المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 975
  • أنطوان شلحت

شكّل قيام الكنيست الإسرائيلي، يوم 9 كانون الثاني 2023، بإقرار مشروع قانون تمديد العمل بأنظمة الطوارئ التي تطبّق القانون الإسرائيلي على أراضي الضفة الغربية (والمعروف باسم قانون الأبارتهايد) بالقراءة الأولى، فرصةً لمزيد من توضيح ما لا ننفك نؤكده وهو أن الجدل المحتدم هذه الأيام، على خلفية تأليف الحكومة الأكثر تطرّفاً وتديناً في تاريخ إسرائيل، يخصّ بالأساس قضايا داخلية ولا ينطوي على خرق لتخوم شبه الإجماع حيال القضية الفلسطينية والموقف من الفلسطينيين في الداخل، وهو شبه إجماع يسم الأغلبية الساحقة من الأحزاب الإسرائيلية التي حظيت بتمثيل في الكنيست الحاليّ.

ومن ناحية الوقائع الجافة صوّت 58 عضو كنيست مع تمديد أنظمة الطوارئ، بينهم أعضاء الائتلاف الحالي الذين عارضوا هذا التمديد خلال ولاية حكومة بينيت- لبيد الماضية (من باب المناكفة وإحراج تلك الحكومة وتفكيك قاعدتها البرلمانية) وهو ما أدى بالتزامن مع حدوث انشقاقات عنها إلى سقوط تلك الحكومة. 

وصوّت 13 عضو كنيست ضد التمديد، هم أعضاء الكنيست من القائمتين العربيتين، ومن حزب العمل. 

وصوّت حزبا "يوجد مستقبل" و"المعسكر الرسمي" مع التمديد. 

كان حزب العمل صوّت مع التمديد في الكنيست الماضي. ولكن، بحسب ما أكد بيان للحزب، مع وجود زعيم الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش في وزارة الدفاع، ولكونه مسؤولاً عن منسّق شؤون الحكومة في الأراضي المحتلة، وعن الإدارة المدنية، فإن تمديد أنظمة الطوارئ المذكورة سيؤدي إلى ضم الضفة وإلى "دولة ثنائية القومية تمسّ بأمن الدولة". 

ومما قاله وزير العدل الإسرائيلي ياريف ليفين (الليكود) الذي قدم مشروع القانون، فإنه في ظل الحكومة الحالية اختلفت الحال عما كانت عليه في أثناء ولاية الحكومة السابقة التي اعتمدت، كما قال، على تأييد حزب واحد على الأقل يريد المسّ بالمشروع الاستيطاني في الضفة الغربية. وأضاف: "في هذه الحكومة اختلفت الأمور، وعدنا إلى الإيمان بحقنا في أرض إسرائيل الكاملة، وعدنا إلى تعزيز الاستيطان. في هذه الحكومة ليس صعباً جمع الأكثرية المطلوبة من أجل تمرير مشروع القانون". 

اشتملت أقوال ليفين هذه على قدر كبير من الكذب الذي تثبته حقيقة واحدة فقط، هي أن سقوط الحكومة السابقة تمّ بسبب تأييد المشروع الاستيطاني، كما سنوضح في سياق لاحق.

وأوضح عضو الكنيست جدعون ساعر (من "المعسكر الرسمي") سبب تأييد حزبه لمشروع القانون، فقال: "ما جرى في الحكومة السابقة لم يكن صحيحاً من ناحية المعارضة التي تحركت بعكس المصلحة الوطنية وأسقطت مشروع القانون. إننا نعارض الحكومة الحالية لكننا لا نعارض الدولة ومصالحها الحيوية"!

للعلم، أنظمة الطوارئ في الضفة الغربية وُضعت لأول مرة في العام 1967 من أجل تنظيم العلاقة بين المستوطنين في الضفة الغربية- وهم بحسب تعريفهم القانوني "مواطنون إسرائيليون يعيشون خارج الحدود الرسمية لإسرائيل" - وبين القوانين الإسرائيلية. ومنذ سنّ هذه الأنظمة يجري تمديدها مرة كل خمسة أعوام. وهي تسمح لإسرائيل بسجن فلسطينيين في أراضيها، على الرغم من أن القانون الدولي يمنع قوات الاحتلال من محاكمة أو إصدار حكم بالسجن بحق سكان مناطق محتلة واقعة خارج حدودها. 

هذه الأنظمة مهمتها أيضاً إيجاد نظام قضائي في الأراضي المحتلة وربطه بالنظام القضائي في إسرائيل في سلسلة من القضايا. وتتيح هذه القوانين لكل مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية إمكان الاستفادة من القانون الإسرائيلي فيحصل على التقديمات نفسها التي يستفيد منها سكان إسرائيل داخل الخط الأخضر. وبموجب هذه القوانين هناك تنسيق بين نظام تطبيق العقوبات الجنائية في إسرائيل والنظام المُطبّق في الضفة الغربية، فالشرطة تتصرّف كأنها جهاز واحد، وكذلك نظام السجون. وبناء عليه، فإن وقف العمل بهذه الأنظمة من شأنه أن يخلق حاجزاً بين النظامين. ومن الأمثلة التي قد تنجم عن ذلك عدم نقل معلومات جمعتها الشرطة ضمن إطار تحقيق جنائي في الأراضي المحتلة إلى إسرائيل، والعكس صحيح. وسيصبح عمل الشرطة في الضفة الغربية مفصولاً عن عمل الشرطة في داخل إسرائيل. كما سيصبح من الصعب في السجون الإسرائيلية مواصلة اعتقال المحكومين بالسجن في محاكم عسكرية في الضفة الغربية، والمقصود هنا آلاف السجناء الأمنيين من سكان الضفة الغربية وهم اليوم معتقلون في السجون الإسرائيلية.

لا بد أيضاً من إعادة التذكير بأن رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق نفتالي بينيت، وبالاتفاق مع خليفته في هذا المنصب كرئيس للحكومة الانتقالية يائير لبيد، هو من بادر إلى حلّ حكومتهما المشتركة ذات الرأسين على أرضية عدم نجاحها في تمديد أنظمة الطوارئ المذكورة. فقد كان من المفروض أن ينتهي سريان مفعول هذه الأنظمة من الناحية القانونيّة بعد أن فشلت الحكومة السابقة في تمريرها في الكنيست، في حزيران الماضي (2022)، ولكن ما حدث هو أنه تمّ تمديدها بشكل أوتوماتيكي بسبب حلّ الكنيست قبل هذا الموعد المُحدّد (بموجب قانون الكنيست يؤدي حلّ الكنيست والذهاب إلى انتخابات مبكرة إلى تمديد أوتوماتيكي لمفعول أنظمة الطوارئ لفترة ثلاثة أشهر من تاريخ أداء الكنيست المنتخب اليمين القانونيّة).  وقالت مصادر مقربة من بينيت إنه قرر التوجه إلى انتخابات مبكرة بسبب عدم نجاحه في تجنيد أغلبية تدعم هذه الأنظمة، وهو ما تماشى معه لبيد. وشدّدت هذه المصادر على أنه بالرغم من البيان المشترك لبينيت ولبيد بشأن تبكير تلك الانتخابات، فإن القرار اتخذه بينيت وحده، إذ فهم في الأيام الأخيرة أنه لا توجد وسيلة لتمديد العمل بأنظمة الطوارئ في الضفة الغربية إلا عن طريق حلّ الكنيست، وتخوّف من الفوضى في حال انتهى العمل بأنظمة الطوارئ، إذ سيصبح من الصعب تطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنات.

إن في مجرّد هذه الوقائع ما يفصح عن هموم متماثلة إزاء الاحتلال والاستيطان في الأراضي المحتلة خصوصاً كما إزاء القضية الفلسطينية عموماً بين الائتلاف الحكومي الحالي وأغلبية المعارضة، مثل ما كانت الحال عليه بين أغلبية الائتلاف الحكومي السابق وأغلبية المعارضة في الكنيست الماضي. وهذا الكلام لا يعني بحال من الأحوال التخلي عن مساءلة جوانب أخرى في هذا الجدل تتعلق بمُضي حكومة نتنياهو قدماً بتكريس كل ما يتماشى مع سياسات اليمين المتطرّف والفاشي على الصعيد الداخلي والذي لا بُدّ أن ينعكس على كل الصعد الأخرى والقادرة في اجتماعها معاً على نسج صورة عامة لإسرائيل، وبالذات في ما هي مختلفة عليه، وفي ما يقف في صلب إجماعها. 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات