المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 7
  • أنطوان شلحت

يكتسب اقتراب إسرائيل من الانتخابات البرلمانية العامة، التي من المقرّر أن تجري يوم 27 تشرين الأول المقبل، أهمية متزايدة في كل ما يتعلق براهن عدة أمور ومستقبلها. ويظل في مقدمها الضفة الغربية، وخصوصًا على خلفية آخر ما تشهده من مظاهر تصعيد في عمليات القمع الإسرائيلية وتوسعة الاستيطان ونهب الأرض وأعمال العنف من جانب المستوطنين الذين يحظون بحماية الجيش، وكذلك في ظل تقدير أطراف في الائتلاف الحكومي بأن اتخاذ خطوات جذرية في الضفة الغربية ربما يساعدهم انتخابيًا، ما يزيد من احتمال اتخاذ إجراءات متطرفة أكثر وضوحًا، مثل ضم أراضٍ، أو إلحاق ضرر شديد بالسلطة الفلسطينية، أو المزيد من عمليات تهجير السكان الفلسطينيين.

ومثلما تؤكد تحليلات إسرائيلية كثيرة ومتطابقة، فإن ما يميز الوضع أيضًا هو أن الخطط المطروحة تعبّر عن تطلعات سياسية وقطاعية وأيديولوجية، وأصحاب هذه الخطط وفي طليعتهم الوزير بتسلئيل سموتريتش، يوضحون أن هدفهم الحقيقي هو محو تجمعات سكانية فلسطينية، وقد قال بصريح العبارة قبل عدة أيام إن المطلوب هو إخلاء تجمعات سكانية على غرار ما جرى في مخيمات اللاجئين في شمال الضفة إلى جانب شنّ حرب شاملة على السلطة الفلسطينية، أي تنفيذ "خطة الحسم" التي طرحها العام 2017. وكان قال كذلك في آب 2025: "إننا نرسّخ اليوم حقائق تاريخية على الأرض. إن الدولة الفلسطينية تُمحى عن الطاولة، ليس بالشعارات فقط، بل بالأفعال. فكلّ مستوطنة، وكلّ حي، وكلّ وحدة سكنية، بمثابة مسمار إضافي في نعش هذه الفكرة الخطِرة". وتزامنت أقواله هذه مع المصادقة على مخطط "إي 1"، الذي يهدف إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها والذي أُجّل أعوامًا تحت الضغط الدولي، مضيفًا: "إنها خطوة ذات أهمية كبيرة، تمحو عمليًا ’وهمَ حلّ الدولتين’". ويحظى ذلك بدعم من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي أوضح في أيلول الماضي أنه "لن تقوم دولة فلسطينية".

وحيال هذا الوضع تعلو في إسرائيل أصوات تطالب بوجوب أن يكون ما يحدث في الضفة الغربية في صلب المعركة الانتخابية القريبة، وأن يرافقه طرح مواقف أكثر وضوحًا من طرف جميع المرشحين. كذلك يكتب البعض أن قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي تأمل بأن يأتي التغيير في الانتخابات المقبلة، إذا ما استُبدلت حكومة بنيامين نتنياهو

غير أنه بموازاة ذلك لا يتوقع معظم المحللين في إسرائيل أن يؤدي تبدّل الحكومة وتسلم المعارضة الحالية للسلطة إلى تغيير استراتيجي جوهري بشأن مستقبل الضفة الغربية وتسوية الصراع، ولكن قد يحدث تغيير إجرائي وتكتيكي ملموس في إدارة هذا الملف أمنيًا واقتصاديًا. ويُشار في هذا الصدد إلى أن الغالبية الساحقة من المعارضة الحالية لحكومة نتنياهو لا تؤيد الانسحاب الشامل من الأراضي المحتلة منذ العام 1967 ولا قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، لا سيما في المشهد السياسي الذي تشكّل بعد أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. 

إن ما تراه التحليلات الإسرائيلية في معظمها بهذا الخصوص يمكن إجماله في ما يلي:

أولًا، أن أي حكومة تشكلها المعارضة قد تتخذ خطوات ترمي إلى تهدئة التصعيد، من أهمها: كبح عنف المستوطنين؛ إعادة التنسيق المالي والاقتصادي وتخفيف القيود الاقتصادية وإصدار تصاريح العمل؛ تجميد شرعنة البؤر الاستيطانية غير القانونية والحدّ من الخطوات الأحادية الهادفة إلى الضم المباشر أو السعي المعلن لإسقاط السلطة الفلسطينية. 

ثانيًا، أن الذي لن يتغيّر هو حرية العمل الأمني للجيش الإسرائيلي؛ الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية وغور الأردن؛ غياب المسار السياسي الشامل، إذ إن حكومة تشكلها المعارضة لن تطرح مبادرة للتنازل عن أراضٍ أو إنهاء الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية. 

ثالثًا، لعل الأكثر أهمية هو ما يقوله رؤساء المنظمات المعارضة للاستيطان في أراضي 1967 إذ يسود في أوساطهم إجماع على أن السؤال الحاسم ليس فقط كم ستكون القوة التي يمتلكها معارضو الاستيطان، بل أيضًا ماذا سيفعلون بها؟ فإذا ما استقر خيارهم على عدم هزّ السفينة، حفاظًا على تماسُك الائتلاف الحكومي، على غرار ما حدث خلال الأعوام العشرين الماضية، فلن يتغير شيء، وكذلك إذا ما تصرّفوا مثلما تصرّفت حكومة بينيت- لبيد التي وصفت بأنها "حكومة التغيير"، والتي قالت إنها لا تنوي "تغيير الوضع القائم"، وإن هذا ليس جديدًا وقُرِّر في الماضي.

رابعًا، ينبغي أن نشير أيضًا إلى أنه تسود لدى بعض هذه المنظمات المعارضة للاستيطان نظرة تشاؤم غير مسبوقة تؤكد أن ما جرى خلال الأعوام الثلاثة ونصف العام الأخيرة في الضفة الغربية غير قابل للتراجع، فالدولة التي لا تنجح ولا تريد إخلاء البؤر الاستيطانية التي أُقيمت على أراضي السلطة الفلسطينية بهدف التسبب بانهيار اتفاقيات أوسلو، والتي لا تنجح ولا تريد فرض الانضباط على جنودها، من المؤكد أنها لن تُخلي أكثر من 200 بؤرة استيطانية أُقيمت خلال عمر الحكومة الحالية التي عقدت تحالفًا مع عصابات الإجرام القومي المنفلتة من دون رادع.

وينوّه بعضها بأن إخلاء هذه البؤر والمستوطنات التي اختيرت مواقعها بعناية، أو حتى إخلاء جزء صغير منها، سيُلزم الدولة باستخدام سلطة وعنف لم يُستخدما سابقًا ضد المستوطنين في الضفة الغربية، حتى ولا خلال "خطة الانفصال" العام 2005. 

وتحديدًا من الصعب تخيّل أن نفتالي بينيت، المدير العام السابق لمجلس مستوطنات الضفة الغربية، سيدخل في مواجهة كهذه مع أصدقائه وشركائه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى غادي أيزنكوت، الذي التُقطت له قبل بضعة أشهر صوَر في إحدى أكثر البؤر الاستيطانية عنفًا في الضفة الغربية. والخلاصة المطلوبة من كل ذلك أن إسرائيل ستواصل، خلال الأعوام المقبلة، "تعميق تورّطها في مستنقع الأبارتهايد الذي صنعته وربّته بيديها"، مثلما يؤكد درور إتكيس، من منظمة "كيرم نافوت".

 

تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات