المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
أهالي الطنطورة بعد احتلالها. (وكالات)
أهالي الطنطورة بعد احتلالها. (وكالات)

فتح فيلم وثائقي إسرائيلي الجدل من جديد حول مجزرة "الطنطورة". الفيلم الذي أعده ألون شوارتز بعنوان اسم القرية الفلسطينية "طنطورة" يعرض روايات بعض مقاتلي لواء "ألكسندروني" الذين شهدوا أحداث المذبحة التي نفذت في القرية بتاريخ 22 أيار 1948. وشارك شوارتز بالفيلم في مهرجان "ساندانس" للأفلام Sundance Film Festival 2022 في الولايات المتحدة ضمن فئة الأفلام الوثائقية الطويلة، ولم يحالفه الحظ بالفوز بجائزة المهرجان.

برزت قضية هذه المجزرة في الجدل الإسرائيلي قبل نحو 22 عاما بعد أن كشف عن تفاصيلها طالب إسرائيلي في صلب أطروحته لنيل درجة الماجستير في التاريخ، فوجد نفسه متهما بالتشهير بجنود لواء "ألكسندروني" المتهم بتنفيذ المجزرة، لتدخل قضية الطنطورة الحيزين القضائي والإعلامي بعد الحيز الأكاديمي، فوصلت القضية إلى المحاكم الإسرائيلية بعد أن اتهم جنود في لواء "ألكسندروني"، طالب التاريخ في جامعة حيفا ثيودور (تيدي) كاتس، الذي أشرف على أطروحته قيس فرّو، بالتشهير بهم، واضطر في إثر مقاضاته إلى سحب أطروحته في مقابل عدم استمرار الجنود في القضية، ثم سحبت الجامعة الدرجة من كاتس بدعوى وجود أخطاء منهجية في أطروحته، برغم تراجع كاتس لاحقا عن قراره سحبها ومطالبته الجامعة باعتماد الأطروحة.

أسرة التحرير في صحيفة "هآرتس" اعتبرت، في مقال افتتاحي، أن مخرج فيلم "طنطورة" شوارتز استكمل الدور الذي قام به كاتس، وهو الدور الذي رفضت المحكمة القيام به خلال مناقشة القضية. فقد استمع شوارتز الى التسجيلات التي وثقها كاتس وتحدث فيها الجنود الذي شاركوا في ارتكاب المجزرة، ثم التقى شوارتز هؤلاء الجنود ليوثق روايتهم بالصوت والصورة، ليصل إلى نتيجة "تقشعر لها الأبدان وتكشف افتراء لم يكن المقاتلون الذي نفذوا المجزرة عام 1948 ضحاياه، بل كان ضحيته الطالب الذي حاول الكشف عن أفعال هؤلاء المقاتلين، وتم إسكاته".

"لم يأخذوا أسرى"!

حسب شهادات الجنود في الفيلم الوثائقي فإن "بعض المقاتلين السابقين اعترفوا صراحة بأنهم قتلة، فهم "لم يأخذوا أسرى"، في إشارة إلى إعدام الفلسطينيين رغم وقوعهم في الأسر. كما يكشف الفيلم عن وجود قبر جماعي في موقع مخصص اليوم كموقف للقوارب، على بعد خمسة كيلومترات عن الشاطئ.

ودعت أسرة التحرير في "هآرتس" إلى رفع الظلم التاريخي عن تيدي كاتس أولا، عبر تحقيق معمق لما حصل في الطنطورة، للكشف إن وقعت فيها مذبحة جماعية أم كان قتل عشوائي لأهل القرية. وتشير "هآرتس" إلى أن ذلك ممكن عبر تشكيل فريق تحقيق يضم مؤرخين، وخبراء، ومختبرات للتشخيص الجنائي وخبراء في الأمراض، عرباً ويهوداً، وأن يطّلع الفريق على الشهادات ويحفر في الميدان كي يفحص إن كانت لا تزال فيه بقايا قبر جماعي.

الطنطورة والماضي المظلم

أما أمير بوغِن، الصحافي والباحث في نيويورك في مجال الأفلام، فكتب في "يديعوت أحرونوت" مقالا بعنوان: "لا نعترف بالنكبة؟ فيلم ’طنطورة’ يساعدنا في التصالح مع ماضينا المظلم".

ويقول بوغِن إنه في صغره "كان يستهويه وقع الاسم "ط ـنـ ط و ر ة" رغم أنه لم يزرها في حياته، إذ كان الاسم يطلق حالة لديه من الخيالات الطفولية، لكن فيلم ’طنطورة’ جاء وقضى على هذه الخيالات، ليس فقط حول طنطورة المكان، بل حول دولة إسرائيل، وأكثر من ذلك حول تاريخها وضميرها الصهيوني الذي من المفترض أنه قاد هذه الدولة. وكذلك بسبب الكشف الذي يهزك وأنت تشاهده على الشاشة".

ويذهب بوغِن إلى وصف فيلم شوارتز بأنه من أكثر الأعمال الوثائقية نجاحا في البلاد، وربما على الإطلاق، لأنه يقدم فرصة أخيرة للحصول على شهادة نادرة عن مذبحة قرية الطنطورة الفلسطينية من قبل مقاتلي لواء "ألكسندروني".

والأهم بالنسبة للكاتب، أن كشف هذه الرواية جاء من قبل إسرائيليين يهود ومن وجهة نظر صهيونية، فقدم الجنود شهاداتهم واحداً تلو الآخر.. و"هم يحدقون مباشرة في الكاميرا ويستحضرون ذاكرتهم".

ومن باب المقارنة يشير بوغِن إلى الجهد الإسرائيلي لتوثيق كل التفاصيل المتعلقة بالجرائم ضد يهود أوروبا في مواجهة الجهود النازية لإخفائها والتظليل عليها في الماضي، أو في مواجهة ما تقوم به الحكومة البولندية حالياً. ويتم هذا الجهد عبر توثيق شهادات الناجين من المحرقة، والحفاظ على الوثائق والرسائل المكتوبة والتسجيلات والصور ومقاطع الفيديو والشهادات المصورة. ومع وفاة المزيد من هؤلاء الناجين مع مرور الأيام يصبح هذا الجهد سباقاً مع الزمن.

ويقارن بوغِن بين الجهد الإسرائيلي مع يهود أوروبا وما قام به شوارتز في فيلمه، الذي يصفه بأنه فيلم "شجاع ويسبب القشعريرة، والأهم من ذلك أن شوارتز يقوم بهذا الجهد مع أولئك المسؤولين منا عن ارتكاب ظلم والذين يغرسون فينا الآن ذاكرة العار". ويرى بوغِن أن "هذه مهمة وطنية للحفاظ على ذاكرة إسرائيلية صادقة وموثوقة، حتى يعلم كل من يزور الطنطورة في المستقبل للاستجمام على الشاطئ، من هم أولئك الذين دفنوا في ترابها".

"هآرتس" تسترجع أطروحة كاتس

تناول المؤرخ آدم راز، المتخصص في التاريخ والفكر السياسي في القرنين التاسع عشر والعشرين، فيلم "طنطورة" أيضا في مقال في صحيفة "هآرتس". ويقول راز إن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها نقل شهادات عن جنود إسرائيليين كانوا متواجدين أثناء المجزرة، إضافة إلى أنها المرة الأولى التي يتم الحديث فيها عن موقع القبر الجماعي.

ويشير راز إلى الجدل الذي أثارته أطروحة كاتس قبل 22 عاماً، بالقول إن صحيفة "معاريف" نشرت مقالاً عنها بعد اعتمادها في جامعة حيفا، بعنوان "مجزرة الطنطورة"، وفي نهاية الأمر دفعت دعوى التشهير ضد كاتس من قبل قدامى المحاربين في اللواء إلى التراجع عن روايته عن المذبحة.

وقال أحد عناصر لواء "ألكسندروني" في تلك الفترة ويدعى موشيه ديامنت: "لقد قُتل سكان القرية بوحشية برصاص مدفع رشاش، بعد أن انتهت المعركة". وتابع ديامنت "باقي الجنود تظاهروا بأن شيئا لم يحدث، وأن كل شيء كان عاديا عند دخولهم القرية". وأضاف: "لقد تمكنوا من التكتم على القصة، لأنها ستؤدي إلى فضيحة.. ولا أريد الحديث عن ذلك، ما الذي يمكن القيام به؟ ما حدث قد حدث".

واعتبرت "هآرتس" أن مخرج الفيلم شوارتز بعرضه روايات الجنود المشاركين في المجزرة ألغى النسخة القديمة التي كتبها كاتس وقضت عليها المحكمة في إثر دعوى التشهير، لكنها جاء بصورة واضحة، تؤكد أن "جنوداً في لواء ألكسندروني نفذوا مجزرة بحق رجال غير مسلحين".

وفي تلميح إلى دور المحكمة العليا الإسرائيلية في طمس حقائق المجزرة تقول الصحيفة إن شهادات الجنود التي جمعها ثيودور كاتس في أطروحته لم تقدم إلى المحكمة في قضية التشهير. وترى الصحيفة أنه "لو استمعت المحكمة إلى شهادات الجنود المسجلة لقامت بالتحقيق معهم، ولما اضطر كاتس إلى الاعتذار".

في موقع "واللا" اعتبر الناقد السينمائي أفنير شفيط أن فيلم "طنطورة" يقدم جانباً لا يعرفه الإسرائيليون من "حرب التحرير" (1948) حسب وصفه. ويضيف أن هذا الفيلم يثير "معركة وعي"، فهناك حقيقة واحدة هي أن قرية فلسطينية انتقلت إلى السيطرة الإسرائيلية العام 1948، لكن الخلاف هو في طريقة السيطرة على هذه القرية.

المؤسسات الثقافية الإسرائيلية شريكة في التواطؤ!

ويشير شفيط إلى دور المؤسسات الإسرائيلية الثقافية في محاربة المحتوى المثير للجدل، ويصف "المجتمع والثقافة والسينما الإسرائيلية تحديدا بأنها بطلة العالم في القمع"، عبر رفضها تقديم الدعم أو رعاية فيلم "طنطورة"، مع ذلك تمكن المخرج شوارتز من تجنيد الأموال التي مكنته من إعداد الفيلم.

ويستعرض شفيط الجدل حول الفيلم وما يراه نقاط ضعف فيه، ويطرح فكرة إن كانت أطروحة كاتس تصلح لأن تكون نقطة انطلاق الفيلم بسبب الجدل حولها والحكم القضائي ضدها. مع ذلك يقول إن المخرج "شوارتز يتلقى حاليا ترحيبا من وسائل الإعلام العالمية المتلهفة على الفيلم، لكن لدينا يمكن الافتراض أن الآراء متباينة بشكل كبير، والمؤكد أن الجدل حول "طنطورة" لا يزال في بدايته".

ويعتبر شفيط أن أقوى مقاطع الفيلم من ناحية سينمائية هي التي لا يتحدث فيها أشخاص، بل التي جاءت في نهايته، عندما استخدم شوارتز نموذجا ثلاثي الأبعاد لوصف "الكيفية التي عملت بها السلطات الإسرائيلية على إخفاء معالم القبور الجماعية في الطنطورة بعد الحرب مباشرة".

بابيه: جامعة حيفا والدفاع عن الرواية الصهيونية

المؤرخ إيلان بابيه الذي دافع عن أطروحة كاتس، استعرض قصة كاتس بالتفصيل في مقال نشره الأسبوع الماضي في موقع "سيحا ميكوميت"، وركز بابيه على موقف جامعة حيفا السلبي من الجهد المميز لكاتس في أطروحته؛ فبدلاً من أن تطلب الجامعة من كاتس تصحيح ما اعتبرتها أخطاء في دقة اقتباسات لبعض المتحدثين وردت في رسالته، قررت الجامعة الخضوع للضغوط وسحب اعترافها بالأطروحة كلها، والدفاع عن الرواية الصهيونية حول أحداث العام 1948.

ويختم بابه مقالته بالقول إنه "لا يتطلب الأمر عملاً شاقاً لمعرفة حجم الجريمة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني العام 1948، ولا تزال ترتكب منذ ذلك الحين وحتى الآن. بل هناك حاجة للاعتراف - على الأقل أكاديمياً- بالجريمة، خاصة ارتباطها بالفكر الصهيوني الاستيطاني. وفي تحمل المسؤولية وإيجاد سبيل للمصالحة بين كل من عاش هذه الجريمة قديماً ويعيش هنا اليوم، مصالحة تقوم على تفكيك النظام الاستعماري بين النهر والبحر".

ويشير الناقد السينمائي شفيط في مقالته عن فيلم "طنطورة" إلى أن "جميع الذين قدموا شهاداتهم في الفيلم تقريباً هم من الجيل المؤسس للدولة، ولن تتاح فرصة توثيق شهاداتهم في غضون سنوات قليلة لتقدمهم في السن، فالكثيرون منهم في التسعينات. وفي نهاية الفيلم، يدور نقاش مثير بين بعض المتحدثين حول مسألة إن كان يجب الاعتراف بالإرث الفلسطيني، وهل يجب وضع نصب تذكاري في الموقع الذي كانت فيه قرية الطنطورة ذات يوم، ويقوم مكانها كيبوتس نحشوليم حاليا، والغالبية رفضت هذه الفكرة، لكن الوحيد الذي وافق اقترح وضع لافتة في المكان، مثلما يتم وضع إشارات في كل حفرة في بولندا للتذكير بالماضي اليهودي".

وربما ترك فيلم "طنطورة" الأثر الأكبر على مخرجه شوارتز الذي قال لصحيفة "يديعوت أحرونوت" إن مقارنة المحرقة بأي جريمة أخرى على وجه الأرض أمر ممنوع، لكن هذا يجب أن يتغير، ويجب مقارنة المحرقة بالنكبة لمعرفة الفرق بينهما. ورغم أن شوارتز يتبنى ادعاء المؤرخين الجدد من أن خطة دافيد بن غوريون كانت طرد الفلسطينيين وليس تنفيذ إبادة بحقهم عام 1948، بعكس المحرقة، إلا أن شوارتز يدعو إسرائيل إلى الاعتراف بالنكبة، في ظل وجود شبه إجماع في إسرائيل على أنه يحق ليهود اليمن أو الشرقيين أو الأثيوبيين الادعاء أنهم ضحايا، وهذا أمر يمكن الجدل فيه، أما العرب فليسوا ضحايا في الإجماع الإسرائيلي، بل ممنوع عليهم أن يكونوا ضحايا. ويقول شوارتز إن مشاهدة الفيلم تجعلك ترى حجم الجهود والموارد التي سخرت أدبياً وثقافياً واقتصادياً من قبل المؤسسة الحاكمة من أجل إخفاء الأدلة ومحو شبح الماضي في كل ما يتعلق بالفظائع التي ارتكبت في النكبة.

إنصاف كاتس وتناسي ضحايا المجزرة!

استعراض الجدل الذي أثاره فيلم "طنطورة"، واستدعاء أطروحة كاتس من جديد، والدعوات لإنصاف المؤرخ المظلوم قضائياً وأكاديمياً تظهر نوعاً من النفاق في التعامل مع المجزرة، فالحاضر في الجدل هو شهادات مرتكبي المذبحة، ودقة الرواية ونقد الفيلم الوثائقي أحياناً بتفاصيل التفاصيل، واعتبار الفيلم رد اعتبار لجهد كاتس المميز الذي راح ضحية الترهيب والقضاء والنظام الأكاديمي في إسرائيل، أما الغائب فعلياً في معظم هذا الجدل فهم ضحايا المجزرة أنفسهم، الفلسطينيون الذين لا يزال بعضهم يحمل جروح المجزرة حتى اليوم، وأولئك الذين اجتهدت إسرائيل في إخفاء قبورهم ومعالم قريتهم، وترفض حتى اليوم الاعتراف بهم وبالمجزرة، فمنفذو المجزرة الذي أقروا بدورهم فيها، يرفض معظمهم عرض الرواية الفلسطينية وحتى احترام ذكرى ضحاياها الأبرياء.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات