في أعقاب معضلة الحوامات المفخخة التي واجهتها إسرائيل على الجبهة اللبنانية، ظهرت تدريجيًا تحليلات إسرائيلية تتحدث عن مخاطر هذا النموذج في حال وصوله إلى الضفة الغربية؛ إذ تقع المستوطنات في قلب المناطق الفلسطينية أو على مسافات قصيرة منها، بما يقلص زمن الإنذار والاستجابة ويزيد سهولة استخدام الحوامات في بيئة جغرافية شديدة التشابك. ويتفاقم هذا التهديد، وفق التحليلات المذكورة، بفعل انخفاض تكلفة الحوامات وسهولة شرائها وإمكان تعديلها لحمل مواد متفجرة، في مقابل غياب منظومات فعالة ومتكاملة لرصدها واعتراضها.
تستعرض هذه المساهمة الأوامر العسكرية الإسرائيلية المنظمة لحيازة الحوامات وتشغيلها والاتجار بها في الضفة الغربية، وتتابع الأرقام والمعطيات المنشورة بشأن عمليات مصادرتها، كما تناقش المعضلات العملياتية والتقنية المتعلقة بمجابهة مثل هكذا تهديد.
الأمر العسكري 1792
بتاريخ 26 كانون الأول 2017 أصدر قائد المنطقة الوسطى للجيش الإسرائيلي آنذاك، اللواء روني نوما، الأمر العسكري رقم 1792، الذي يحظر تشغيل الحوامات والطائرات المسيّرة الصغيرة أو حيازتها أو تصنيعها أو بيعها أو شرائها أو نقلها أو إصلاحها من دون الحصول على تصريح عسكري مسبق. وحدد الأمر عقوبات بالسجن تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، وفق طبيعة الفعل، ومدى تصنيف إسرائيل له بوصفه مساسًا بالأمن، استنادًا إلى معاييرها وتصنيفاتها الخاصة، فيما دخل الأمر حيز التنفيذ في 1 آذار 2018. وفي 22 نيسان 2018 كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن قائد المنطقة الوسطى آنذاك، اللواء نداف بادان، وقّع أمرًايحظر حيازة الحوامات في الضفة الغربية من دون تصريح مسبق، على أن يسري الحظر على الفلسطينيين والمستوطنين على حد سواء.
لم يبدأ تنظيم الطيران في الضفة الغربية بهذا القرار، فقد جاء الأمر 1792 كتعديل على أمر الطيران رقم 13 لسنة 1967، الذي أعلن المجال الجوي للضفة منطقة خاضعة للقيود العسكرية ومنع الطيران فيها من دون إذن. وبعد خمسة أيام من توقيع الأمر 1792، أصدر القائد العسكري الأمر رقم 1793 بتاريخ 31 كانون الأول 2017، وأضاف الحوّامة بصورة صريحة إلى التعريف القانوني للطائرة في أمر التفسير العسكري، وهو ما جعل الأحكام العسكرية المتعلقة بالطائرات تنطبق عليها بوضوح.
كما أكد تقرير نشاط النيابة العسكرية الإسرائيلية لسنة العمل 2017، الذي نشرته النيابة العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي خلال العام 2018، أن حمل الحوامات أو حيازتها أو تصنيعها أو الاتجار بها في الضفة الغربية من دون تصريح يعد مخالفة تستوجب العقوبة بموجب الأمرين العسكريين 1792 و1793، وأشار إلى أن الإدارة المدنية تستقبل طلبات الحصول على هذه التصاريح.
فيما أشار تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي الصادر في آذار 2022 إلى أن قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي للشؤون السياسية والأمنية رقم ب/254، الصادر في 24 كانون الأول 2017، أسند إلى الجيش الإسرائيلي مسؤولية الحماية من تهديد الحوامات التي تعمل داخل الضفة الغربية، وتشمل هذه المسؤولية عمليًا رصد الحوامات ومتابعتها واعتراضها والتعامل معها داخل الضفة الغربية.
400 حوامة منذ بداية العام
أظهرت بيانات الجيش الإسرائيلي، خلال الفترة الممتدة من كانون الأول 2025 حتى تموز 2026، تصاعد عمليات مصادرة الحوامات والطائرات المسيّرة في الضفة الغربية. ففي 19 كانون الأول 2025، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه صادر نحو 35 حوّامة. وفي 24 آذار 2026 ذكرت القناة 14 الإسرائيلية أن الجيش صادر 111 حوّامة وطائرة صغيرة من أنواع مختلفة خلال مداهمة متجر للألعاب في قرية كفر قليل جنوب نابلس.
وفي 13 نيسان 2026 ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن الجيش الإسرائيلي صادر 280 حوّامة خلال عملياته في الضفة الغربية بالتزامن مع الحرب مع إيران الأولى. وبعد أربعة أيام، أعلن الجيش في 17 نيسان العثور على حوامات ومصادرتها خلال عمليات نُفذت في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، من دون أن يحدد عددها. وفي 1 أيار 2026 أعلن عن مصادرة سبع حوامات إلى جانب معدات أخرى.
وفي 12 أيار 2026، نشر الجيش الإسرائيلي تقريرًا عن عملياته التي نفذها خلال شهر نيسان في شمال الضفة الغربية، وذكر أنه صادر أكثر من عشر حوامات، موضحًا أنه نقل الحوامات المصادرة إلى الشرطة الإسرائيلية لفحصها وتتبع أنماط استخدامها والجهات التي كانت تحوزها.
في 4 تموز 2026، ذكر موقع "واللا" أن الجيش الإسرائيلي صادر منذ بداية العام أكثر من 400 حوّامة في الضفة الغربية، وزعم أنه ضبطها قبل تحويلها إلى وسائل هجومية، معتبرًا أن هذا العدد يعكس وجود سوق سوداء منظمة لبيع الحوامات وتداولها داخل الضفة الغربية. ويبدو أن رقم 400 يمثل حصيلة تراكمية تشمل عددًا من عمليات المصادرة السابقة معظمها صودرت من متاجر ألعاب.
التهديد القادم من لبنان
شكّلت تجربة الحوامات المفخخة في لبنان معضلة ميدانية للجيش الإسرائيلي، ثم انتقل القلق من احتمال امتداد هذا النمط إلى الضفة الغربية، في ظل تقديرات أمنية إسرائيلية تتحدث عن محاولات إيرانية لدعمه عبر التمويل والتهريب ونقل المعرفة التكنولوجية. وحتى 25 حزيران 2026، استندت فرضية العمل الإسرائيلية إلى عدم وجود حوامات مفخخة عاملة في الضفة الغربية، مع استمرار الجيش الإسرائيلي في مصادرة كل حوّامة يعثر عليها باعتبار ذلك إجراءً وقائيًا يسبق احتمال تحويلها إلى وسيلة هجومية.
وسجلت الضفة الغربية خلال الأعوام الأخيرة حوادث عززت هذه المخاوف. ما كشف عنه الجيش يوم 20 تشرين الأول 2025 ونقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" تفاصيل حادثة تعود إلى ما بعد هجوم 7 تشرين الأول 2023 بثلاثة أيام، حين أُطلقت حوّامة مزودة بمنظومة لإسقاط مواد متفجرة فوق مستوطنة «سديه إفرايم» بالقرب من رام الله، وأظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة إسقاط المادة وانفجارها فوق المزرعة من دون وقوع إصابات.
وفي 22 كانون الثاني 2025، ذكر موقع i24NEWS أن مستوطنين عثروا على حوّامة في منطقة مفتوحة بالقرب من مستوطنة "يتسهار" جنوب نابلس، وكان مثبتًا بها جسم يشبه عبوة أنبوبية. وأوضح الموقع أن الحادثة كانت الثانية من نوعها، بعدما أُطلقت حوّامة أخرى باتجاه المستوطنة في كانون الأول 2024 وهي تحمل جسمًا مشابهًا، قبل أن يتبين لاحقًا أنه عبوة وهمية.
في ضوء هذه الحوادث، يرى الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي يهوشع كاليسكي أن العثور على حوّامة مفخخة بالقرب من "يتسهار" يعكس تطورًا في منحنى التعلم والقدرات التقنية في الضفة الغربية، وقد يشير إلى انتقال استخدام الحوامات من محاولات محدودة ومتفرقة إلى نمط عملياتي أكثر تنظيمًا.
ويحذر كاليسكي من أن انخفاض تكلفة الحوامات وسهولة الحصول عليها وتشغيلها، إلى جانب قدرتها على حمل عبوات محلية الصنع أو ذخائر متفجرة وإسقاطها بدقة، يمنحها قابلية للتحول إلى أداة هجومية واسعة الاستخدام مستحضرًا تجربة صواريخ القسام التي وصفها مسؤولون إسرائيليون في بدايتها بأنها «أنابيب طائرة»، ثم تحولت إلى تهديد للمدن الإسرائيلية وبناها التحتية.
وفي السياق نفسه، يرى الباحثان غابي سيبوني وإيرز وينر من معهد القدس للاستراتيجية والأمن في مقالهما أن تهريب الأسلحة إلى الضفة الغربية عبر الحدود مع الأردن، إلى جانب استخدام الحوامات في حمل العبوات المتفجرة، يمثل تهديدًا جديدًا للجيش الإسرائيلي والمستوطنين، لأنه يتيح للفصائل الفلسطينية تطوير هجمات أكثر تعقيدًا وتحسين قدرتها على إصابة الأهداف من مسافات قريبة.
وفي 1 تموز 2026، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تقريرًا اعتبرت فيه الحوامات تهديدًا متزايدًا على مستوطنات خط التماس ووسط إسرائيل، وتركزت المخاوف الواردة فيه على قدرة الحوامات المنطلقة من الضفة الغربية على تجاوز خط التماس خلال وقت قصير والوصول إلى العمق الإسرائيلي، إذ قالت رئيسة مجلس مستوطنات جنوب الشارون الإقليمي إن حوّامة تنطلق من المنطقة قد تصل إلى تل أبيب خلال ست دقائق.
شكل التهديد والمعضلة العملياتية
ينبع ما تعتبره إسرائيل معضلة من الطبيعة الجغرافية للضفة الغربية، حيث تقع مستوطنات كثيرة في قلب المناطق الفلسطينية أو على مسافات لا تتجاوز أحيانًا مئات الأمتار من القرى والبلدات المحيطة، وهو ما يقلص زمن الرصد والإنذار والاعتراض إلى حد شبه معدوم.
وأشار تقرير نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" في 6 أيار 2026 إلى أن التهديد يتطور بوتيرة أسرع من وسائل الرصد والاعتراض المتاحة، وأن سهولة شراء الحوامات وانخفاض تكلفتها وإمكان تجميعها داخل المنازل تجعل السيطرة على انتشارها أكثر صعوبة من السيطرة على تصنيع الصواريخ أو الأسلحة التقليدية، التي تحتاج إلى مخارط ومختبرات ومنشآت يمكن اكتشافها ومداهمتها.
ويزداد التحدي مع إمكان ربط الحوامات بشبكات الاتصال الخليوية، وهو ما يوسع مداها ويتيح تشغيلها من مواقع بعيدة ويعقّد عملية تحديد مكان المشغّل. كما يمكن تشغيل بعض الأنواع من خلال أنظمة توجيه ذاتية أو تقنيات ذكاء اصطناعي، الأمر الذي يقلل اعتمادها على الاتصال المباشر بالمشغّل ويجعل وسائل التشويش التقليدية أقل فاعلية.
ويواجه الجيش الإسرائيلي مشكلة إضافية تتمثل في صعوبة التمييز بين الحوامات المدنية والحوامات المعدة للاستخدام الهجومي، خصوصًا في المناطق التي يكثر فيها الاستخدام التجاري أو الشخصي لهذه الوسائل كما جرى في مستوطنة "بيت إيل" يوم 28 أيار 2026. وقد يؤدي هذا الغموض إلى إطلاق النار على أجسام مدنية أو إغلاق المجال الجوي المنخفض بصورة واسعة، مع ما يترتب على ذلك من ارتباك ميداني وتكاليف أمنية واقتصادية.
وتشير التقديرات الإسرائيلية كذلك إلى أن الحلول المستخدمة في أوكرانيا ولبنان لا توفر حماية كاملة في الضفة الغربية، إذ يمكن التحايل على أنظمة الرصد الصوتي، كما تستطيع بعض الحوامات تنفيذ مناورات لتفادي إطلاق النار أو حوامات الاعتراض والشبكات المخصصة للإمساك بها. ويقر الجيش الإسرائيلي باستمرار الفجوة بين سرعة تطور هذا التهديد وبين قدرته الحالية على توفير استجابة فورية وفعالة.
الحلول المطروحة وحدودها
يعتمد الجيش الإسرائيلي في المرحلة الحالية على إجراءات وقائية تركز على مصادرة الحوامات، واعتقال المشتبه بتخطيطهم لاستخدامها، واقتحام القرى والبلدات بحثًا عن المعدات وورش التجميع، وملاحقة مسارات التهريب القادمة عبر الحدود مع الأردن. وتقوم هذه السياسة على منع وصول الحوامات – وإن كانت تستخدم فلسطينيًا للتصوير - قبل تطوير منظومة تكنولوجية قادرة على اكتشافها واعتراضها في الوقت الفعلي.
وتدعو بعض التقديرات الإسرائيلية إلى تطوير منظومة دفاعية مخصصة للحوامات تشبه في وظيفتها "القبة الحديدية"، تجمع بين الرادارات وأجهزة الاستشعار الصوتية والبصرية ووسائل التشويش الإلكتروني وحوامات الاعتراض مع الإقرار بأن تطبيق مثل هذه المنظومة في الضفة الغربية يواجه صعوبة كبيرة بسبب قصر المسافات وكثافة التجمعات السكانية وتداخل الاستخدامات المدنية والعسكرية للمجال الجوي المنخفض.
ومن جانبه، يرى إلعاد أفيدان، أحد مؤسسي مدرسة تدريب الجنود على تشغيل الحوامات في قيادة المنطقة الشمالية، في إطار مقابلة صحافية، أن نقطة البداية تتمثل في رفع مستوى الوعي لدى الجيش والمستوطنين بطبيعة التهديد، ثم إنشاء مركز عمليات متخصص لمراقبة الحوامات وتعقب مساراتها، وتعزيز التنسيق بين الجيش وفرق الحراسة في المستوطنات؛ لأن سلاح الجو لا يستطيع وحده حماية المنازل والمنشآت من أجسام صغيرة تحلق على ارتفاعات منخفضة.
ويقترح أفيدان استخدام وسائل حماية بسيطة ومنخفضة التكلفة، من بينها نشر شبكات فوق المدارس والملاعب ومواقع تمركز فرق الحراسة، وتوفير مكبرات صوت ومنظومات إنذار محلية لتحذير السكان عند رصد حوّامة قادمة، وإعادة تخطيط بعض المساحات العامة داخل المستوطنات بما يحد من قدرة الحوامات على استهداف التجمعات المفتوحة. وهو يرى أن انتظار منظومات تكنولوجية باهظة الثمن قد يترك المستوطنات من دون حماية خلال المرحلة التي يواصل فيها هذا التهديد تطوره.
كما يرى يسرائيل برمان، وهو ضابط مشاة خدم في وحدة "سييرت ياعيل" ويقود سرية مشاة في قوات الاحتياط، أن مواجهة الحوامات تتطلب تغييرًا شاملًا في أساليب تدريب الجيش وبنية وحداته القتالية، بحيث يتلقى الجنود والضباط تدريبًا منتظمًا على تشغيل الحوامات واكتشافها والتصدي لها، وتُدمج هذه المهارات في دورات قادة الفرق ودورات الضباط. ويؤكد أن القتال لم يعد محصورًا في المجال البري، وأن القائد الذي لا يفهم طبيعة القتال في المجال الجوي القريب ولا يعرف كيفية استخدام الحوامات أو الدفاع في مواجهتها سيجد صعوبة في قيادة وحدته في ساحات القتال المقبلة.
في ضوء كل هذه المخاوف، طالبت مجالس المستوطنات القريبة من خط التماس الجيش الإسرائيلي بتزويدها برادارات ومنظومات رصد واعتراض ووسائل إلكترونية مضادة للحوامات، واعتبرت أن مناطقها تمثل نقطة ضعف أمنية بسبب قربها من التجمعات الفلسطينية ومن وسط إسرائيل. كما طالبت بتخصيص 50 مليون شيكل لتشغيل غرفة عمليات إقليمية وشراء وسائل دفاعية لمنطقة تضم 31 مستوطنة، وهو ما يعكس، برأيهم، حجم الفجوة القائمة بين هذا التهديد السريع وبين الحلول التي لا تزال محدودة ومجزأة وقيد الاختبار.