تؤكد تحليلات إسرائيلية عديدة أن "إسرائيل توقفت عن التفكير سياسيًا بشأن القضية الفلسطينية، وأن تحركاتها باتت تهدف إلى فرض وقائع على الأرض، من شأنها تحييد إمكان الانفصال الإقليمي والديموغرافي عن الفلسطينيين مستقبلًا"، كما ورد مثلًا في الأيام الأخيرة في تقدير موقف جديد صادر عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب سلط الضوء، بالأساس، على مخططات البناء في منطقة E1 التي جعل موقعها الاستراتيجي أي بناء فيها، على مرّ الزمن، محورًا لخلاف سياسي بين إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوروبا ودول عربية.
وأشير في تقدير الموقف نفسه إلى أن الجدل الحادّ حول هذه المنطقة لا يُعدّ مجرّد خلاف إضافي على البناء في المستوطنات في الضفة الغربية، بل لأن المنطقة تُعتبر نقطة اختبار رئيسة لإمكان تحقيق حلّ الدولتين. وتتمحور النقاشات حول تأثير البناء في هذه المنطقة حول التواصل الجغرافي الفلسطيني والعلاقة بين القدس الشرقية وبقية الضفة الغربية. وتحذّر الدول الغربية، مثلًا، من أن يؤدي البناء إلى وضع ما تصفه بأنه "خنجر"، أو "وتد"، من شأنه الإضرار بالتواصل الجغرافي بين الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967؛ أمّا الدول العربية، إلى جانب تركيا وباكستان، فتضيف إلى ذلك المساس بالعلاقة بين الضفة الغربية والقدس الشرقية، عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية، وفق حدود 1967. وكل ذلك بالإضافة إلى أن هناك اعتراضًا قانونيًا مبدئيًا على سياسة الاستيطان نفسها، إذ تؤكد التصريحات الصادرة عن القوى المعارضة للبناء الاستيطاني في المنطقة أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية برمتها غير قانونية وتشكل انتهاكًا للقانون الدولي، ولقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
ورأت تحليلات إسرائيلية أخرى أن الحكومة الحالية تعتبر المنطقة E1 بمثابة أداةً تهدف إلى "دفن فكرة الدولة الفلسطينية"، مرة واحدة وأخيرة، وبذلك فإنها تعيد تعريف الغاية السياسية من البناء. ولم تعُد المنطقة تُعتبر ورقة تسعى إسرائيل للاحتفاظ بها، تحسّبًا لتسوية سياسية مستقبلية، بل باتت اكثر فأكثر أداة تهدف إلى تثبيت السيطرة على الأرض ومنع مثل هذه التسوية. ووفقًا لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش على سبيل المثال، تندرجE1 ضمن "خطة السيادة بحكم الأمر الواقع" لتوسيع الاستيطان، وتسوية أوضاع البؤر الاستيطانية، وفرض السيادة، على الأقل، على مناطق (ج).
بطبيعة الحال لا يمكن فصل كل هذه التطورات الجديدة عن أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وما تداعى عنها من حروب وممارسات، ولا يمكن فصلها كذلك عن حقيقة أن المعارضة الصريحة لإقامة دولة فلسطينية أمست أداة رئيسة يروّج لها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو داخل المشهد السياسي الإسرائيلي لتعزيز مقومات بقاء ائتلافه الحكومي اليميني، معتبرًا أن "إنجازه التاريخي" على مدى عقود يتلخص في منع خيار الدولتين وتوسيع الاستيطان. غير أن ما يجب التنويه به بشكل عام أن جوهر موقفه من هذا الخيار ليس جديدًا، لكن الجديد بعد "السابع من أكتوبر" هو تحوّل منع إقامة الدولة الفلسطينية من استراتيجية غير معلنة تدار بالدبلوماسية والخطوات التدرجيّة، إلى عقيدة أمنية وسياسية صريحة يواجه بها نتنياهو الضغوط الدولية والإقليمية على رؤوس الأشهاد. ومن يتابع مواقف نتنياهو بهذا الصدد يلاحظ أنه لم يعد يتحدث عن "دولة فلسطينية منزوعة السلاح" أو خاضعة لشروط، بل يؤكد على نحو متكرر أنه "لا توجد أي مساحة لدولة فلسطينية غربي نهر الأردن". وأصبح المبرر الأساسي والجديد لدى نتنياهو في خطابه الموجه إلى الداخل والمجتمع الدولي هو أن أي اعتراف أو توجه لإقامة دولة فلسطينية بعد أحداث "السابع من أكتوبر" يُعد "مكافأة كبرى للإرهاب". وقد استخدم هذه الحجة لمواجهة موجات الاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية في المحافل الدولية. كذلك يصرّ نتنياهو على أن إسرائيل يجب أن تتمتع بالسيطرة الأمنية الكاملة والتامة على كافة الأراضي الممتدة من النهر إلى البحر، بما فيها قطاع غزة والضفة الغربية. وهذا المنطق ينفي بالضرورة مفهوم السيادة الوطنية لأي كيان فلسطيني مستقبلي. وبالنسبة إلى "اتفاقيات أبراهام" (2020) التي أطّر فيها التطبيع مع دول عربية ضمن نهجه الرامي إلى اعتبار ذلك بديلًا لحل القضية الفلسطينية، أعلن نتنياهو بصراحة أنه يرفض إقامة دولة فلسطينية حتى لو كان ذلك على حساب فرص التطبيع أو تعميق العلاقات الإقليمية (مثل العلاقات مع السعودية).
كذلك أصبحت المعارضة الصريحة لإقامة الدولة الفلسطينية أداة رئيسة يروج لها نتنياهو داخل المشهد السياسي الإسرائيلي لتعزيز مقومات بقاء ائتلافه الحكومي اليميني، معتبرًا أن "إنجازه التاريخي على مدى عقود يتلخص في منع خيار الدولتين وتوسيع الاستيطان".
تجدر الإشارة عند هذا الحدّ إلى أن سؤال موقف نتنياهو من حل الدولتين للصراع مع الفلسطينيين طُرح مُجدّدًا في ضوء عودته إلى سدّة الحكم في إسرائيل على رأس حكومة سادسة تحت زعامته، في أواخر عام 2022، وأيضًا في ظل إعلان الإدارة الأميركية مرة أخرى تبنيها لهذا الحل. وقبل ذلك عاد إلى صدارة الاهتمام في أيلول 2022 حين كرّر رئيس الحكومة الانتقالية المنتهية ولايتها، يائير لبيد، هاتين الكلمتين: حل الدولتين، في الجمعية العامة للأمم المتحدة. في ذلك الوقت أشار البعض إلى أنه في العام 2009 وقف نتنياهو، وكان رئيسًا للحكومة، في جامعة بار إيلان وعرض حل الدولتين وفي العام 2016، وعلى منبر الأمم المتحدة، كرّر عرضه وقال إنه لا يزال يلتزم برؤيا الدولتين.
كل هذا حدث فعلًا على المستوى الخطابيّ. ويبقى الأهم في ما إذا كان يُترجم من الناحية العملية وعلى أرض الواقع.
إن ما يحضر، بادئ ذي بدء، أنه في سياق أول خطاب ألقاه نتنياهو كرئيس للمعارضة في الكنيست، لدى تصويت هذا الأخير على منح الثقة إلى الحكومة الإسرائيلية السابقة (حكومة بينيت- لبيد)، يوم 13 حزيران 2021، اعتبر أن ثمة تحديًّا ثانيًا تقف هذه الحكومة أمامه ولن تفلح في اجتيازه، بحسب زعمه، هو الحؤول دون إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وذلك بعد التحدّي الأول المتمثل في إيران وملفها النووي. وأكّد أن أكثر ما ينبغي أن يعني سياسة إسرائيل حيال مسألة فلسطين هو منع قيام دولة فلسطينية تهدّد دولة الاحتلال بأفدح الأخطار، ولفت إلى أن الإدارة الجديدة في واشنطن شرعت في استئناف جهودها الرامية إلى تحقيق هذه الغاية، وهي تطالب بتجميد الاستيطان في أراضي الضفة الغربية والقدس. ومع أنه قصد بهذا أن يغمز من قناة الحكومة الجديدة التي ادعى أن "أغلبية واضحة فيها تؤيد إقامة دولة فلسطينية"، فإنه لمح جهارًا بهدف رئيس له طوال فترة حكمه، ما يوضّح أن السعي لبلوغ هذا الهدف وقف في صلب سياسته.
ثانيًا، في أواخر آب 2022 بموازاة إعلان القائد السابق للجيش الإسرائيلي غادي أيزنكوت دخول المعترك السياسي، نشرت صحيفة "هآرتس" على لسان مصدر أمني رفيع المستوى أنه لدى تسلم أيزنكوت منصبه العسكري هذا في شباط 2015 طلب منه رئيس الحكومة نتنياهو إعداد مسودة لخطة عمل استراتيجية في الساحة الفلسطينية، قام بعرضها لاحقًا أمام اجتماع خاص بحضور رئيس الحكومة ووزير الدفاع وقادة الجيش والأجهزة الأمنية ومجلس الأمن القومي. وجاء في أول بنود المسودة أن "سياسة الحكومة هي دولتين لشعبين". فقاطعه وزير الدفاع موشيه يعلون ونتنياهو بنفي ذلك، وأقر هذا الأخير بأن ما ورد بهذا الشأن في "خطاب بار إيلان 1" (2009) استهدف الهروب إلى الأمام من الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية برئاسة باراك أوباما. وحيال ذلك أكد أيزنكوت أنه اقتبس تلك العبارة من أول بنود وثيقة بعنوان "تقدير الموقف القومي للعام 2015" مكتوبة في مطلع ذلك العام من جانب مجلس الأمن القومي في ديوان رئاسة الحكومة وممهورة بتوقيع رئيس هذا المجلس يوسي كوهين والذي كان موجودًا في الاجتماع وأكد أنه كتب البند بتوجيه من نتنياهو. فما كان من نتنياهو إلا أن أنكر هذا، وطلب من كوهين جمع كل نسخ هذه الوثيقة التي أرسلت إلى جهات عديدة وإبادتها.
ثالثًا، كُتب الكثير حول الاستراتيجية التي يتبناها نتنياهو حيال القضية الفلسطينية والأراضي المحتلة منذ 1967، ولكن حين يكون الكاتب أحد كبار المسؤولين الأمنيين السابقين تغدو للأمر دلالة خاصة وينبغي الاستشهاد بها. وهذا ينطبق على الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي، شبتاي شفيط، الذي توفي في أيلول 2023 وكان شغل هذا المنصب بين الأعوام 1989-1996، إذ كتب في أواخر أيار 2023 مقالًا في صحيفة "معاريف" يمكن اعتباره منطلقًا لقراءة هذه الاستراتيجية.
ويشير شفيط من بين أمور أخرى، إلى أن غاية استراتيجية نتنياهو هي منع إقامة دولة فلسطينية، ووسيلته إلى تحقيقها كانت ولا تزال تأبيد الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية والانقسام بين حركتي فتح وحماس. وبحقّ التفت إلى الخطاب الذي ألقاه نتنياهو مع بدء ولايته الثانية في رئاسة الحكومة العام 2009 وأعلن فيه تأييده لـ "حل الدولتين"، والمعروف باسم "خطاب بار إيلان 1"، فأشار إلى ما أصبح متداولًا وهو أن هذا الخطاب كان مجرّد تعبير عن تساوق مع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي دخل إلى البيت الأبيض العام 2009، وكان ديمقراطيًا أسود ذا آراء ليبرالية. وفي زيارته الأولى إلى الشرق الأوسط، تجاوز إسرائيل وذهب في مصر، حيث ألقى خطابًا في جامعة القاهرة، في 4 حزيران 2009، قال فيه إنه يؤيد حل الدولتين للشعبين لإنهاء الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني وشدّد على أن الوضع الذي لا يكون فيه للشعب الفلسطيني دولة لا يُطاق، وأن تطلعات الفلسطينيين إلى الدولة والكرامة شرعية. وبرأي شفيط، فهم نتنياهو أنه سيحتاج لأن يتعايش مع أوباما لولاية واحدة على الأقل، ولا يجوز أن يتحدّاه منذ بداية ولايته، وأنه لا بُدّ من أن يجد الوسيلة المثلى لوأد الموضوع، وهو ما حدث فعلًا.
هاتان واقعتان من وقائع عدة تثبتان أن نتنياهو يعارض قيام دولة فلسطينية قبل "السابع من أكتوبر"، ولكن لم تكن لديه أدنى مشكلة في عدم المجاهرة بهذه المعارضة بموازاة عدم التصريح بأن وجهته هي نحو ضم أكثرية أراضي الضفة الغربية لإدراكه الثمن الباهظ الذي يمكن أن يترتب على هكذا ضمّ في الساحة الدولية. وبغية إبقاء هذا المنع ساري المفعول بنى نتنياهو سياسته على ركيزتين: عدم الدخول في مفاوضات جوهرية مع الجانب الفلسطيني، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة منذ 1967 من خلال توسعة الاستيطان.
تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.
المصطلحات المستخدمة:
الموساد, بتسلئيل, هآرتس, مجلس الأمن القومي, باراك, الكنيست, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو, موشيه يعلون, يائير لبيد