المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 16
  • أنطوان شلحت

تمنح آخر استطلاعات الرأي العام في إسرائيل تحالف حزبي العمل وميرتس الذي يحمل اسم "الديمقراطيون" حتى عشرة مقاعد في الكنيست المقبل، الذي من المتوقع أن يجري انتخابه هذا العام. وهو التحالف الذي أعلن عنه في نهاية حزيران 2024، ونجم عن اتفاق يقضي بدمج هذين الحزبين، الموصوفين بأنهما "يسار صهيوني"، واللذين تراجعا إلى هامش الساحة السياسية،  في تحالف حزبي واحد وبقيادة رئيس حزب العمل الذي انتخب في ذلك الوقت يائير غولان وكان في ميرتس سابقاً، وبات خروجه يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى منطقة "غلاف غزة" جزءاً أساسياً من بناء شخصيته السياسيّة الجديدة. 

وجاء الإعلان عن إقامة "الديمقراطيون" في بيان مشترك صادر عن الحزبين أشيرَ فيه إلى أن ممثلي حزب العمل بقيادة رئيس الحزب والنائب السابق لرئيس هيئة الأركان العامة يائير غولان، وممثلي حزب ميرتس بقيادة السكرتير العام للحزب تومر رزنيك، توصلوا إلى "اتفاق تاريخي" على الاتحاد في تحالف واحد. وأوضح البيان أن الحديث لا يدور حول كتلة تقنية لخوض الانتخابات في قائمة واحدة، إنما حول خطوة تاريخية تنتج لاحقاً حزباً واحداً كبيراً وموحداً، سيكون "حزباً صهيونياً ديمقراطياً ليبرالياً وبيتاً سياسياً لجمهور واسع في إسرائيل". ووفقاً للبيان، سيكون جمهور هذا الحزب من الذين يخرجون لحماية هوية وشخصية الدولة، ومن هيئات المجتمع المدني التي تسعى لإنتاج مجتمع صحي أفضل. واعتبر البيان أن هذا الاتحاد يُعد خطوة ضرورية لبناء "بيت ديمقراطي كبير وقوي يقود الحراك الرامي إلى استبدال حكومة بنيامين نتنياهو"، التي وصفها بأنها مسيانية متطرفة ومسؤولة عن إخفاق 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وأزمات الأشهر التي تلته.

وفور إقامة هذا التحالف جرى تأطير هدفه بأنه النضال بكل قوة ضد الانقلاب القضائي الذي يقوده رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير العدل ياريف ليفين، وشركاؤهما من اليمين المتطرف.

وثمة عدة ملاحظات يجدر النظر إليها فيما يخص هذا التحالف والغايات الجوهرية التي يسعى نحوها، فضلاً عن جوهر التعويل عليه، وما بالوسع أن يساهم فيه، آخذين بالاعتبار التصنيف التقليدي لليمين واليسار السياسي في إسرائيل.

لعل أولى هذه الملاحظات أنه ما زال يؤخذ على غولان أنه محكوم إلى تفكير أمني أكثر من سياسيّ. فمثلاً دعا، في نهاية أيلول 2024، إلى احتلال منطقة أمنية في جنوب لبنان، ما حدا بصحيفة "هآرتس" إلى أن تكتب افتتاحية بعنوان "يائير غولان هل أنت فعلاً من المعارضة؟" قالت فيها: يبدو أن غولان يتصرف وكأنه لا يزال ضابطاً عسكرياً، وليس زعيم حزب يجب أن يشكل بديلاً يسارياً لليمين الحاكم، وفي الواقع، فإن خطته هي استعادة مخطط باسم "نقاط سيطرة صحيحة" توصّل إليه خلال توليه قيادة المنطقة العسكرية الشمالية، وهو ليس وحده. فالوسط في إسرائيل برئاسة بيني غانتس يعلن أنه يؤيد "الدخول البرّي للبنان إذا كانت هناك حاجة"، أمّا شركاء غانتس السياسيون في كتلة التغيير الذين كانوا يتحدثون عن نتنياهو بصفته رئيس حكومة غير شرعية، فهم إمّا انضموا إلى الحكومة (جدعون ساعر)، وإمّا يشجعون على مهاجمة إيران والذهاب حتى النهاية (أفيغدور ليبرمان). 

ثانياً، ينبغي أن نشير إلى أنّ هناك أصواتاً في صفوف اليسار الصهيوني تؤكد أن التعاون بين حزبي العمل وميرتس الآن يجب أن يكون هدفه الرئيسي "إنقاذ الدولة" وأن يضع جانباً في الوقت الحالي أي سعي لتسوية سياسية مع الفلسطينيين. وهو ما شدّد عليه المؤرخ الإسرائيليّ، ديمتري شومسكي، مثلاً، قائلاً: "في نهاية الأمر، ومن أجل تقسيم البلد إلى دولتَيْن، يجب أن يستمر وجود دولة إسرائيل، الأمر الذي هو ليس أكيداً ما دام نتنياهو وعبّاد شخصه يدفعون بقوة وبصورة مرعبة نحو تفكيك المشروع الصهيوني". وبرأيه فإن حل الدولتَين، الذي لا يظهر في الأفق في أي حال، عليه أن ينتظر ("هآرتس"، 16/7/2024).

ثالثاً، قبل عشرة أعوام، في شباط 2016، أقر حزب العمل الإسرائيلي بقيادة إسحاق هرتسوغ ما أمسى يُعرف إعلامياً بـ "خطة الانفصال" فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وكانت عبارة عن رؤية لحالة مستقبلية من الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين ضمن سياق سياسي وأمني معين.

وتمثلت أهم بنود ومبادئ هذه الخطة في ما يلي:1.  فصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين تدريجياً بدلاً من التوصل إلى حل سلام شامل من منطلق أن حل الدولتين غير قابل للتحقيق الآن؛ 2.  التسليم التدريجي لبعض المناطق (خاصة المناطق المصنفة ب وفق اتفاق أوسلو) للسيطرة المدنية الفلسطينية، لكن السيطرة الأمنية تبقى إسرائيلية في الكثير من المناطق؛ 3. يبقى الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية بشكل مؤثر، لضمان الأمن والسيطرة على الحدود والمساحات الاستراتيجية؛ 4. يمنح الفلسطينيون حرية في الشؤون المدنية في بعض المناطق، لكن ليس السيطرة الكاملة على الأمن، بحيث يظل الجيش والقوات الإسرائيلية هما العنصر المسيطر؛ 5. من مقترحات الخطة بناء جدار فاصل حول تجمعات المستوطنين في الضفة لضمان الفصل بين المجتمعات مع الحفاظ على التجمعات الكبرى داخل السيطرة الإسرائيلية؛ 6. تتضمن الخطة التعامل مع القدس الشرقية والأحياء العربية من منطلق تقليل الوجود الفلسطيني داخل "القدس الموحدة" لدى إسرائيل، ما يعني عزل بعض الأحياء أو إقامة فواصل.

وطرح حزب العمل هذه الخطة باعتبارها استجابة لواقع سياسي وأمني معقد، حيث رأى بعض قياداته في ذلك الوقت أن حل الدولتين التقليدي بات بعيد التحقيق، وبالتالي كانت الرؤية تقوم على إدارة القوى والفصل بين السكان الفلسطينيين والإسرائيليين بطريقة تحفظ أغلبية يهودية وتضمن أمن الدولة الإسرائيلية وفق تصورهم.

وفي حينه وصفت تلك الخطة بأنها تمثل انتقالاً واضحاً من مشروع التسوية السياسية إلى إدارة الصراع، فهي لا تنطلق من مفاوضات ولا من اتفاق نهائي، ولا تعِد بدولة فلسطينية ذات سيادة، وتطرح الفصل الديمغرافي كهدف أساس، لا العدالة أو إنهاء احتلال 1967. بهذا المعنى فهي ليست أكثر من نسخة ناعمة من سياسات اليمين، لكن بلغة أمنية بدل الخطاب الأيديولوجي.

كما لفت البعض إلى أن الخلاف بين العمل واليمين لم يعد حول الاحتلال بل حول أفضل طريقة لإدارته بأقل كلفة دولية، فضلاً عن أن خطة الحزب هذه لا تعني انفصالاً سلمياً بقدر ما تمهد لهيكل سياسي يحافظ على السيطرة الإسرائيلية في الضفة مع فصل فعلي للسكان الفلسطينيين. وأشار بعض آخر إلى أن الخطة تشي بانسحاب من فكرة حل الدولتين من دون تقديم بديل واضح، وهو ما يجسّد في الواقع انسحاباً من السلام السياسي لصالح إدارة الاحتلال.

وفي واقع الأمر، فمنذ عقد من الأعوام لم تأت التطورات التي طرأت على حزب العمل، رمز "معسكر اليسار الصهيوني"، بما هو جديد يتجاوز هذه الخطة. وهذا ينسحب كذلك على نسخة العمل المُعدّلة ضمن تحالف "الديمقراطيون" الأحدث.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات