هناك معطيات لا تهتم وسائل الإعلام الإسرائيلية بنشرها، وتهتمّ السلطات الحكومية بإبقائها مخفيّة في عمق التقارير السّميكة. هذا ينطبق على كل ما من شأنه زيادة تبئير العدسات التي تكشف سياسة التمييز العنصري القومي في المؤسسة الحاكمة.

المقصود هنا معطيات من تقارير ممهورة بالختم الرسمي، وليس تقارير منظمات حقوقية أو مهنيّة مستقلة أخرى. الحالة الجديدة التي تكشف الصورة الواسعة، وردت في تحليل نشره مؤخراً البنك المركزي الإسرائيلي ("بنك إسرائيل")، ويتمحور "حول الفجوات في التحصيل بين طلاب التعليم الحكومي العربي والطلاب اليهود".

وفقا لما ورد على موقع "البنك" الشبكي، فـ"عند المقارنة بين المدارس بحسب التصنيفات الاجتماعية- الاقتصادية المتشابهة [أي من نفس الشريحة أو الطبقة الاقتصادية] يظهر أنّ تحصيلات المدارس العربية أعلى من تحصيلات المدارس اليهودية".

في العادة تتهم السلطات الإسرائيلية المواطنين الفلسطينيين العرب بـ"خفض تدريج" إسرائيل في المؤشرات الدوليّة المختلفة، وكأنهم عالة وعبء تجرّه إسرائيل المتطوّرة اليهوديّة خلفها فتبطئ حركة نموّها. مثلا، زعم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أنه "لو أخرجنا العرب واليهود الحريديم من مؤشرات اللامساواة – فنحن [إسرائيل] موجودون في وضع ممتاز بدونهم". (جريدة "ذي ماركر" الاقتصادية في نيسان 2012). هذه الديماغوغية المتهافتة جاءت في معرض تبريره لتراجع دولته المتواصل على مؤشّر المساواة في مجموعة دول منظمة التعاون والتطوير الاقتصاديOECD . وهو عملياً يتهم الفقراء بفقرهم والمحرومين من فرص العمل المجدي واللائق بهذا الغبن الذي يواجهونه.

لسنا بحاجة لبذل جهد كي نكذّب هذه المزاعم التي يختلط فيها الاستعلاء الطبقي بالعنصرية القومجية ويكفي مواصلة اقتباس تحليل مؤسسة "بنك إسرائيل"، التي لطالما امتدحها نتنياهو على أدائها. مثلا، قال في خطاب بعد مؤتمر مشترك مع محافظ بنك إسرائيل وآخرين: "نحن نتابع عن كثب المستجدات الخاصة بالتغيرات الاقتصادية. فيروس كورونا له تأثير اقتصادي كبير على الاقتصاد العالمي وعلى اقتصادنا أيضاً. إننا نخوض هذه الأزمة بحالة جيدة، فحالة الاقتصاد الإسرائيلي أفضل من معظم اقتصادات العالم حيث نسبة البطالة متدنية، بينما معدلات النمو مرتفعة، ونسبة الدين مقابل الناتج جيدة. وماذا يعني كل ذلك؟ أننا قادرون على تسديد ديوننا. الجهاز المالي متين. وبعبارة بسيطة لدينا من البنوك المستقرة والقوية، مما يعدّ ميزة كبيرة عند دخول هذه الأزمة" (11 آذار 2010).

بنك إسرائيل الذي يعود إليه فضل في هذه "المتانة الاقتصادية" على حد وصف زعيم اليمين الإسرائيلي، يقول ما يلي في بيان رسمي: "هذه النتائج [تحصيلات المدارس العربية أعلى من تحصيلات المدارس اليهودية من نفس الشريحة الاقتصادية] تدعم فرضيّة أن الفجوات في التحصيل بين المدارس العربية والمدارس اليهودية تنبع بالأساس من الاختلاف في الوضع الاجتماعي- الاقتصادي ما بين المجموعتين. وتظهر النتائج أنّ الادّعاء بشأن عدم نجاعة جهاز التربية والتعليم العربي مقارنةً بجهاز التربية والتعليم العبري غير صحيح عند التصنيف وفق الوضع الاجتماعي- الاقتصادي".

البنك يقول بوضوح إن توفير فرص متساوية للطلاب العرب مقارنة بالطلاب اليهود لا تجعلهم متساوين في التحصيل، لا بل يتفوّقون عليهم. هذا مكتوب حبر على ورق أو طباعة على شاشة حاسوب.

ترجمة ذلك فيما يتعلّق بمزاعم نتنياهو، أن الرجل يسوّق أكاذيب الغاية منها التستّر على فشله الاقتصادي والاجتماعي، ورفضه الاعتراف – بوصفه من أشد اليمينيين النيوليبراليين مغالاة – بأن المساواة في الفرص تنتج مساواة في التحصيل والإنتاج، لأن هذا الاعتراف يقوّض تماما عقيدته الاقتصادية التي ترفع السوق "الحرّة" المتحرّرة المنفلتة من أيّ عقال واعتبار أخلاقي، إلى مرتبة المقدّس.

معطيات باردة تكشف عن تداخل الاستعلاء الطبقي بالعنصرية القومجية

ضمن التقارير التي يصدرها بنك اسرائيل المركزي، توقف في الفترة الأخيرة عند بعض الجوانب المتعلقة بالأزمة التي فرضها تفشّي فيروس كورونا والاستعدادات الاضطرارية الخاصة لملاءمة احتياجات الحياة لهذا الظرف الاستثنائي. وقد عاد إلى تفاصيل غير جديدة من تقارير سابقة.

فتحْت عنوان "الفجوات في التعليم" جاء ما يلي: أحد العوامل المؤشرة على مستوى المهارات الأساسية في إسرائيل، هو العلاقة الواضحة ما بين الخلفية الاجتماعية الاقتصادية للطلاب وبين تحصيلهم العلمي. فمثلا 16% فقط من الطلاب الآتين من الربع المنخفض من حيث الخلفية الاجتماعية الاقتصادية، ينجحون بالوصول إلى الربع الأعلى للتحصيل في امتحان بيزا [هو امتحان دولي يفحص مهارات الطلاب أبناء الخامس عشرة في ثلاثة مجالات: القراءة (في لغة الأم)، الرياضيات والعلوم. وتشرف على إعداده منظمة OECD].

ويؤكد "البنك" أنه: من شأن اعتماد سياسة لتحسين الرأسمال البشري لأشخاص من خلفيات ضعيفة أن يرفع من معدل المهارة الاقتصادية بشكل جدّي (...) تحصيل الطلاب من المجتمع العربي منخفض جدا بالمقارنة مع سائر المواطنين. فمثلا معدل علامات الطلاب من المجتمع العربي في امتحان بيزا أقل بكثير منه لدى الطلاب في التعليم الرسمي العبري وهو ما يؤدي لاحقا إلى فجوات في القوة الانتاجية ويؤثّر على إنتاجية الاقتصاد عموما.

قراءة هذه المؤسسة المالية المركزية الرسمية موجّهة إلى النتائج المؤثرة على إنتاجية الاقتصاد برمّته في إسرائيل. وهي تتطرّق إلى وضع الطلاّب والطالبات العرب من منظور مساهمتهم المنقوصة في هذا الاقتصاد نظراً لتدني معدل تحصيلهم العلمي. إنها لا تناضل من أجلهم بل تحارب على قوّة إنتاجهم الغائبة، بمنطق ربحيّ بارد. وعلى الرغم من أن هذا هو المنطق الذي يعتنقه نتنياهو، فإنه يكسره حين يتعلّق الأمر بضرورة مساواة العرب عموما والطلاب خصوصا مع اليهود، ليس بدوافع أخلاقية بل لغايات وفوائد اقتصادية. ليس هناك من مجهر يكشف تفاصيل ما ذكرناه عن تداخل الاستعلاء الطبقي بالعنصرية القومجية، كهذه الحالة. لكن لدى نتنياهو تفوق المثلبة الثانية الموبقة الأولى!

المجتمع العربي لم ينل شيئا من ساعات التعليم المدعومة من تمويل خارجي

تقرير البنك يؤكد أن فجوات التعليم ناجمة إلى حد بعيد عن فجوة في مساهمة وزارة التعليم، ففي حين أن نسبة التمويل الخارجي في مدارس المجتمع اليهودي كانت قريبة من الهدف الذي حددته "خطة تقليص الفجوات ودفع المساواة" الوزارية، فإن نسبة التمويل الخارجي التي خصصت للمجتمع العربي لا يتوقع أن تؤدي إلى سد الفجوات، حتى حين ينتهي تطبيق هذه الخطة.

"خطة تقليص الفجوات ودفع المساواة" هذه، هي عنوان تقرير صادر عن وزارة التعليم عام 2014 ومما جاء فيه: "وفقا لكل مؤشر تطوير، معدل الاستثمار في المجتمع اليهودي أعلى من معدل الاستثمار في المجتمع العربي". أما السبب الذي لا يتم إيراده فهو أنه بفعل المكانة الاقتصادية الاجتماعية المنخفضة للمجتمع العربي، ووفقا لذلك الوضع المادي للسلطات المحلية هناك، يمكن افتراض أن قسما هاما من تفسير النقص في تمويل وزارة التعليم يكمن هنا. فالخطة نفسها تقول إن قسما من البرامج المرافقة لتحقيق تلك الأهداف يستلزم مشاركة بالتمويل من السلطة المحلية. ولكن كما أشرنا هذه السلطات المحلية تعيسة اقتصاديا اصلا ومساهمتها ستكون اقل.

إن الطلاب اليهود من خلفية اجتماعية اقتصادية قوية يتمتّعون بساعات تعليم إضافية مموّلة من مصادر تمويل بلديّة ومن مدفوعات الأهالي؛ والطلاب اليهود من خلفية ضعيفة يتمتعون أيضا بإضافة ساعات بدعم من جمعيات مختلفة. بالمقابل، طلاب المجتمع العربي لا يتمتعون بالمرة تقريبا من إضافة ساعات دعم من مصادر خارج الميزانيات الوزارية الحكومية.

وبالمعطيات: الساعات المدعومة من مصادر غير وزارة التعليم، أي سلطات محلية وجمعيات وأهالٍ، كانت تقدر في نهاية العقد الماضي بنحو 10% من مجمل ساعات التعليم، وكلها كانت في المجتمع اليهودي فقط، في حين أن المجتمع العربي لم ينل شيئا منها بتاتا.

يقول تقرير "بنك إسرائيل": صحيح أن هذه المصادر المالية ليست قسما من سياسة الحكومة، لكنها تشير إلى حجم المساهمة المطلوب حتى يصل الطلاب اليهود إلى حيث وصلوه في هذا التحصيل.

وفيما يتجاوز مسألة المساهمات والتمويل المالي هناك تحديات كثيرة في جهاز التعليم العربي تتعلق بجودة التدريس وجودة الإدارة. والنقص في تخطيط الميزانيات للمجتمع العربي تزداد إشكالية أكثر حين نأخذ بالحسبان حاجة الطلاب العرب لتعلّم اللغة العبرية أيضاً، لغرض الاندماج في سوق العمل العام. فهناك تأثيرات سلبية (وفقا لعدد من الأبحاث) على عدم التمكن من اللغة العبرية في سياق النجاح في سوق العمل.

إن الحاجة في تعلم اللغة العبرية يبقي أصلا ساعات أقل لتعلم مواضيع مركزية في المدارس العربية. ولتجسيد تداعيات حاجة تعلّم العبرية وقلة التمويل التي يتمتع بها المجتمع العربي على حجم التعليم الفعلي، لنتمعّن في هذا: الطالب العربي من خلفية ضعيفة في الصفوف الخامسة والسادسة تعلم في الأعوام 2014- 2019 أقل بنحو ساعتين في مواضيع التعليم التي تمتحن في امتحان بيزا: لغة الأم والعلوم والرياضيات، وهذا بالمقارنة مع الطلاب اليهود في التيار الرسمي العبري من نفس الخلفية. أما الفجوة الأكبر في غير صالح الطالب العربي فتكمن في موضوع الرياضيات.

تحليل البنك المركزي الإسرائيلي، من غير تبنّيه بالضرورة، يقول إن إنتاجية وجودة العمل والاندماج في سوق العمل، متأثر بالتحصيل العلمي في مراحل الدراسة المختلفة. ويقول إن الفجوة من حيث إنتاجية العمل ما بين إسرائيل ومعدل مجموعة دول منظمة التعاون والتطوير الاقتصاديOECD ما زالت كبيرة وهي لا تتقلص في السنوات الأخيرة. يجب البحث عن العنصريّة والطبقيّة. أما الحديث عن أن "العرب والحريديم يجرّون تدريج إسرائيل إلى الوراء"، فهو بكلمة واحدة ليس سوى هُراء.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

السبت, يوليو 04, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية