أقام محافظ بنك إسرائيل المركزي، أمير يارون، في الأيام القليلة الأخيرة، طاقما لوضع خطة لإعادة النشاط الاقتصادي تدريجيا، بعد عيد الفصح العبري، أي في النصف الثاني من نيسان الجاري. وتقول تقديرات وزارة المالية، حاليا، إن الاقتصاد الإسرائيلي سيشهد انكماشا كبيرا هذا العام، وسيرتفع الدين العام بنسبة كبيرة. وأمام هذا، صدرت أصوات في أروقة المالية وأيضا على لسان محللين في الصحافة الاقتصادية، تعترض على ما وصفوه "الصرف الزائد"، لمنع موت 7 آلاف إلى 10 آلاف شخص في إسرائيل.

وبحسب تقديرات بنك إسرائيل المركزي، فإنه في حال استمرت فترة توقف النشاط الاقتصادي، حتى نهاية شهر نيسان، فستكون كلفة ذلك حوالي 50 مليار شيكل (سعر صرف الدولار حاليا بمعدل 6ر3 شيكل للدولار)، أي حوالي 5ر3% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي حال استمر توقف النشاط الاقتصادي شهرا آخر، فإن الكلفة ستتضاعف، لتصل إلى 90 مليار شيكل، وهذا يعادل حوالي 4ر6% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتقول ذات التقديرات إنه إذا تم تشديد القيود الحكومية، فإن الأضرار الاقتصادية بحلول نهاية نيسان ستكون 69 مليار شيكل، حوالي 9ر4% من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا استمرت القيود الصارمة حتى نهاية أيار المقبل، فإن الكلفة الاقتصادية ستكون قرابة 127 مليار شيكل، أي حوالي 9% من الناتج المحلي الإجمالي.

ووضعت وزارة المالية تقديرات تدريجية، لحجم خسائر الاقتصاد، في ظروف توقف النشاط الاقتصاد الإسرائيلي، بما في ذلك تقدير تعمق العجز والديون نتيجة للأزمة، ودفع مخصصات البطالة لمئات الآلاف، الذين بغالبيتهم الساحقة فُرضت عليهم إجازات ليست مدفوعة الأجر. والتقديرات هي بحسب وقف النشاط الاقتصادي لـ 5 و8 و12 أسبوعا، وحسب طبيعة الإغلاق: جزئي أو كامل.

في السيناريو الأول، الذي يصف الوضع الحالي، والذي تستمر فيه الخدمات الأساسية في الاقتصاد، ويتواصل العمل بنسبة 30% تقريبا، على أن تستمر الحال 5 أسابيع منذ بدئها، في هذه الحالة سيخسر الناتج المحلي 2% بالمجمل. ولكن العجز في الميزانية سيقفز إلى 5ر6%، وسيرتفع حجم الدين العام إلى ما نسبته 68% من حجم الناتج العام. وفي حالة الإغلاق الكامل لعدة أسابيع، سيتراجع النمو في العام الجاري 2020 بنسبة 3ر6%، وسيقفز العجز إلى 3ر9% من الناتج المحلي الإجمالي وسيقفز الدين إلى 74% تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي. ومن حيث الحجم المالي، فإن الخسائر تتراوح ما بين 70 مليار إلى 130 مليار شيكل.

في ظل هذه التقديرات، فإن الطواقم المهنية في وزارة المالية بدأت تفحص مصادر تمويل العجز في الموازنة العامة، إضافة إلى تمويل ميزانيات الشركات والمصالح الاقتصادية. وحسب ما نشر في الصحافة الاقتصادية، فإنه لا مفر من ضمان ما وصفوه "مصادر مالية داخلية"، وهذا يعني تقليصات في الصرف العام، بضمنها مثلا تقليص رواتب القطاع العام، ورفع الضرائب على الأجيرين، وتقليص مخصصات اجتماعية، بعد انتهاء الأزمة الصحية.

وفي المقابل، فإن محافظ بنك إسرائيل يارون دعا في وقت سابق حكومته لرصد ميزانية 15 مليار شيكل، لتوزيعها كمخصصات على الجمهور، وبضمنها مخصصات بطالة. وقد أقام في الأيام الأخيرة طاقما مهنيا من خبراء ومسؤولي البنك، لوضع خطة لكيفية استعادة النشاط الاقتصادي تدريجيا، فور انتهاء عيد الفصح العبري في 15 نيسان الجاري. وطلب يارون من الطاقم دراسة تجارب دول متطورة، بدأت في استعادة النشاط الاقتصادي، مثل هونغ كونغ وتايوان وكوريا الجنوبية. ففي هذه البلدان، بعد بضعة أسابيع من الإغلاق الكامل، بدأ فتح الاقتصاد تدريجيا، وهذا هو الاتجاه الذي ينوي يارون التأكيد عليه من الآن فصاعدا.

وحسب يارون، فإنه يجب فتح المطاعم والمحلات التجارية وحتى مراكز التسوق تدريجيا، كما هي الحال في الدول الآسيوية، لساعات محدودة، مع الحفاظ على المسافة، وارتداء الأقنعة وزيادة تطبيق تعليمات الوقاية الصحية. فبهذه الطريقة تبدأ محركات الاقتصاد، وبالذات محركات النمو الاقتصادي، بالعمل تدريجيا، من خلال توسيع رقعة الاستهلاك، الذي هو حاليا استهلاك أساسي، وبذلك تعود دورة الإنتاج تدريجيا، ما يعني إعادة تدريجية للعاملين إلى أماكن عملهم.

وفرضية يارون هي أنه لن يكون هناك لقاح لفيروس كورونا حتى نهاية العام الجاري، على الأقل، ولذلك من الضروري إيجاد حلول للعودة إلى النشاط الاقتصادي. ولذا طلب يارون وضع خطط لاستئناف النشاط الاقتصادي، بسيناريوهات متعددة، في الفترة القريبة، وحتى مطلع العام المقبل، بحسب وتيرة تدحرج الأزمة الصحية.

ويرى المحافظ أن عام 2020 هو عام الصرف الحكومي الزائد وزيادة العجز، وعام الركود وحتى الانكماش الاقتصادي. بينما العام المقبل، 2021، هو عام استعادة النمو، وفي صلب هذه الفرضية أن تعود الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى نشاطها الاقتصادي، فهاتان المنطقتان تستوردان حصة الأسد الأكبر من الصادرات الإسرائيلية.

وجاءت خطوة يارون بإقامة الطاقم المهني أيضا بطلب من كبار أصحاب الشركات وأماكن العمل الكبرى، الذين حذروا من أن استمرار الوقف شبه الكلي للنشاط الاقتصادي، سيعني خسائر فادحة أكبر، وتزايد حالات إفلاس لشركات ضخمة، ما يعني استفحال البطالة، بعد انتهاء الأزمة الصحية.

وقال يارون، في مؤتمر صحافي في الأيام الأخيرة "إن الوقت الذي تنتهي فيه الأزمة، يعتمد أولا وقبل كل شيء على قدرة العالم على التغلب على الفيروس، ومع ذلك فإن السياسة الصحيحة هي التي ستملي وتيرة الأزمة وتحدد حجم ضعفها". وبحسب يارون، "هدفنا النهائي هو دعم الاقتصاد والمجتمع لمساعدة المجتمع في اليوم التالي. فبدون الصحة لن يكون هناك اقتصاد، ولكن بدون الاقتصاد لن تكون هناك صحة".

"فليمت ناس أكثر.. ما الضرر؟"

بموازاة هذا، اندلع جدل في الصحافة الاقتصادية حول ما أسموه "جدوى الصرف الزائد، لمنع زيادة عدد الموتى في إسرائيل"، وهذا سؤال نسبته صُحف لمن أسمتهم "مصادر في وزارة المالية"، ولكن أيضا جاء على لسان محللين، وظهر الأمر بعناوين كبيرة في الصحف الاقتصادية، مثل صحيفتي "ذي ماركر" و"كلكاليست".

ففي تقديرات وزارة الصحة، بحسب نائب مدير عام الوزارة إيتمار غروطو، فإن عدد القتلى في إسرائيل، مع انتهاء الأزمة، قد يتراوح ما بين 10 آلاف إلى 20 ألف شخص. ومعظم الموتى هم من كبار السن الذين يعانون من أمراض صعبة مزمنة. ونشير هنا إلى أنه يتم نثر الكثير من السيناريوهات السوداوية، مصدرها الأساسي في أروقة الحكم، بينما بعد مرور ثلاثة أسابيع على بدء الإجراءات الصارمة، فإن عدد المصابين التراكمي بلغ عند مطلع الأسبوع (مساء الأحد، 5 نيسان) أقل من 9 آلاف مصاب، بمن فيهم المئات الذين تماثلوا للشفاء. كما تدل الاحصائيات التي تصدر مساء كل يوم على تراجع في نسبة ارتفاع عدد المصابين يوميا. وتتراوح نسبة الوفيات، حتى إعداد هذا التقرير، بما بين 5 إلى 6 بالألف من إجمالي المصابين، وهذا أقل بعشرة أضعاف من نسبة الموت العالمية، كما أن نسبة من تم وصفهم بالحالة الصعبة هي في حدود 5ر1% من إجمالي المصابين، وليست حالة كل هؤلاء تعني موتهم جراء المرض.

ورغم هذه الإحصائيات، التي من الممكن أن تكون مؤشرا إيجابيا للحالة الإسرائيلية، إلا أن مصادر في وزارة المالية، وأخرى من بين المحللين، تعترض على ما تصفه بالصرف الزائد، لمنع وفاة ما بين 7 آلاف إلى 10 آلاف شخص آخر. ونقلت صحيفة "كلكاليست" عن مصدر في وزارة المالية قوله إن معدل الوفيات السنوي في إسرائيل في حدود 40 ألف شخص، وعلى ضوء التقديرات السوداوية، سيرتفع عدد الموتى هذا العام إلى ما بين 50 ألفا وحتى 60 ألف شخص، ما يعني زيادة المعدل السنوي بما بين 25% إلى 33%.

وقال نائب مدير عام وزارة الصحة، ردا على سؤال، إنه طالما هذه هي التقديرات فلماذا تم وقف النشاط الاقتصادي فأجاب "أن إضافة هذا العدد من القتلى هو حدث مؤلم أكبر من الحروب الإسرائيلية".

ولكن ليس هكذا يفكر مسؤولون في وزارة المالية، إذ نقلت صحيفة "كلكاليست" عن أحدهم قوله إنه "في تاريخ البشرية لم يتم حتى الآن اتخاذ قرارات صعبة، لمنع احتمال زيادة صغيرة نسبيا في الوفيات، فهذا يمكن أن يؤدي إلى تدمير الاقتصاد تماما".

وتابع المصدر ذاته داعيا حكومته لاتخاذ تدابير سريعة لإنقاذ الاقتصاد، وأن يتم اتخاذ "قرارات شجاعة"، حسب تعبيره، وقال إن رئيس الحكومة يرسل جيشا إلى معركة، مع معرفة مسبقة أن الكثير من الجنود سيموتون. وحسب "كلكاليست"، فإن ما يقوله "المصدر" في وزارة المالية يقوله أيضا مسؤولون آخرون في الوزارة، ولكن كلهم يرفضون كشف هويتهم، وكما يبدو بسبب قسوة ما يقولون.

وتعترض المحللة الاقتصادية في صحيفة "ذي ماركر" ميراف أرلوزوروف على تقديرات وزارة الصحة السوداوية، وتستند إلى مصادر لها في وزارة الصحة تقول إن التقديرات بموت ما بين 7 آلاف شخص كحد أدنى، و20 ألف شخص كحد أقصى، هي تقديرات مفرطة جدا، وليس هناك يقين من أنها ستتحقق.

ولكن أرلوزوروف تقول "حتى لو افترضنا أن متوسط معدل الوفيات سيتجاوز 10 آلاف شخص، فالحديث يجري عن أشخاص ومسنين مرضى جدا. كما أن كلفة علاجهم ستلقي بثقلها على الاقتصاد". وتضيف: "صحيح أن كل شخص هو عالم بأكمله، وكبار السن هم عالم كامل لعائلاتهم، وتقوم الديمقراطيات الليبرالية على قدسية الحياة البشرية لكل شخص، مهما كان عمره، وهذا أمر جيد، فمع ذلك، من المستحيل الهروب من الجدل حول كلفة الحياة، خاصة عندما يكون السعر البديل المعني باهظا للغاية، مما يؤدي إلى تعطيل الاقتصاد بأكمله، ويؤدي إلى خلق خطر فعلي لانهيار دولة إسرائيل، خاصة حينما يجري الحديث عن كلفة تتراوح بما بين 100 مليار إلى 140 مليار شيكل، وفقا للتنبؤات المحافظة"، بحسب تعبيرها.

وقالت أرلوزوروف: "هذه معضلة قاسية لكنها ضرورية. في الممارسة العملية، نناقش معضلة مماثلة كل يوم. 140 مليار شيكل هي خسارة الإنتاج، وتعني مئات أو آلاف الأشخاص الذين سيفقدون مصدر رزقهم، ويغرقون في الاكتئاب وينتحرون. وعشرات الآلاف ستضرر حياتهم بشدة بسبب الانهيار الاقتصادي. وهذا يعني زيادة كبيرة في العنف المنزلي بسبب الإغلاق المستمر ونقص الموارد. كما أنه ستكون هناك زيادة في عدد الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق، لأن الميزانيات المقررة لتحسين الطرق الخطرة لن يتم تنفيذها بعد الآن، وارتفاع في عدد الوفيات بسبب تلوث الهواء، لأنه ستتقلص الاستثمارات لتطوير النقل العام، وسترتفع نسبة الجريمة والموت بسبب العنف، بسبب تدهور الوضع الاقتصادي، وسيكون نقص في ميزانيات برامج الرعاية، وزيادة في إهمال الشباب المعرضين للخطر".

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية