كشف تقرير إسرائيلي جديد عن أن الجيش الإسرائيلي استغنى في السنوات الأخيرة عن القسم الأعظم من جيش الاحتياط.

وتفيد المعطيات المتوفرة أنه منذ العام 2004 وحتى العام 2017، انخفضت أيام الاحتياط بنسبة 83%. وهذه إحصائيات تظهر بشكل استثنائي، إذ أن حجم جيش الاحتياط، وإحصائيات القوى البشرية في الجيش، تبقى ضمن الأسرار العسكرية.

كما يشير التقرير، الذي نشرته صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، إلى أن التغيرات ليست فقط في الجانب الكمي، بل أيضا في الجانب الديمغرافي الجيش. والسؤال الأبرز الذي يطرحه التقرير هو: لماذا لم ينعكس الانخفاض الحاد في الصرف على جيش الاحتياط على ميزانية الجيش، الذي يطالب قادته برفعها سنويا، وهي حاليا في حدود 20 مليار دولار؟.

وتقتبس صحيفة "ذي ماركر" جندي احتياط (40 عاما) قائلا "إنه في السنوات الأخيرة توقفنا عن الانشغال في عمليات ميدانية، كما أن أيام التدريب قلّت. وحينما تلتقي بالزملاء مرّة كل عامين إلى ثلاثة، فإن العلاقة تضعف. إن سياسة إلغاء نشاطات الاحتياطات أضرت بالتلاحم العسكري بين الجنود. لقد طلبت نقلي إلى مهمة عسكرية، لا احتمال فيها لدعوتي للاحتياط في أي مرّة".

وتقول الصحيفة إن حالة هذا الجندي تعكس ما يجري في خدمة الاحتياط في السنوات الأخيرة، خاصة بعد أن قدم مسؤول شكاوى الجنود في الأسابيع الأخيرة تقريرا خطيرا حول جاهزية الجنود للقتال، وحذر من تقليص القوى البشرية في الجيش النظامي في الجيش. ويتحدث التقرير عن الجيش كوحدة واحدة، بمعنى عن الجيشين النظامي والاحتياط كوحدة واحدة. إلا أن في الجيش ثلاثة أشكال تشغيل، ولكل منها خاصية: الجيش النظامي، وجيش الاحتياط، ومواطنون يعملون في الجيش في وظائف ليست عسكرية.

وبحسب التقرير، فإنه منذ العام 2004 وحتى العام الماضي 2017، تغير وجه الجيش من ناحية القوى البشرية. فقد هبط عدد أيام الاحتياط في الجيش ككل بنسبة 83%. وفي فترة رئيس هيئة الأركان الحالي غادي أيزنكوت، أي منذ العام 2015 وحتى الآن، فإن عدد المواطنين (المدنيين) العاملين في الجيش، بمعنى الاحتياط، تقلص بنحو 100 ألف شخص.

ويقول التقرير إن هذه المعطيات تعكس ذروة توجه في الجيش، لتخفيض كلفة تشغيل الاحتياط، وقرر أصحابه أن هناك حاجة إلى أيام احتياط أقل بكثير مما كان في الماضي، خاصة في ظل تطور التقنية العالية، التي تتغلغل في نشاط الجيش في جميع المجالات. كذلك فإن تعديل قانون الاحتياط الذي دخل إلى حيز التنفيذ في العام 2008، كان يهدف إلى تمدّن حياة المواطنين، وأن تكون الخدمة في الجيش بالحد الأدنى المطلوب. بكلمات أخرى لم يذكرها تقرير الصحيفة، السعي لتخفيف مستوى عسكرة المجتمع الإسرائيلي، وفق منظورهم.

ويتبين من المعطيات، أنه في حين كان عدد أيام الاحتياط في العام 2004، حوالي 10 ملايين يوم، فإنه في العام 2017، انخفض العدد إلى 9ر1 مليون يوم فقط. ويشير تقرير الصحيفة إلى أن العدد الإجمالي لأيام الاحتياط في الجيش يبقى عادة سريا، ضمن الأسرار العسكرية، ويتم تحديد أيام الاحتياط لكل عام، أو لكل فترة معينة، بناء على تقديرات قيادة الأركان، وبقرار صادر عن رئيس الأركان.

لكن ما هو معروف، حسب التقرير، أن من يخدم في الاحتياط هم نسبة هامشية ممن ينهون الخدمة العسكرية الإلزامية. ويتبين أن فقط 5% ممن ينهون الخدمة الإلزامية يؤدون خدمة احتياط، 20 يوما سنويا، في السنوات الثلاث الأولى، بعد انتهاء خدمتهم الإلزامية. في حين أن نسبة أعلى من الجنود المسرّحين، يؤدون خدمة احتياط لأيام معدودة سنويا.

كذلك تبيّن أنه في حين أنه حتى العام 2008 كانت 50% من أيام الاحتياط للجندي الواحد تخصص للتدريبات، فإن النسبة ارتفعت إلى 70% في هذه المرحلة، وهذا مؤشر للاستغناء عن انخراط جنود الاحتياط في العمل الجاري للجيش. ما يعني أن هذا الانخفاض كبير من ناحية عددية، ولكن سيكون أكبر من حيث النسبة المئوية، إذا أخذنا بعين الاعتبار زيادة أعداد الجنود مع تقدم السنين، وزيادة عدد السكان ومعها التحديات. وتقول "ذي ماركر" إن هذا الانخفاض الحاد جدا في عدد أيام الاحتياط، ينعكس تلقائيا في الجانب المالي، فكلفة يوم الاحتياط الواحد تصل إلى 500 شيكل (136 دولارا، وفق معدل الصرف الحالي: 68ر3 شيكل للدولار). والقسم الأكبر من هذا المبلغ، تدفعه مؤسسة الضمان الاجتماعي، التي تتلقى بالمقابل ميزانيات من وزارة الدفاع.

وهذا يعني أنه في العام 2017 وحده، جرى توفير ما يزيد عن 4 مليارات شيكل (087ر1مليار دولار) مقارنة عما كان في العام 2004، وإذا كان الحديث عن عام واحد توفير في الصرف بهذا القدر، فإن هذا يعني أن الجيش وفّر عشرات مليارات الشيكلات على مر السنين، وحسب "ذي ماركر"، فإن هذا التوفير لم يتم الإفصاح عنه، بل إن الجيش واصل طلب المزيد من الميزانيات.

ويشار إلى أن ميزانية وزارة الدفاع التي عمليا تصرف كلها على الجيش، ستصل في العام المقبل 2019، وفق التقديرات، إلى حوالي 74 مليار شيكل، ما يعادل أكثر بقليل عن 20 مليار دولار، وهذا بعد أن تحصل على زيادة مخططة، لمرة واحدة، بأقل من 10 مليارات شيكل (71ر2 مليار دولار). لكن في السنوات الأخيرة، لم تقل ميزانية وزارة الدفاع في أي عام عن العام الذي سبقه، إذ تصبح الإضافات، التي مصدرها ابتلاع فائض ميزانيات باقي الوزارات واحتياطي الحكومة السنوي، شبه ثابتة في ميزانية الجيش، لتمويل صفقات ومشاريع التسلح هذا. ويشار هنا إلى أن هذه الميزانية تشمل 8ر3 مليار دولار، هي الدعم العسكري السنوي من الولايات المتحدة الأميركية.

كذلك يقول التقرير إن هناك جانباً ديمغرافياً في التغيرات الحاصلة في وحدات جيش الاحتياط. ومن أبرز هذه المتغيرات الارتفاع الحاد في نسبة أبناء التيار الديني الصهيوني، وهو التيار السياسي اليميني المتطرف المهيمن على أجواء المستوطنات في الضفة المحتلة، وأيضا على الحكومة الحالية بشكل خاص. كذلك هناك ارتفاع ملحوظ في خدمة الاحتياط لدى الشابات المجندات، ففي حين كانت النساء 9% من إجمالي جنود الاحتياط في العام 2007، فإن نسبتهن ارتفعت إلى 17% في الآونة الأخيرة.

والاستغناء عن جيش الاحتياط يتضح أكثر في المعطيات بشأن تجندهم في حروب السنوات الأخيرة. فمثلا، في الحرب العدوانية على لبنان في العام 2006، تم تجنيد 90 ألف جندي احتياط. وفي ذات السنة، في الحرب التي سبقت بشهر على قطاع غزة، تم تجنيد 70 ألف جندي. لكن في العدوان الذي جرى على قطاع غزة، في نهاية 2008، ومطلع 2009، تم تجنيد 60 ألف جندي. أما في العدوان الذي شنه جيش الاحتلال في العام 2014، فقد تم تجنيد 10 آلاف جندي احتياط، رغم أن العدوان الأخير هذا شمل أيضا توغلا بريا، كالحروب التي سبقته.

ويقول تقرير "ذي ماركر" إن تقلص تجنيد جيش الاحتياط يعكس التطورات التي شهدها الجيش في السنوات الأخيرة.

ويقول العميد احتياط شوكي بن عنات، الذي شغل منصب قائد جيش الاحتياط من العام 2008 وحتى العام 2013، إن التطورات الحاصلة في الجيش، على صعيد تطور الآلة العسكرية، كما هو الحال في جيوش العالم، يؤدي إلى الاستغناء أكثر عن القوى البشرية، "باتت هناك حاجة أقل للجندي البسيط، الذي يحمل على كتفه الكاتيوشا". ويضيف "حاليا، فإن المجالات التي تقود الجيش هي عالم السايبر، والحرب الدقيقة (التقنيات العالية) التي تحتاج إلى أعداد جنود أقل".

ويقول بن عنات إن متطلبات مؤهلات وجاهزية الجنود باتت مختلفة عن ذي قبل، فاليوم هناك حاجة أكبر للخبرات في التقنيات العالية، مثل الطيارين. وهذه مؤهلات مطلوبة أكثر من الجيش النظامي. وهذا لأن أيام تدريب جنود الاحتياط محدودة، وبالإمكان تدريبهم لمهمات عينية محدودة، كون الجندي ليس مرتبطا كل الوقت بالجيش، وهذه تدريبات تحتاج إلى تواصل أكبر، مع العمل الجاري للجيش. كما أنه حسب بن عنات فإن جندي الاحتياط ليس بإمكانه أن يكون مواكبا للتطورات التقنية المتسارعة في الجيش.

ويقول بن عنات "عمليا، فإن كل جهاز النشاط الأمني العادي يلقى على جنود الخدمة الإلزامية، وهم يقومون بهذه المهمات في جميع المناطق، بما فيها الضفة المحتلة. ولأسباب معينة، لا يريدون تشغيل جنود الاحتياط" في الضفة. كذلك ظهر أمر الاستغناء عن جيش الاحتياط في مرتفعات الجولان السورية المحتلة، عند خط وقف إطلاق النار، وأيضا عند الحدود قبالة لبنان. ويستدل من أقوال بن عنات أن ضباط الوحدات الميدانية طلبوا عدم تشغيل جنود الاحتياط في هذه المناطق الحساسة عسكريا.

انعكاسات سلبية

ويقول تقرير "ذي ماركر" إنه بالرغم من الجوانب المالية الإيجابية في مسألة تقليص أيام الاحتياط، وأيضا من الناحية الاجتماعية، فإن لتقليص أيام الاحتياط انعكاسات على طبيعة عمل الجيش ميدانيا، فمثلا، حسب الصحيفة، لدى التعامل مع الجمهور المدني، فإن تعامل جندي بالغ ابن 30 عاما مختلف عن تعامل جندي في الخدمة الإلزامية ابن 18 عاما. والقصد هنا واضح، وهو التعامل مع الجمهور الفلسطيني بالذات في الضفة المحتلة، التي ينتشر فيها جيش الاحتلال. كذلك حسب الصحيفة، فإن جهاز جيش الاحتلال كان على مدى السنين لاجما للمستوى السياسي، بمعنى الحكومة، لئلا يدخل في مغامرات عسكرية زائدة لا لزوم لها.

ويقول عضو الكنيست، عضو لجنة الخارجية والأمن، عوفر شيلح، من حزب "يوجد مستقبل" المعارض، للصحيفة، إن تقليص أيام الاحتياط هو "أمر إيجابي كليا من ناحية اقتصادية، وأيضا من ناحية عملياتية. لكن في ذات الوقت هو أمر إشكالي، من ناحية مقولة "جيش الشعب". وهذا لأن أيام الاحتياط تتقلص، لكن في المقابل، فإن حجم العمليات لا تتقلص. كذلك فإن أعداد أيام الاحتياط القليلة، بات يخدمها عدد جنود أقل، مقارنة مع الماضي".

وتابع شيلح قائلا "إننا بتنازلنا عن جنود الاحتياط، نتنازل عن قدرات وعن نضوج. فصحيح أنه في وقت ما بات علينا إعادة حساباتنا في تفعيل جهاز عسكري ذي كلفة باهظة جدا، إلا أنني اقترح أن نتبع النموذج البريطاني، الذي فيه اعتماد أكبر على جيش الاحتياط، من الجيش النظامي الدائم. فمثلا الجيش البريطاني يضم 112 ألف جندي، منهم 82 ألفا في الجيش النظامي، و30 ألفا من الاحتياط. بمعنى أن جيش الاحتياط في الجيش البريطاني هو جزء ثابت من قدرات الجيش العام، وذلك بقصد أن يكون جيش الاحتياط جزءا من الجيش النظامي العام، ويحظى الجنود فيه بامتيازات اقتصادية، بشكل نسبي، من تلك التي تصرف على الجيش النظامي الدائم".

وتختم صحيفة "ذي ماركر" تقريرها مشيرة إلى أن الجيش عمل على تقليص حجم جيش الاحتياط دون أن يفحص بعمق عمل جهاز جيش الاحتياط ككل.

 

 

الأحد, أغسطس 18, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية