جاء قرار عمير بيرتس، رئيس حزب العمل المتهاوي، للانضمام إلى حكومة بنيامين نتنياهو الخامسة، سوية مع شريك له في كتلة العمل التي تضم 3 نواب فقط، كتحرير لحبل المقصلة لهذا الحزب، الذي تلقى الضربة القاضية في انتخابات آذار، بعد سلسلة ضربات أسميناها "قاصمة" في السنوات الأخيرة. في حين أن حزب ميرتس الذي تلقى هو أيضا ضربة قاصمة في تحالفه مع حزب العمل، ينتقل الآن لمرحلة صراع البقاء السياسي، غير أن تلاشي حزب العمل بصيغته الحالية قد يعطي ميرتس متنفسا، في صراعه للبقاء السياسي في المرحلة المقبلة.

فقد تلقى تحالف حزبي العمل وميرتس، ومعهما الحزب الصوري للنائبة اليمينية أورلي ليفي- أبكسيس، ضربة قاصمة، ولكن بالنسبة لحزب العمل، كما يبدو، هذه الضربة القاضية، فهذا الحزب الذي استفرد بالحكم الإسرائيلي ثلاثة عقود بات يتمثل بـ 3 نواب، وحتى هذه الكتلة الهامشية جدا تشهد انشقاقا، إثر رفض النائبة ميراف ميخائيلي الانضمام إلى حكومة نتنياهو، أو على الأقل أعلنت أنها لن تكون ملتزمة بالتصويت تأييدا للحكومة وكل قراراتها وقوانينها.

وخلافا للتوقعات الأولى، لدى إقامة التحالف بين حزبي العمل وميرتس، بأن يحافظ الحزبان على ما حققاه معاً في كل واحدة من جولتي الانتخابات في 2019، فإن الحزبين خسرا معا 35% من قوتيهما المجتمعتين، فقد خسرا في انتخابات آذار الماضي 140 ألف صوت، وهبط التمثيل من 11 مقعدا إلى 7 مقاعد، ثلاثة منها لحزب العمل، ومثلها لميرتس. أما المقعد السابع (الثاني في تدريج القائمة) فقد كان للنائبة أورلي ليفي، التي لم تمر بضعة أيام قليلة على صدور نتائج الانتخابات النهائية، حتى حملت مقعدها، منفصلة عن التحالف، باتفاق مع حزب الليكود، وهذا بعد أن انقلبت على موقفها في الحملة الانتخابية، وأعلنت رفضها لأي تعاون بين كتلة "أزرق أبيض" والقائمة المشتركة، ورفضها لحكومة أقلية مدعومة من الخارج بالقائمة المشتركة. وتبيّن مباشرة أن عائلة أورلي ليفي، أي عائلة وزير الخارجية الأسبق من حزب الليكود دافيد ليفي، شاركت في الضغط عليها لتنفصل عن التحالف، الذي لم تقدم له أي قوّة تذكر في انتخابات آذار.

وفي تفصيل النتائج، نجد أن تحالف حزبي العمل وميرتس خسر 14 ألف صوت، في الشارع العربي، من أصل 24 ألف صوت حصل عليها الحزبان في انتخابات أيلول، وأيضا من أصل 45 ألف صوت حصل عليها الحزبان في انتخابات نيسان 2019. وهذه أصوات صبّت مباشرة لصالح القائمة المشتركة؛ يضاف لها خسارة حوالي 6 آلاف صوت في الشارع اليهودي، أيضا لصالح القائمة المشتركة. وحسب تقديرات حزبية، فإن الأصوات الـ 6 آلاف من اليهود هم من مصوتي ميرتس، الذين رفضوا تحالفا يضم عمير بيرتس وأورلي ليفي. وهذا يعني أن 120 ألف صوت خسرها التحالف لصالح تحالف "أزرق أبيض"، الذي هو أيضا خسر عشرات الآلاف من الأصوات، مع فرضية أنها اتجهت كلها تقريبا لليكود. وهذا يوضح أن "أزرق أبيض"، الذي حصل على 50 ألف صوت زيادة في الانتخابات الأخيرة، قد عوّض نفسه وزاد من الأصوات التي خسرها تحالف العمل- ميرتس.

المسمار الأخير

 من الواضح أنه لا يمكن القاء كل تهمة النتيجة الأخيرة لحزب العمل على عاتق شخص عمير بيرتس، إلا أن ممارساته منذ أن عاد إلى رئاسة حزب العمل في مطلع تموز 2019، سرعت الخطى نحو المربع الأخير لحزب العمل، الذي سيكون من الصعب رؤيته يخلص نفسه منه، ويعود إلى الحلبة السياسية في أي انتخابات مقبلة إذا ما بقي على حاله اليوم.

وأزمة حزب العمل بدأت بأزمة قيادة، رافقتها أيضا أزمة أجندة سياسية، وهذه الأزمة بدأت تضرب الحزب مع اغتيال رئيس الحكومة الأسبق إسحاق رابين، وعودة شمعون بيريس إلى رئاسة الحكومة والحزب. فمنذ اغتيال رابين في مطلع تشرين الثاني 1995، وحتى الانتخابات التي جرت في شهر أيار العام التالي 1996، بمعنى 6 أشهر، فتح بيريس جبهات تصعيد وحرب، على الساحة الفلسطينية باستئناف الاغتيالات، التي قوبلت بعمليات تفجيرية، وبحرب شرسة على جنوب لبنان، ما بدد الشعور بالأمن في الشارع الإسرائيلي، وتراجع قسم كبير من الإسرائيليين عن النظرة التفاؤلية التي رافقت مفاوضات السلام المتشعبة. وهذه الأزمة عززها إيهود باراك، منذ أن تسلم رئاسة الحزب في العام 1997، ولاحقا خلال رئاسته للحكومة لمدة 20 شهرا، ابتداء من حزيران 1999. وتوالت بعد ذلك الضربات والأزمات القيادية والسياسية.

إلا أنه في انتخابات 2015 حصل حزب العمل على ما يمكن وصفه الآن بالفرصة الأخيرة، ليموضع نفسه مجددا في مقدمة الخارطة السياسية، منافسا على سدة الحكم، حينما أقام "المعسكر الصهيوني"، بتحالف مع حزب "الحركة" برئاسة تسيبي ليفني، وحصول التحالف في ذلك العام على 24 مقعدا، منها 19 مقعدا لحزب العمل. إلا أن العمل برئاسة إسحاق هيرتسوغ لم يستثمر هذا الإنجاز السياسي، بل اختار مسار الانحياز نحو أجندات اليمين الاستيطاني، فأقر في مطلع العام 2016 برنامجا سياسيا، تراجع فيه عن حل الدولتين، واختار مسار الانفصال من جانب واحد عن الضفة، بخلق كانتونات فلسطينية غير متواصلة ومعزولة، وبعد مرور سنوات طوال، قد تنشأ فرصة للتداول في إقامة دولة فلسطينية، بموجب منطق برنامج العمل، الذي لم يتراجع عنه رسميا لاحقا.

وحينما نقول أزمة قيادة، تكفي الإشارة إلى أنه بعد اغتيال رابين استبدل الحزب رئيسه 12 مرة، بمعنى في غضون 24 عاما، حتى صيف العام الماضي، من بينها ولايتان قصيرتان لشمعون بيريس، ورئاستان لعمير بيرتس. وفي صيف 2017 استورد الحزب رئيسا له من خارج صفوفه، آفي غباي، الذي قاد الحزب إلى هزيمة نكراء في انتخابات نيسان 2019، إذ حصل الحزب على 6 مقاعد، بدلا من 19 في انتخابات 2015. وبعد تلك الهزيمة، بات الحزب مثل "الوليمة الشهية" لعمير بيرتس، الذي انقض على رئاسة الحزب مباشرة، في منافسة ضعيفة أمامه. إلا أن بيرتس انقلب في اليوم التالي لانتخابه، على ما وعد به بالتحالف مع ميرتس، بل تصدى للمبادرة بشراسة، واختار التحالف مع النائبة أورلي ليفي- أبكسيس، التي كانت قد حصلت في انتخابات نيسان 2019، على ما يعادل مقعدين برلمانيين، ولكنها لم تعبر نسبة الحسم. وكانت حسابات بيرتس في تلك الانتخابات طائفية يهودية، فاعتقد أن تحالفا كهذا يرأسه هو الشرقي، ومعه شريكته الشرقية أورلي، سينقض على "تركة" حزب "كلنا" المنحل، الذي كان برئاسة موشيه كحلون، ولكن حسابات بيرتس كانت فاشلة كليا، لأن حصة كبيرة من "تركة" كحلون، عادت إلى مربعها الأصلي، بمعنى دعم حزب شاس الديني المتزمت. وحصل العمل مع شريكته ليفي على 6 مقاعد، منها 5 لحزب العمل.

رغم هذه الهزيمة الثانية، احتاج بيرتس لضغوط كبيرة كي يقبل بالتحالف مع ميرتس، ولكن شرطه كان الحفاظ على أورلي ليفي، وأن تتقدم في القائمة المشتركة على الممثل الأول لميرتس، الذي قبل بالعرض مرغما، كي ينجح في البقاء في الحلبة البرلمانية. وهذه التركيبة غير المنطقية انعكست سلبا على قوة التحالف ليتكبد خسارة فادحة بهذا الحجم.

ولم يكتف عمير بيرتس بهذه الهزيمة، بل رأى لربما أن هذه دورته الأخيرة شخصيا في الحلبة البرلمانية، فاختار الانضمام إلى حكومة بنيامين نتنياهو، تحت إبط حزب بيني غانتس، "أزرق أبيض"، مقابل حقيبتين وزاريتين لكل من بيرتس، وشريكه في القائمة إيتسيك شمولي، فيما أعلنت النائبة الثالثة ميراف ميخائيلي التمرد وأعلنت بعد التشاور مع أعضاء كنيست ووزراء سابقين من حزبها أنها لن تكون ملتزمة بقرارات الحكومة وقوانينها، وإنما فقط بما يتناسب مع برنامج حزبها السياسي الاقتصادي.

خطوة بيرتس هذه، في حال تمت أم لم تتم في اللحظة الأخيرة، أو حتى لو دخل بيرتس الحكومة وغادرها بعد وقت قصير، فإن الضربة القاضية كليا لحزب العمل باتت حقيقة واقعة، وبات بالإمكان القول الآن إن حلته الحالية أسدل الستار عليها، أو أن بيرتس قد حرر حبل المقصلة عليها. فإن بقيت كوادر وأجهزة حزبية لهذا الحزب، فسيكون عليها البحث عن إطار سياسي جديد.

ميرتس وصراع البقاء

 حصول ميرتس على 3 مقاعد نتيجة تلائم ما حصل عليه منذ انتخابات 2009، وحتى انتخابات آذار الماضي، إذ تراوحت نتائجه في 6 جولات انتخابية، بما بين 3 إلى 6 مقاعد. ولكن ميرتس أيضا يعاني من أزمة قيادة، بعد غياب الفريق المؤسس للحركة، الذي أول ما تمثل به في الكنيست كان 12 مقعدا، في انتخابات 1999، وآخر تمثيل كبير له كان 11 مقعدا في انتخابات 1999، ولاحقا بدأ يتلقى ضربات متتالية، وأحيانا يتقدم، وأخرى يتراجع.

والمشكلة الأساسية التي واجهت ميرتس، أنه لم يواجه كفاية حالة التطرف المتزايد في الشارع الإسرائيلي، وفرض على نفسه طابع الحركة الحقوقية، التي تدعو للمساواة الاجتماعية، مع تركيز خاص على المثليين، وغيرها من القضايا ذات الطابع العلماني، التي تواجه نفورا في مجتمع يغرق أكثر وأكثر بالتطرف السياسي وبالتوجهات المحافظة، بمعنى أن ميرتس غيّب نسبيا تميزه السياسي بما يتعلق بالقضية الفلسطينية في الشارع الإسرائيلي، في محاولة خاسرة لجذب قطاعات مصوتين، لا يتفقون مع الحزب في القضية السياسية.

في كل الأحوال، فإن وضعية ميرتس ما تزال أفضل بكثير مما هو عليه حزب العمل، لا بل إن انهيار حزب العمل يجعل ميرتس عنوانا لقطاعات ذات توجهات "يسارية صهيونية" في أطراف جمهور مصوتي العمل. ومخرج ميرتس لن يكون في البحث عن تحالفات جديدة، لأن تجربتيه في تحالفات انتخابات أيلول 2019 وآذار 2020 أدتا إلى خسارته قطاعا جديا من مصوتيه.

بعد انتهاء أزمة تفشي وباء فيروس كورونا، وتشكيل الحكومة، والعودة إلى عمل برلماني عادي، بعد غياب أكثر من عام ونصف العام، فإن الحياة الحزبية لكل الأحزاب ستعود إلى مساراتها، وحينها ستتكشف أكثر اتجاهات الريح في ميرتس.

 جاء قرار عمير بيرتس، رئيس حزب العمل المتهاوي، للانضمام إلى حكومة بنيامين نتنياهو الخامسة، سوية مع شريك له في كتلة العمل التي تضم 3 نواب فقط، كتحرير لحبل المقصلة لهذا الحزب، الذي تلقى الضربة القاضية في انتخابات آذار، بعد سلسلة ضربات أسميناها "قاصمة" في السنوات الأخيرة. في حين أن حزب ميرتس الذي تلقى هو أيضا ضربة قاصمة في تحالفه مع حزب العمل، ينتقل الآن لمرحلة صراع البقاء السياسي، غير أن تلاشي حزب العمل بصيغته الحالية قد يعطي ميرتس متنفسا، في صراعه للبقاء السياسي في المرحلة المقبلة.

فقد تلقى تحالف حزبي العمل وميرتس، ومعهما الحزب الصوري للنائبة اليمينية أورلي ليفي- أبكسيس، ضربة قاصمة، ولكن بالنسبة لحزب العمل، كما يبدو، هذه الضربة القاضية، فهذا الحزب الذي استفرد بالحكم الإسرائيلي ثلاثة عقود بات يتمثل بـ 3 نواب، وحتى هذه الكتلة الهامشية جدا تشهد انشقاقا، إثر رفض النائبة ميراف ميخائيلي الانضمام إلى حكومة نتنياهو، أو على الأقل أعلنت أنها لن تكون ملتزمة بالتصويت تأييدا للحكومة وكل قراراتها وقوانينها.

وخلافا للتوقعات الأولى، لدى إقامة التحالف بين حزبي العمل وميرتس، بأن يحافظ الحزبان على ما حققاه معاً في كل واحدة من جولتي الانتخابات في 2019، فإن الحزبين خسرا معا 35% من قوتيهما المجتمعتين، فقد خسرا في انتخابات آذار الماضي 140 ألف صوت، وهبط التمثيل من 11 مقعدا إلى 7 مقاعد، ثلاثة منها لحزب العمل، ومثلها لميرتس. أما المقعد السابع (الثاني في تدريج القائمة) فقد كان للنائبة أورلي ليفي، التي لم تمر بضعة أيام قليلة على صدور نتائج الانتخابات النهائية، حتى حملت مقعدها، منفصلة عن التحالف، باتفاق مع حزب الليكود، وهذا بعد أن انقلبت على موقفها في الحملة الانتخابية، وأعلنت رفضها لأي تعاون بين كتلة "أزرق أبيض" والقائمة المشتركة، ورفضها لحكومة أقلية مدعومة من الخارج بالقائمة المشتركة. وتبيّن مباشرة أن عائلة أورلي ليفي، أي عائلة وزير الخارجية الأسبق من حزب الليكود دافيد ليفي، شاركت في الضغط عليها لتنفصل عن التحالف، الذي لم تقدم له أي قوّة تذكر في انتخابات آذار.

وفي تفصيل النتائج، نجد أن تحالف حزبي العمل وميرتس خسر 14 ألف صوت، في الشارع العربي، من أصل 24 ألف صوت حصل عليها الحزبان في انتخابات أيلول، وأيضا من أصل 45 ألف صوت حصل عليها الحزبان في انتخابات نيسان 2019. وهذه أصوات صبّت مباشرة لصالح القائمة المشتركة؛ يضاف لها خسارة حوالي 6 آلاف صوت في الشارع اليهودي، أيضا لصالح القائمة المشتركة. وحسب تقديرات حزبية، فإن الأصوات الـ 6 آلاف من اليهود هم من مصوتي ميرتس، الذين رفضوا تحالفا يضم عمير بيرتس وأورلي ليفي. وهذا يعني أن 120 ألف صوت خسرها التحالف لصالح تحالف "أزرق أبيض"، الذي هو أيضا خسر عشرات الآلاف من الأصوات، مع فرضية أنها اتجهت كلها تقريبا لليكود. وهذا يوضح أن "أزرق أبيض"، الذي حصل على 50 ألف صوت زيادة في الانتخابات الأخيرة، قد عوّض نفسه وزاد من الأصوات التي خسرها تحالف العمل- ميرتس.

المسمار الأخير

 من الواضح أنه لا يمكن القاء كل تهمة النتيجة الأخيرة لحزب العمل على عاتق شخص عمير بيرتس، إلا أن ممارساته منذ أن عاد إلى رئاسة حزب العمل في مطلع تموز 2019، سرعت الخطى نحو المربع الأخير لحزب العمل، الذي سيكون من الصعب رؤيته يخلص نفسه منه، ويعود إلى الحلبة السياسية في أي انتخابات مقبلة إذا ما بقي على حاله اليوم.

وأزمة حزب العمل بدأت بأزمة قيادة، رافقتها أيضا أزمة أجندة سياسية، وهذه الأزمة بدأت تضرب الحزب مع اغتيال رئيس الحكومة الأسبق إسحاق رابين، وعودة شمعون بيريس إلى رئاسة الحكومة والحزب. فمنذ اغتيال رابين في مطلع تشرين الثاني 1995، وحتى الانتخابات التي جرت في شهر أيار العام التالي 1996، بمعنى 6 أشهر، فتح بيريس جبهات تصعيد وحرب، على الساحة الفلسطينية باستئناف الاغتيالات، التي قوبلت بعمليات تفجيرية، وبحرب شرسة على جنوب لبنان، ما بدد الشعور بالأمن في الشارع الإسرائيلي، وتراجع قسم كبير من الإسرائيليين عن النظرة التفاؤلية التي رافقت مفاوضات السلام المتشعبة. وهذه الأزمة عززها إيهود باراك، منذ أن تسلم رئاسة الحزب في العام 1997، ولاحقا خلال رئاسته للحكومة لمدة 20 شهرا، ابتداء من حزيران 1999. وتوالت بعد ذلك الضربات والأزمات القيادية والسياسية.

إلا أنه في انتخابات 2015 حصل حزب العمل على ما يمكن وصفه الآن بالفرصة الأخيرة، ليموضع نفسه مجددا في مقدمة الخارطة السياسية، منافسا على سدة الحكم، حينما أقام "المعسكر الصهيوني"، بتحالف مع حزب "الحركة" برئاسة تسيبي ليفني، وحصول التحالف في ذلك العام على 24 مقعدا، منها 19 مقعدا لحزب العمل. إلا أن العمل برئاسة إسحاق هيرتسوغ لم يستثمر هذا الإنجاز السياسي، بل اختار مسار الانحياز نحو أجندات اليمين الاستيطاني، فأقر في مطلع العام 2016 برنامجا سياسيا، تراجع فيه عن حل الدولتين، واختار مسار الانفصال من جانب واحد عن الضفة، بخلق كانتونات فلسطينية غير متواصلة ومعزولة، وبعد مرور سنوات طوال، قد تنشأ فرصة للتداول في إقامة دولة فلسطينية، بموجب منطق برنامج العمل، الذي لم يتراجع عنه رسميا لاحقا.

وحينما نقول أزمة قيادة، تكفي الإشارة إلى أنه بعد اغتيال رابين استبدل الحزب رئيسه 12 مرة، بمعنى في غضون 24 عاما، حتى صيف العام الماضي، من بينها ولايتان قصيرتان لشمعون بيريس، ورئاستان لعمير بيرتس. وفي صيف 2017 استورد الحزب رئيسا له من خارج صفوفه، آفي غباي، الذي قاد الحزب إلى هزيمة نكراء في انتخابات نيسان 2019، إذ حصل الحزب على 6 مقاعد، بدلا من 19 في انتخابات 2015. وبعد تلك الهزيمة، بات الحزب مثل "الوليمة الشهية" لعمير بيرتس، الذي انقض على رئاسة الحزب مباشرة، في منافسة ضعيفة أمامه. إلا أن بيرتس انقلب في اليوم التالي لانتخابه، على ما وعد به بالتحالف مع ميرتس، بل تصدى للمبادرة بشراسة، واختار التحالف مع النائبة أورلي ليفي- أبكسيس، التي كانت قد حصلت في انتخابات نيسان 2019، على ما يعادل مقعدين برلمانيين، ولكنها لم تعبر نسبة الحسم. وكانت حسابات بيرتس في تلك الانتخابات طائفية يهودية، فاعتقد أن تحالفا كهذا يرأسه هو الشرقي، ومعه شريكته الشرقية أورلي، سينقض على "تركة" حزب "كلنا" المنحل، الذي كان برئاسة موشيه كحلون، ولكن حسابات بيرتس كانت فاشلة كليا، لأن حصة كبيرة من "تركة" كحلون، عادت إلى مربعها الأصلي، بمعنى دعم حزب شاس الديني المتزمت. وحصل العمل مع شريكته ليفي على 6 مقاعد، منها 5 لحزب العمل.

رغم هذه الهزيمة الثانية، احتاج بيرتس لضغوط كبيرة كي يقبل بالتحالف مع ميرتس، ولكن شرطه كان الحفاظ على أورلي ليفي، وأن تتقدم في القائمة المشتركة على الممثل الأول لميرتس، الذي قبل بالعرض مرغما، كي ينجح في البقاء في الحلبة البرلمانية. وهذه التركيبة غير المنطقية انعكست سلبا على قوة التحالف ليتكبد خسارة فادحة بهذا الحجم.

ولم يكتف عمير بيرتس بهذه الهزيمة، بل رأى لربما أن هذه دورته الأخيرة شخصيا في الحلبة البرلمانية، فاختار الانضمام إلى حكومة بنيامين نتنياهو، تحت إبط حزب بيني غانتس، "أزرق أبيض"، مقابل حقيبتين وزاريتين لكل من بيرتس، وشريكه في القائمة إيتسيك شمولي، فيما أعلنت النائبة الثالثة ميراف ميخائيلي التمرد وأعلنت بعد التشاور مع أعضاء كنيست ووزراء سابقين من حزبها أنها لن تكون ملتزمة بقرارات الحكومة وقوانينها، وإنما فقط بما يتناسب مع برنامج حزبها السياسي الاقتصادي.

خطوة بيرتس هذه، في حال تمت أم لم تتم في اللحظة الأخيرة، أو حتى لو دخل بيرتس الحكومة وغادرها بعد وقت قصير، فإن الضربة القاضية كليا لحزب العمل باتت حقيقة واقعة، وبات بالإمكان القول الآن إن حلته الحالية أسدل الستار عليها، أو أن بيرتس قد حرر حبل المقصلة عليها. فإن بقيت كوادر وأجهزة حزبية لهذا الحزب، فسيكون عليها البحث عن إطار سياسي جديد.

ميرتس وصراع البقاء

 حصول ميرتس على 3 مقاعد نتيجة تلائم ما حصل عليه منذ انتخابات 2009، وحتى انتخابات آذار الماضي، إذ تراوحت نتائجه في 6 جولات انتخابية، بما بين 3 إلى 6 مقاعد. ولكن ميرتس أيضا يعاني من أزمة قيادة، بعد غياب الفريق المؤسس للحركة، الذي أول ما تمثل به في الكنيست كان 12 مقعدا، في انتخابات 1999، وآخر تمثيل كبير له كان 11 مقعدا في انتخابات 1999، ولاحقا بدأ يتلقى ضربات متتالية، وأحيانا يتقدم، وأخرى يتراجع.

والمشكلة الأساسية التي واجهت ميرتس، أنه لم يواجه كفاية حالة التطرف المتزايد في الشارع الإسرائيلي، وفرض على نفسه طابع الحركة الحقوقية، التي تدعو للمساواة الاجتماعية، مع تركيز خاص على المثليين، وغيرها من القضايا ذات الطابع العلماني، التي تواجه نفورا في مجتمع يغرق أكثر وأكثر بالتطرف السياسي وبالتوجهات المحافظة، بمعنى أن ميرتس غيّب نسبيا تميزه السياسي بما يتعلق بالقضية الفلسطينية في الشارع الإسرائيلي، في محاولة خاسرة لجذب قطاعات مصوتين، لا يتفقون مع الحزب في القضية السياسية.

في كل الأحوال، فإن وضعية ميرتس ما تزال أفضل بكثير مما هو عليه حزب العمل، لا بل إن انهيار حزب العمل يجعل ميرتس عنوانا لقطاعات ذات توجهات "يسارية صهيونية" في أطراف جمهور مصوتي العمل. ومخرج ميرتس لن يكون في البحث عن تحالفات جديدة، لأن تجربتيه في تحالفات انتخابات أيلول 2019 وآذار 2020 أدتا إلى خسارته قطاعا جديا من مصوتيه.

بعد انتهاء أزمة تفشي وباء فيروس كورونا، وتشكيل الحكومة، والعودة إلى عمل برلماني عادي، بعد غياب أكثر من عام ونصف العام، فإن الحياة الحزبية لكل الأحزاب ستعود إلى مساراتها، وحينها ستتكشف أكثر اتجاهات الريح في ميرتس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية