة لمُتطلّبات الأيديولوجيا الصهيونيّة الأساسيّة"، والتي تتمثّلُ في السّيطرة على أكبر قدرٍ ممكن من أرض فلسطين التّاريخيّة، ومحاولة خلق أغلبيّة يهوديّة مُطلقة، إن كان ذلك ممكناً، في فلسطين؛ هذا ما يعتقدهُ المؤرّخ الإسرائيلي إيلان بابيه، مؤلِّفُ كتاب "أكبر سجن على وجه الأرض"، والذي تُرجم حديثاً إلى العربيّة عن دار هاشيت أنطوان – بيروت 2020.

للمزيد
الإثنين, أكتوبر 19, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية