المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 9
  • ياسر مناع

أعلنت الإمارات العربية المتحدة، يوم 28 نيسان 2026، أنها ستغادر تكتل النفط "أوبك" بعد نحو ستة عقود من عضويتها في منظمة الدول المصدّرة للنفط. ويدخل القرار حيّز التنفيذ في 1 أيار 2026 مع توقع انسحاب الإمارات كذلك من صيغة أوبك+ الأوسع. وقد قرأت إسرائيل هذا القرار بوصفه أكثر من خطوة نفطية أو اقتصادية. فقد رأت فيه علامة على تصدّع متزايد في العلاقة بين الإمارات والسعودية ومؤشرًا إلى إعادة تشكيل أوسع للتحالفات في الإقليم في ظل الحرب مع إيران. كما تعاملت بعض الطروحات مع الانسحاب الإماراتي باعتباره فرصة لتطوير العلاقة معها، وتعزيز التموضع الإسرائيلي داخل البنية الإقليمية الآخذة في التشكل.


تتبع هذه المقالة كيفية تناول الصحافة الإسرائيلية قرار الإمارات بالانسحاب، وما هي الطروحات التي قدّمتها بشأن دلالاته الخليجية والإقليمية، خاصة على مستوى العلاقة الإماراتية السعودية، وموقع إيران في معادلة الطاقة والأمن، والفرص التي ترى إسرائيل أنها قد تتيحها لتعزيز شراكتها مع الإمارات.


تصاعد المنافسة داخل الخليج
رأى معهد دراسات الأمن القومي بتاريخ 29 نيسان 2026، أن انسحاب الإمارات من "أوبك" يعبّر عن مسارين متداخلين: تصاعد المنافسة داخل الخليج، وتراجع قدرة "أوبك" على ضبط سوق النفط العالمي. فالإمارات، وفق هذه القراءة تسعى إلى مرونة أوسع في سياسة الطاقة كي تستثمر قدراتها الإنتاجية المتنامية وتزيد عائداتها، بعد أن حدّت حصص "أوبك" من قدرتها على توسيع الإنتاج.
ويضع المعهد القرار داخل سياق سياسي أوسع، يتمثل في التنافس المتزايد بين الإمارات والسعودية على المكانة الاقتصادية والنفوذ الإقليمي، وفي شعور إماراتي بأن الحرب مع إيران كشفت هشاشة التضامن الخليجي وحدود الاعتماد على إطار تقوده السعودية. كما يرى أن القرار يعكس تآكل مكانة "أوبك" بفعل صعود منتجين جدد، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة بعد ثورة النفط الصخري. لذلك يخلص المعهد إلى أن دول الخليج، رغم بلوغ التهديدات ذروتها، تجد صعوبة في تشكيل جبهة موحدة، لأن المنافسة الاستراتيجية بينها تتعمق خلف الكواليس.
فيما عرضت صحيفة "يديعوت أحرونوت" بتاريخ 28 نيسان 2026 انسحاب الإمارات من "أوبك" و"أوبك+" بوصفه خطوة دراماتيكية وضربة قاصمة لمنظمة الدول المصدّرة للنفط، وللسعودية التي تسعى إلى الحفاظ على موقعها القيادي داخلها. وركّزت الصحيفة على أن القرار جاء في توقيت شديد الحساسية، في ظل مواجهة إقليمية أحدثت صدمة تاريخية في سوق الطاقة وزعزعت استقرار الاقتصاد العالمي. كما أشارت إلى أن خروج الإمارات، باعتبارها عضوًا قديمًا في أوبك قد يربك المنظمة ويضعف قدرتها على الحفاظ على جبهة موحدة خصوصًا في ظل خلافات داخلية تتصل بالجغرافيا السياسية وحصص الإنتاج.
وربطت الصحيفة القرار بثلاثة سياقات رئيسية:
أولًا: اضطراب حركة تصدير النفط عبر مضيق هرمز بسبب التهديدات والحرب مع ايران، وانتقاد الإمارات لضعف المساندة العربية والخليجية لها بعد تعرضها إلى هجمات إيرانية ورغبة أبو ظبي في إعادة ضبط سياستها الإنتاجية وفق مصالحها الوطنية وحاجات السوق.
ثانيًا: تمثل الخطوة مكسبًا سياسيًا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سبق أن اتهم "أوبك" برفع أسعار النفط واستغلال الحماية الأميركية لدول الخليج.
ثالثًا: لم تنسق الإمارات موقفها مع السعودية أو مع أي طرف قبل اتخاذ القرار، بما يعزز صورة الانسحاب كقرار إماراتي مستقل يرتبط بإعادة تموضع أبو ظبي داخل معادلة الطاقة والسياسة الخليجية.
من جانبه، رأى موقع تايمز أوف إسرائيل بتاريخ 28 نيسان 2026، أن خروج الإمارات من "أوبك" و"أوبك+" يمثل ضربة قوية للتكتلين النفطيين، وللسعودية باعتبارها القائد الفعلي لهما. وربطت الصحيفة القرار بمراجعة إماراتية لسياسات الإنتاج والطاقة، وبغياب أي تشاور مسبق مع الرياض أو مع دول أخرى، بما يعكس استقلالية القرار الإماراتي ورغبة أبو ظبي في إعادة تموضعها داخل سوق الطاقة.
كما وضع الموقع الانسحاب في سياق حرب إيران واضطراب صادرات النفط عبر مضيق هرمز، واعتبره مكسبًا سياسيًا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سبق أن انتقد "أوبك" بسبب رفع أسعار النفط. وخلص الموقع إلى أن القرار جاء بعد انتقادات إماراتية لضعف الموقف العربي والخليجي خلال الحرب على إيران، وفي ظل تنافس سعودي إماراتي متزايد في الاقتصاد والسياسة الإقليمية.
من جانبه، رأى دورون بسكين في مقال له نشر في الملحق الاقتصادي "كالكاليست" بتاريخ 28 نيسان 2026، أن انسحاب الإمارات من "أوبك" و"أوبك+" يعكس ابتعادًا واضحًا عن السعودية أكثر مما يعكس مجرد خلاف نفطي تقني. فقد قدّم الخطوة بوصفها ضربة لقدرة "أوبك+" على إدارة سوق النفط بطريقة منسقة خصوصًا في لحظة حساسة تضغط فيها الحرب على تدفق النفط عبر مضيق هرمز. ووفق قراءته، يقف خلف القرار مزيج من أزمة ثقة سياسية على خلفية الحرب وانتقادات إماراتية لضعف رد دول الخليج تجاه إيران وتوتر متزايد بين أبو ظبي والرياض.
وركّز بسكين على البعد الاقتصادي للقرار، إذ أشار إلى أن الإمارات استثمرت خلال السنوات الأخيرة مليارات الدولارات في توسيع قدرتها الإنتاجية، ولذلك ترى أن قيود الحصص داخل "أوبك+" تحدّ من قدرتها على استثمار هذه الطاقة الجديدة. واعتبر أن الانسحاب لا يمثّل خروج منتج نفطي واحد فقط وإنما يفتح صدعًا داخل آلية إدارة سوق النفط العالمي؛ لأنه قد يقلل الانضباط داخل التكتل ويضعف قدرة السعودية على قيادة السوق عبر التنسيق ويدفع كبار المنتجين إلى إعطاء الأولوية لحصصهم السوقية على حساب الالتزام الجماعي.
في ذات السياق، يرى الدكتور ناحوم شيلو، الخبير في شؤون دول الخليج واليمن في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب والمدير العام لشركة الاستخبارات التجارية "غلوبال أوسينت"، أن انسحاب الإمارات من "أوبك" لا يحمل عنصر مفاجأة. فبحسب قراءته، تحول التكتل النفطي الدولي إلى منظمة يتصرف أعضاؤها بطريقة متقلبة بينما دفعت المنافسة بين الإمارات والسعودية - إلى جانب الاستهداف الإيراني - أبو ظبي إلى البحث عن مسار مستقل.
ويعتبر شيلو أن الانسحاب سيمنح الإمارات مرونة أكبر في إدارة معروضها النفطي، وقدرة على تحديد مستوى الإنتاج والتصدير بعيدًا عن القيود التي فرضتها المنظمة. ويقول إن السعودية كانت عمليًا الجهة التي تحدد إنتاج "أوبك"، وإن الصراع بين أبو ظبي والرياض بدأ قبل المواجهة الحالية مع إيران، وظهر في ساحات عدة مثل اليمن وصوماليلاند والسودان.
ولا يحصر شيلو القرار في الجغرافيا السياسية، إذ يرى أن خلفه مصالح اقتصادية واضحة. فالإمارات - وفق تقديره - تكبدت أضرارًا اقتصادية كبيرة، ولذلك تريد زيادة صادرات النفط من دون أن تقيدها حصص "أوبك". ويضيف أن الإمارات لا تريد البقاء في موقع الطرف الصغير الذي لا تُؤخذ مصلحته في الحسبان بينما يُطلب منه الالتزام بحصص إنتاج يقررها الآخرون.
وفي المدى الفوري، يتوقع شيلو أن يبقى أثر الانسحاب محدودًا بسبب اضطراب النقل عبر مضيق هرمز، باستثناء نشاط ميناء الفجيرة الواقع خارج المضيق، والذي تعرض هو الآخر إلى هجمات إيرانية. لكنه يرى أن القرار قد يترك أثرًا جديًا في صادرات الإمارات النفطية خلال سنتين أو ثلاث سنوات، لأن الإمارات تحتاج إلى كل عائد نفطي ممكن لإعادة ترميم اقتصادها بعد الحرب، وتمويل انتقالها من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد تكنولوجي، مع احتمال ظهور تداعيات إضافية مثل اتفاق تجاري مهم مع الهند.
في سياق آخر، كتب تسالي غرينبرغ في موقع "واللا" بتاريخ 28 نيسان 2026 أن انسحاب الإمارات من "أوبك" ليس خطوة اقتصادية لزيادة الأرباح فقط وإنما إعلان تموضع سياسي واستراتيجي إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. ويقدّم غرينبرغ القرار بوصفه ضربة لاقتصاد الحرب الإيراني؛ لأنه قد يؤدي إلى زيادة المعروض النفطي وخفض الأسعار العالمية من مستويات مرتفعة إلى نحو 60 دولارًا للبرميل في المدى المتوسط بما يقلل قدرة إيران على استخدام أسعار الطاقة أداة ضغط على الغرب.
كما يربط غرينبرغ الخطوة بتراجع التنسيق القديم بين دول الخليج وإيران وبصعود محور إقليمي أقرب إلى الغرب يضع الاستقرار الاقتصادي والعلاقات مع واشنطن وتل أبيب فوق اعتبارات "أوبك". ويضيف أن القرار لا يضغط على إيران وحدها، بل يربك السعودية أيضًا، لأنها اعتمدت على شراكتها مع الإمارات لضبط أسعار النفط بما يخدم تمويل رؤية 2030. وخلص الكاتب إلى أن أبو ظبي اختارت اقتصادًا أكثر تحررًا بدل الانضباط داخل كارتل نفطي، واختارت تعزيز السلام الإقليمي والضغط على إيران بدل التنسيق الطاقوي التقليدي معها.

الخروج الإماراتي: فرصة أمام إسرائيل؟

يرى إيلان ليفنسون في مقال له نشر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" بتاريخ 28 نيسان 2026 أن إسرائيل يجب أن تتعامل مع خروج الإمارات من أوبك كفرصة استراتيجية لتطوير علاقتها مع أبو ظبي. فالإمارات، في قراءته، أظهرت استعدادًا لكسر الأطر القديمة حين لا تخدم مصالحها وعلى إسرائيل أن تستغل ذلك، وفق التالي:
أولًا: على إسرائيل أن تسعى إلى تقديم نفسها شريكًا للإمارات في حماية منشآت الطاقة، عبر الأمن السيبراني، أمن الموانئ، تحلية المياه، تخزين الطاقة، حماية الشبكات، والدفاع ضد المسيّرات. ويرى أن حرب إيران حوّلت الطاقة إلى جبهة مواجهة، ما يفرض إطارًا مشتركًا لحماية الأنابيب، الناقلات، المصافي، والمرافق البحرية.
ثانيًا: ضرورة أن تتحرك إسرائيل سريعًا لتوسيع الممرات التي تربط الخليج بالموانئ الإسرائيلية، وخصوصًا الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. فضعف الثقة بمضيق هرمز يمنح إسرائيل فرصة لتقديم نفسها طريقًا بديلًا نحو أوروبا والبحر المتوسط.
ثالثًا: يفتح غضب الإمارات من ضعف الرد العربي والخليجي على الاستهداف الإيراني مجالًا لتقارب أمني أعمق مع إسرائيل. لذلك يدعو إسرائيل إلى إرسال رسالة هادئة إلى الإمارات بأنها تفهم التهديد الإيراني ومستعدة لتعاون عملي، من دون استعراض سياسي زائد.
رابعًا: إن خروج الإمارات من "أوبك" يخدم الضغط الأميركي على المنظمة، ويمنح إسرائيل فرصة لصياغة الحدث ضمن اصطفاف أوسع يجمع منتجي الطاقة، والقوى التكنولوجية، والشركاء الأمنيين، بهدف احتواء إيران وتثبيت الأسواق خارج منطق الكارتلات القديمة.
خامسًا: على إسرائيل أن تتعامل بحذر مع العلاقة الخليجية كإنجاز تحقّق بعد "اتفاقيات أبراهام". فالإمارات غيّرت موقعها عندما اقتضت مصلحتها ذلك وعلى إسرائيل أن تفعل الأمر نفسه عبر تطوير شراكة مستمرة لا الاكتفاء بالمراقبة من الهامش.

التحالف الأمني مع إسرائيل يرتفع درجة

رأت صحيفة "معاريف" في 30 نيسان 2026 أن خروج الإمارات في مسار مستقل فتح الباب أمام تعاون عسكري وتكنولوجي غير مسبوق بين الامارات وإسرائيل. واستندت الصحيفة إلى تحقيق في "وول ستريت جورنال" و"أكسيوس" ومعهد SIPRI لتأكيد أن التحالف الأمني بين الجانبين بلغ مستوى جديدًا منذ اتفاقيات التطبيع.
فمنذ بداية الحرب، زوّدت إسرائيل الإمارات بمنظومة "القبة الحديدية" في أول حالة تُرسل فيها هذه المنظومة لحماية دولة أجنبية. كما أشارت الصحيفة إلى وجود عشرات الجنود الإسرائيليين داخل الإمارات لتشغيل المنظومة في مواجهة التهديدات الإيرانية وإلى حركة منتظمة لطائرات نقل عسكرية بين قاعدة "نيفاتيم" الجوية والإمارات منذ بداية الحرب.
بينما ينظر مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية JCFA إلى الانسحاب الإماراتي من "أوبك" بوصفه جزءًا من إعادة تشكّل أوسع للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط، لا مجرد خلاف نفطي محدود. فالأطر الجماعية التقليدية، مثل منظمة "أوبك" ومجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية، تبدو في هذه القراءة أقل قدرة على حماية مصالح الدول أو إدارة الأزمات الكبرى. في المقابل، تتقدم شراكات ثنائية أكثر براغماتية، تقوم على الأمن، والتكنولوجيا، والطاقة، والمصالح المباشرة، وفي مقدمتها الشراكة الإماراتية مع إسرائيل والولايات المتحدة. لذلك يقدّم المركز قرار الإمارات بوصفه مؤشرًا إلى انتقال المنطقة من منطق التحالفات الجماعية القديمة إلى منطق اصطفافات مرنة تحددها حسابات السيادة والبقاء والمردود الاستراتيجي.

المصطلحات المستخدمة:

يديعوت أحرونوت

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات