عاد رئيس كتل الائتلاف الحكومي، عضو الكنيست دافيد بيطان (الليكود)، ليؤكد من جديد، يوم السبت الأخير (في ندوة عقدت في مدينة "موديعين")، أن "القانون سيُقرّ نهائيا الأسبوع القادم، رغم كل الانتقادات، لأنه قانون هام وحيوي جدا لاستقرار الحكم في إسرائيل"!! أما "القانون"، فهو المعروف باسم "قانون التوصيات" الذي يمنع الشرطة من تقديم توصيات خطية في الملفات الجنائية التي تنهي التحقيق فيها، والذي يثير جدلا واسعا وحادا جدا في مختلف الأوساط الإسرائيلية، السياسية والقضائية، الإعلامية والجماهيرية، بعد أن أقرّه الكنيست (مساء الاثنين 27/11) بالقراءة الأولى، بأغلبية 46 صوتاً ومعارضة 37، بعد ساعة واحدة فقط من إقراره في "لجنة الداخلية" البرلمانية! وأما "استقرار الحكم" الذي يتحدث عنه بيطان ويقصده، فهو استقرار حكم "الليكود" وحلفائه من اليمين الإسرائيلي، برئاسة بنيامين نتنياهو شخصيا، على خلفية التحقيقات الجنائية المتشعبة التي تجرى معه منذ أشهر في عدد من الشبهات الجنائية الخطيرة، وفي مركزها شبهات الفساد السلطوي وخيانة الأمانة واستغلال منصبه لمنافع مالية كبيرة، له ولأفراد عائلته ولثلة من أقربائه والمقربين له.


ويبدو، من المساعي المكثفة لسن هذا القانون بسرعة قياسية وبإصرار استثنائي، أن نتنياهو ومقربيه يعرفون أكثر بكثير مما يعرفه الجمهور عامة عن مجريات التحقيقات الجنائية معه وما يتكشف خلالها من تورطه في قضايا فساد خطيرة، مما يدفعهم إلى هذا الإسراع الشديد في إجراءات سن القانون، وسط التلويح بسيف حل الحكومة والكنيست وتبكير موعد الانتخابات البرلمانية، ضاربين عرض الحائط بكل ما يتصل بسلطة القانون وسيادته والمساواة أمامه ومجمل مقوّمات النظام الديمقراطي ومبادئه.

فقد كشف معلق القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، أمنون أبراموفيتش، مساء الجمعة الأخير، أن "الشرطة مصممة على طرح توصية بتقديم لائحة اتهام جنائية ضد رئيس الحكومة، نتنياهو، بتهم الارتشاء، الغش وخيانة الأمانة"، وذلك في إطار التحقيق في "ملف الهدايا" المعروف باسم "ملف رقم 1000".

"قانون نتنياهو" والتهديد بسيف الانتخابات

ورغم نفي المبادرين لهذا القانون ومؤيديه، وعلى رأسهم رئيس "لجنة الداخلية" البرلمانية عضو الكنيست دافيد أمسالِم (الليكود)، أية علاقة بين القانون الجديد والتحقيقات الجنائية المتعددة التي تتواصل مع رئيس الحكومة، نتنياهو، منذ فترة طويلة، إلا أن جميع المؤشرات تثبت صحة التسمية التي أطلقها البعض على القانون الجديد بأنه "قانون نتنياهو". ذلك أن العلاقة الوثيقة بين الأمرين (القانون والتحقيقات مع نتنياهو) واضحة تماما وصارخة بفظاظة، إذ يبدو مؤكداً أن هذه التحقيقات، بما يتكشف من خلالها وما يتراكم فيها من أدلة، هي الدافع الرئيس، بل الوحيد، لهذا السعي المحموم إلى سن القانون بأقصى سرعة ممكنة ومن خلال التهديد بحل الحكومة والكنيست والذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة، إضافة إلى إجراءات قمعية سريعة تمثلت، بصورة حادة، في عزل عضو الكنيست بنيامين (بيني) بيغن (الليكود) من عضوية "لجنة الداخلية" البرلمانية، نظرا لرفضه تأييد هذا القانون بصيغته الحالية. فقد طالب بيغن بأن يسري القانون الجديد "على التحقيقات الجنائية التي ستبدأ بعد نشره وبدء سريان مفعوله فقط"، أي ليس على التحقيقات الجارية الآن مع رئيس الحكومة، نتنياهو.

من جهته، زعم أمسالِم بأن "هذا القانون لا علاقة له برئيس الحكومة ولم أتشاور معه بشأنه، إطلاقاً"!! وأضاف أن "النيابة العامة تقوم الآن بإغلاق نحو 80% من ملفات التحقيق التي تقدم فيها الشرطة توصيات خطية تدعي بتوفر أدلة لتقديم لوائح اتهام. ولو كانت النسبة عكسية، لما بادرت إلى تقديم اقتراح كانون كهذا"! وزاد: "القانون ليس شخصيا (يخص نتنياهو شخصيا)، بل يهم كل مواطن، لأن نشر التوصيات قد يلطخ اسم أي مواطن ما زال مشتبها به فقط ويتمتع بقرينة البراءة، طالما لم تثبت إدانته"!

وكان موقع صحيفة "هآرتس" على الشبكة قد نشر، مساء الثلاثاء الماضي، تقريراً كشف فيه أن رئيس الحكومة هدد بحل الائتلاف الحكومي والذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة إذا لم يتم سن هذا القانون. وقال تقرير "هآرتس" إن "مقربين من نتنياهو" أوضحوا لممثلي حزب "كلنا" (برئاسة وزير المالية، موشيه كحلون) أن مسألة الموافقة على هذا القانون المقترح وتأييده "توازي في أهميتها، بالنسبة لرئيس الحكومة، أهمية قانون "يسرائيل هيوم" (الصحيفة اليمينية) الذي طُرح في العام 2014" وكان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت، بقرار من نتنياهو شخصيا، إلى حل الحكومة والكنيست في كانون الأول 2014 وتبكير موعد الانتخابات البرلمانية إلى 17 آذار 2015.

وهذا ما أكده قادة "كلنا"، أيضا، وعلى رأسهم كحلون نفسه، الذي تراجع عن معارضته "سريان القانون الجديد بشكل شخصي على رئيس الحكومة"، والتي كان كررها مراراً خلال الأسابيع الأخيرة. وحين تحدث كحلون في اجتماع كتلته البرلمانية، عشية التصويت على القانون الجديد الأسبوع الماضي، خاطب أعضاءها المعارضين للقانون قائلاً: "هل تريدون الذهاب إلى الانتخابات الآن؟ هل أنتم مستعدون لهذا؟ إذا كان جوابكم إيجابيا، فلنصوّت ضد القانون إذن ونذهب إلى انتخابات مبكرة في غضون 90 يوما من الآن"! وكان لهذا التهديد أثر حاسم، إذ تراجع المعارضون وصوّت جميع أعضاء كتلة "كلنا" مؤيدين للقانون.

كما أكده، أيضا، رئيس كتلة "كلنا" في الكنيست، عضو الكنيست روي فوكمان، الذي كان شريكاً في المفاوضات بين كتلته وكتلة "الليكود"، برئاسة رئيس الائتلاف الحكومي، عضو الكنيست دافيد بيطان. فقد قال كوفمان، كما ورد في تقرير "هآرتس" المذكور، إن "الأهمية التي يوليها نتنياهو لهذا القانون توازي أهمية قانون "يسرائيل هيوم" في حينه" وإن "مقربي نتنياهو أعادوا التذكير بهذه الأهمية أكثر من مرة" خلال المحادثات التي جرت بين الكتلتين بشأن القانون الجديد.

هدية لعصابات الإجرام ورؤسائها أيضاً

يدور الجدل حول هذا القانون الجديد في مستويين أساسيين، هما: الأول ـ مبدئي عام يتمثل في ما يشكله القانون من اعتداء فظ وصارخ على الشرطة وعملها، بوصفها إحدى الأذرع المركزية في "جهاز تطبيق القانون" في إسرائيل، ما يشكل بالتالي اعتداء فظاً وصارخاً على القواعد والأصول المرعية في النظام الديمقراطي، يصل حدّ كسر هذه القواعد وتغييرها بصورة جذرية؛ والثاني ـ عمليّ آنيّ يتمثل في حقيقة أن هذا القانون يسري بأثر رجعي على التحقيقات الجنائية الجارية هذه الأيام مع رئيس الحكومة الحالي، بنيامين نتنياهو. هذا علماً بأن القانون الجديد قد يدخل حيز التنفيذ خلال فترة تقل عن شهر واحد إذا ما تم إقراره في الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة بالوتيرة المتسارعة جدا التي يجري دفعه بها الآن.

هذان المستويان جعلا من الصعب، حد المستحيل، حتى على أحد أقرب المقربين إلى نتنياهو، المستشار القانوني أفيحاي مندلبليت، التزام الصمت حيال القانون الجديد فعبر عن تحفظه الواضح والصريح عليه، ناهيك عن معارضة المستشار القانوني للكنيست، إيال يانون، الذي أعلن أن رئيس الحكومة، نتنياهو، ووزير المواصلات، يسرائيل كاتس، لا يمكنهما المشاركة في التصويت على القانون في الكنيست "نظرا لتضارب المصالح، إذ يخضع كلاهما لتحقيقات جنائية حاليا".

أما النائب العام للدولة، شاي نيتسان، فقال إن القانون الجديد "ينطوي على إشكالية كبيرة وحادة"، إذ "سيكبّل أيدينا وراء ظهورنا"! وقال نيتسان، مخاطباً أعضاء "لجنة الداخلية" البرلمانية: "إذا ما أردتم أن نحارب الإجرام والفساد بأفضل ما نستطيع، فعليكم أن توفروا لنا الأدوات والسبل الأفضل للعمل". وأوضح أن القانون الجديد "سيعفي محققي الشرطة من مسؤوليتهم في جمع أكثر وأفضل ما يمكنهم من الأدلة والبينات المطلوبة واللازمة حين يشعرون بأن ملف التحقيق العيني قد نضج وأصبح كافيا وجاهزا لتقديم لائحة اتهام، بينما يُحظر عليهم إبداء رأيهم وتقديم توصيتهم في الأمر... حين تمنعونهم من هذا، فسيحررون أنفسهم من المسؤولية، مما يعود بضرر جسيم على عمل الشرطة ونجاعته".

وأكد نيتسان أنه "من الضروري الإصغاء إلى موقف الشرطة في الموضوع"، مشيرا إلى أن "لمحققي الشرطة أفضلية كبيرة وحاسمة في مسألة تلخيص البينات والأدلة وبلورة توصية واضحة على أساسها".

من جهتهم، عبر ضباط كبار في الشرطة الإسرائيلية عن تحفظهم الشديد من القانون الجديد مؤكدين أنه سيسبب ضررا كبيرا لعمل الشرطة في مجال التحقيقات الجنائية، وخاصة تلك التي تجرى مع رئيس الحكومة نتنياهو هذه الأيام، كما سيؤدي إلى إطالة مدة الإجراءات القضائية المترتبة على هذه التحقيقات.

لكن ضباط الشرطة نوهوا أيضاً إلى ضرر آخر على عمل الشرطة جراء القانون الجديد، إذ لن ينحصر تأثيره على التحقيقات في شبهات وجرائم الفساد السلطوي، وإنما سيتعداها إلى التحقيقات مع عصابات ومنظمات الإجرام المنظم الناشطة في إسرائيل، إذ إن هذه التحقيقات أيضا تجرى بمرافقة ممثلين عن النيابة العامة، كما في التحقيقات مع الشخصيات العامة. وقال أحد ضباط الشرطة الكبار: "هذا القانون هو هدية عظيمة لرؤساء عصابات ومنظمات الإجرام في إسرائيل". وأضاف: "إذا ما تحقق نص القانون الجديد وانتقلت مهمة تقديم التوصيات إلى النيابة العامة وممثليها الذين يرافقون التحقيقات الجنائية مع رؤساء عصابات الإجرام، فسينشأ وضع خطير يتمثل في أن هذه العصابات قد تسعى إلى المساس بهؤلاء"!

المعارضة البرلمانية و"دولة الإجرام المنظّم"!

اعتبر المعلق في صحيفة "هآرتس" أوري مسغاف أن "قانون إسكات الشرطة" الجديد "يحوّل إسرائيل، بصورة رسمية، إلى دولة إجرام منظم"!، وذلك في تعليق نشر فيه أسماء أعضاء الكنيست من المعارضة الذين تغيبوا عن جلسة التصويت على القانون الجديد بالقراءة الأولى في الهيئة العامة للكنيست وحمّلهم مسؤولية رئيسة عن نتيجة التصويت وإسقاطات القانون، على المديين القريب والبعيد.

وأوضح مسغاف إن 83 عضو كنيست فقط، من أصل 120 عضوا، شاركوا في التصويت: 46 مؤيدا، مقابل 37 معارضاً، بينما يبلغ مجموع أعضاء الكنيست من المعارضة 54 عضواً، كان يكفي مشاركة 9 آخرين منهم في التصويت ضد اقتراح القانون الجديد لإسقاطه، وهو ما اعتبره "تعبيرا فاضحا عن المعارضة المتخاذلة التي لا تكلف نفسها حتى عناء إرباك الائتلاف الحاكم والفاسد". وعلاوة على الجانب العملي في الأمر، رأى مسغاف أن تغيب أعضاء الكنيست من المعارضة عن التصويت "يعبر عن موقف قيمي مجلجل: 30% من أعضاء الكنيست من المعارضة لم يتجشموا عبء المشاركة في تصويت هو من الأكثر إثارة للبؤس والخجل في تاريخ الكنيست الإسرائيلي".

ووصفت عضو الكنيست رفيطال سويد (المعسكر الصهيوني) مساعي سن القانون وعملية التصويت عليه بـ"الجريمة" و"البلطجة البرلمانية والعنف السياسي"، مؤكدة أن "ما يخيف نتنياهو هو ليس محققي الشرطة وإنما خطر انكشاف الحقائق عنه أمام الجمهور".

وقالت زميلتها في الكتلة نفسها، عضو الكنيست ياعيل كوهن ـ باران، موجهة كلامها إلى ممثلي الليكود واليمين عامة: "إنكم تتصرفون ببلطجة وكأنكم عائلة إجرام".

أما عضو الكنيست ميكي ليفي (يوجد مستقبل) فقال إن ما تبقى في نص القانون الجديد، بعد استثناء تحقيقات "الشاباك" منه، هو "قانون لحماية مئة سياسي من المجرمين والفاسدين".

وقال رئيس "المعسكر الصهيوني"، آفي غباي: "في السابق كانوا يسرقون في الليالي بصمت، أما اليوم فأصبحوا يسطون على الديمقراطية في وضح النهار". وأضاف: "قوانين الفساد التي يسنها نتنياهو واليمين تضعنا في نقطة لا يمكن العودة منها إلى الوضع السابق. لقد أصبحنا قريبين جدا من تركيا"، بينما قالت عضو الكنيست من الحزب نفسه، تسيبي ليفني: "ثمة هنا فاسد كبير يطرح في كل يوم مشروع قانون جديدا كي لا يعرف الجمهور حقيقته".

ورأى المعلق في القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي رفيف دروكر أن "رئيس الحكومة نتنياهو يحقق، بقانون التوصيات هذا، قوة الردع الذي يحتاج إليها"! وأضاف: "نتنياهو ومبعوثوه يشنون هجوما كاسحاً على الديمقراطية وعلى سلطات وأذرع تطبيق القانون في إسرائيل".

أما الصحافي دان مرغليت فكتب (في "هآرتس") إن المبادرات التشريعية الأخيرة التي يطرحها ويقودها اليمين برئاسة نتنياهو، وآخرها "قانون التوصيات"، والتي "تتسم بالعنف"، هي "تحركات دفاعية تثبت أن الحزب الحاكم يشعر بأن الجمهور قد بدأ يهتف ضده: أيها الفاسدون، سئمناكم"! واعتبر مرغليت أن هذه التشريعات تثبت، أيضا، أن "الحزب الحاكم فقد الثقة بنفسه وبقدرته على مواصلة السيطرة على مقاليد الحكم، ولذا فهو يلجأ إلى هذه التشريعات العنيفة... صحيح أن نتنياهو وأعوانه يتصرفون بوحشية سياسية، لكنها تنطوي على خوف وقلق شديدين خفيين".

الخميس, يوليو 19, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية