المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 14
  • أنطوان شلحت

تؤكد التحليلات الإسرائيلية، في شبه إجماع، أنه من المتوقع أن يكون افتتاح معبر رفح، اليوم الاثنين، بمثابة محطة أولى في ما يوصف بأنه جهد دولي للانتقال إلى مرحلة بلورة واقع جديد في قطاع غزة. 

ويعتقد المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، أن ما يراود الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو في الوقت الحالي هو "أمل واحد ووحيد" فحواه أن يبوء بالفشل مسعى الولايات المتحدة لبلورة واقع سياسي وأمني جديد في القطاع، بما يمهّد الطريق للعودة إلى الحرب (30/1/2026).

وما يقوله هرئيل هو مؤشر واحد من مؤشرات قوية إلى أن نتنياهو غير متحمس بتاتاً لنجاح المرحلة الثانية من "خطة ترامب" بشأن غزة، وقد يكون فشلها أقل كلفة له سياسياً من نجاحها. وهي الخطة التي بادر إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تشرين الأول 2025، وتمت المصادقة عليها بقرار مجلس الأمن رقم 2803 في تشرين الثاني. كما أعلن ترامب إنشاء "مجلس السلام" الدولي، وتعيين الجنرال الذي سيتولى قيادة قوة الاستقرار الدولية المسؤولة عن الاستقرار الأمني في القطاع، وكشف عن أسماء أعضاء المجلس.

ولا يرغب نتنياهو في نجاح المرحلة الثانية من هذه الخطة لأنها تعني الانتقال من حالة الحرب الممتدة إلى ترتيبات حكم، وإعادة إعمار، وضمانات دولية، فضلاً عن دور للسلطة الفلسطينية. وكل هذا يتعارض مع خطاب نتنياهو القائم على الحسم العسكري من جهة، وعلى رفض أي مسار يُستشف منه حل سياسي لقطاع غزة من جهة أخرى.

كذلك فإن أي تقدّم فعلي في هذه المرحلة الثانية يعني تقليل السيطرة العسكرية الإسرائيلية وإدخال أطراف فلسطينية ودولية لإدارة قطاع غزة، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى اندلاع أزمة مع حلفاء نتنياهو من اليمين المتطرف، وربما يتسبّب بإسقاط الحكومة. 

وسبق لعاموس هرئيل أن أشار إلى أن حكومة نتنياهو لا تخوض نقاشاً استراتيجياً حول غزة، بل إن نقاشها متمحور من حول البقاء بالأساس. وأشار غيره من المحللين الإسرائيليين إلى أنه حتى لو اتسم الموقف المعلن لنتنياهو حيال الخطة بالدعم الكلامي إلا إن ذلك مرافق طوال الوقت بالتعطيل العملي. وبعبارة أخرى فإن نتنياهو لا يرغب بأن يُتهم بإفشال الخطة، ولكنه لا يريد أن تنجح فعلياً.

تجدر الإشارة هنا إلى أن انضمام إسرائيل إلى "مجلس السلام" الذي شكّله ترامب كان متوقعاً، بحسب ما أكدت ورقة تقدير موقف صادرة عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب (29/1/2026) سواء بسبب طبيعة علاقات حكومة نتنياهو مع إدارة ترامب، أو بسبب التأثير المباشر للمجلس في مصالح إسرائيل الحيوية. كذلك تشدّد الورقة على أن إسرائيل تفضّل هذا المجلس، مقارنةً بمؤسسات الأمم المتحدة التي اعتادت "اتخاذ مواقف معادية لإسرائيل"، وربما يشكل وزناً موازياً لأطرٍ دولية تفرض قيوداً، وإن لم يتحول إلى بديل حقيقي من الأمم المتحدة. وفيما يخص قطاع غزة، فإن انضمام إسرائيل إلى المجلس يمنحها قدرة على التأثير في تصميم آليات الأمن وإدارة القطاع، مع محاولة تقليص المخاطر الأمنية- العملياتية، والحفاظ على قناة تنسيقٍ مباشرة مع واشنطن.

في ضوء ذلك كله يطرح السؤال بشأن ماهية الاحتمالات المقبلة. 

وأكثر ما يلفت النظر بهذا الصدد هو تأكيد أن احتمال عودة إسرائيل إلى القتال مرتفع، بحسب ما يؤكد مثلاً المؤرخ الدكتور هرئيل حوريف، وهو خبير في المجتمع الفلسطيني وباحث في "معهد دايان لأبحاث الشرق الأوسط" في جامعة تل أبيب (موقع قناة التلفزة الإسرائيلية 12، 30/1/2026)، مشيراً إلى أن الفجوة بين مطالب إسرائيل والولايات المتحدة في المرحلة الثانية، وبين ما تستعد حركة حماس لتقديمه فعلياً، غير قابلة للجَسر، وهنا توجد نقطة غالباً ما تُهمَل برأيه، وهي أنه لا يكفي نزع سلاح حماس، بل يجب أن يشمل التفكيك الحقيقي لقدرتها العسكرية والسلطوية حلّ بنيتها التنظيمية بالكامل، الرسمية وغير الرسمية، من الكتائب والسرايا العسكرية، إلى البلديات وشبكات الدعم الاجتماعي والدعوي؛ فمن دون ذلك، لا توجد إعادة إعمار، ولا تفكيك كامل للأنفاق، ولا عمليات "نزع تطرّف" حقيقية، وهي أمور لا يمكن أن تنجح إلّا في بيئة استقرار طويلة الأمد، لا مصلحة لحماس، كحركة جهادية عقائدية، في بقائها، بعد أن تنتهي من إعادة بناء قوتها.

ويعتقد حوريف أنه منذ زيارة نتنياهو الأخيرة إلى الولايات المتحدة، تصاعدت نبرة التهديد الأميركية، مع تحذير صريح بأن حماس ستُمنح شهوراً قليلة فقط في المرحلة الثانية لنزع سلاحها. وبالتالي فإن السؤال ليس عمّا إذا كانت الحرب ستعود، بل متى، وبأيّ شدة؟ وأيّ تسوية لا تفكك حماس كتنظيم حاكم ومسلح، ستتحوّل إلى مرحلة انتقالية في إعادة بنائها، وإذا انتهت المرحلة الثانية وحماس لا تزال مسلحة، منظمة، ومموَّلة، فإن الجولة المقبلة لن تكون فشلاً للتسوية، بل نتيجتها الحتمية.

وهو ما سبق أن أكده الدكتور يارون فريدمان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط والإسلام في جامعة حيفا، الذي أشار هو أيضاً إلى أن استمرار الحرب في قطاع غزة حتمي في ضوء رفض حماس نزع سلاحها (3/1/2026).

المصطلحات المستخدمة:

هآرتس, بنيامين نتنياهو

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات