المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 15
  • ياسر مناع

في دراسة نشرها "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي" في جامعة تل أبيب بعنوان: "تحوّل في التصور تجاه الضفة الغربية، يقوم على الأمن المطلق، والحسم، وفرض السيادة" في 19 نيسان 2026، يرى أودي ديكل وتامي كينر أن سياسة الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية تمر بتحوّل سياسي وأيديولوجي وهيكلي واسع. هذا التحوّل لا يظهر في إجراءات متفرقة أو قرارات ظرفية، وإنما في مسار منظم يعيد تشكيل طبيعة السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، ويدفع نحو فرض سيادة فعلية على الأرض وإغلاق المجال أمام أي تسوية سياسية مستقبلية مع إضعاف السلطة الفلسطينية إلى مستوى يهدد قدرتها على الاستمرار بوصفها إطارًا إداريًا وسياسيًا قائمًا.

وفق الباحثين فإن هذا المسار يجري تحت غطاء المبررات الأمنية ومقولة "الأمن المطلق"؛ لكنه يحمل مخاطر استراتيجية ثقيلة على إسرائيل نفسها، منها: تصاعد مستوى المواجهة مع الفلسطينيين، تآكل المكانة الأخلاقية داخليًا لإسرائيل وتعميق العزلة السياسية، ازدياد خطر وسم إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري، فضلًا عن تهديد علاقات السلام القديمة واتفاقيات التطبيع.
تستعرض الدراسة أن الحكومة الحالية منذ تشكيلها وبصورة أشد بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 دفعت نحو تغيير جوهري في المنظومة القانونية ونظام الملكية العقارية والبنية الإدارية في الضفة الغربية. ويرى الباحثان أن ما يجري لا يمكن فهمه بوصفه استجابة أمنية ظرفية؛ لأن الحكومة تعمل وفق خطة متماسكة يقودها فاعلون سياسيون داخلها بهدف توسيع الاستيطان وترسيخ السيطرة على الأرض وتعميق السيطرة المدنية الإسرائيلية ومنع أي إمكانية لتسوية تستند إلى مبدأ الانفصال بين الشعبين مع تهيئة الشروط اللازمة لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة.
في هذا السياق، انتقلت الحكومة الإسرائيلية من مقاربة "إدارة الصراع" إلى تبني منطق "خطة الحسم" الذي يروج له اليمين الأيديولوجي وخاصة الوزير بتسلئيل سموتريتش منذ العام 2017. وتستهدف هذه الخطة: حسم الطموحات الوطنية الفلسطينية، تحقيق رؤية "أرض إسرائيل الكاملة" عبر الضم والسيادة، ووضع الفلسطينيين أمام خيارات الإقامة من دون حقوق سياسية أو الهجرة إلى جانب قمع أي مقاومة ترفض التخلي عن تطلعاتها الوطنية.
وتشير الدراسة إلى أن فكرة "الأمن المطلق" التي تعززت بعد السابع من أكتوبر صارت تؤدي وظيفة سياسية مركزية، إذ تفترض أن كل تهديد يستدعي ردًا عسكريًا وأن إسرائيل يجب أن تحافظ على حرية العمل العملياتي الكاملة وعلى سيطرة أمنية كاملة على الأرض الفلسطينية.
في المقابل، تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع أي تسوية سياسية باعتبارها خطرًا استراتيجيًا. إلا أن الوضع القانوني الرسمي لم يتغيّر من الناحية الشكلية، فإسرائيل لا تعلن ضم الضفة الغربية رسميًا وما يزال الإطار الظاهر هو إطار الاحتلال. غير أن الحكومة تعمل تدريجيًا على فرض سيادة فعلية من خلال مسارات عملية تغيّر بنية السيطرة وطبيعتها من الداخل من دون إعلان قانوني صريح.
تبرر حكومة نتنياهو - بحسب الباحثيْن - سياستها من خلال الذرائع الأمنية بهدف ترسيخ شرعية داخلية أوسع وتتجنب عرض هذا المسار بوصفه حسمًا أيديولوجيًا يقوم على حق اليهود في الاستيطان في جميع أنحاء الضفة الغربية وعلى إغلاق أي أفق لتسوية سياسية مستقبلية. وفي هذا الإطار، تأتي زيارة وزير الدفاع يسرائيل كاتس لمجلس مستوطنات السامرة خلال الحرب مع إيران، حيث صرّح بأن تعزيز الاستيطان خاصة في شمال الضفة الغربية، "يمثل مصلحة أمنية واضحة لدولة إسرائيل".
غير أن هذا التبرير الأمني يصطدم بتحذيرات صادرة عن المستوى الأمني نفسه. فانتشار المستوطنات، والبؤر الاستيطانية، والمستوطنات الرعوية، في أنحاء الضفة الغربية ضاعف مساحة الأراضي التي يُطلب من الجيش الدفاع عنها وأطال خطوط الدفاع وزاد عدد النقاط البعيدة ومحاور الوصول والحواجز ونقاط الاحتكاك. ومن هذا المنطلق، جاء تحذير رئيس هيئة الأركان العامة إيال زمير من أنه "يرفع عشرة أعلام حمراء" وتحذيره من أن "الجيش الإسرائيلي قد ينهار على نفسه".
كما تشير الدراسة إلى أن النقص في الكتائب المخصصة للأمن أدى إلى اعتماد متزايد على وحدات الدفاع الإقليمي و"فرق التأهب" في المستوطنات، وهو اتجاه يطمس الحدود بين القوة العسكرية النظامية والاحتياط والمستوطنين المسلحين. وترى الدراسة أن الجيش يخصص جزءًا كبيرًا من قواته لحماية البؤر والمستوطنات على حساب أمور جوهرية أخرى، ما يضر بالجهوزية في الطوارئ ويقلص التدريبات ويوسع استدعاء الاحتياط.
يقع في قلب هذا التحول "المسار الاستيطاني"، أي إعادة تشكيل نظام الأراضي بهدف تثبيت ملكية إسرائيلية للأرض وتسريع التوسع الاستيطاني. وتوضح الدراسة أن الحكومة دفعت عبر قرارات المجلس الوزاري السياسي والأمني في شباط 2026 نحو فتح سوق الأراضي أمام شراء المستوطنين المباشر، بعد إلغاء القانون الأردني وإعادة الدولة لتكون طرفًا فاعلًا في شراء الأراضي وتقليص القيود على الصفقات العقارية بإلغاء شرط "تصريح الصفقة" وفتح سجل الأراضي أمام اطلاع الجمهور.
كما اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارًا باستئناف تسوية الأراضي في المنطقة المصنفة ج للمرة الأولى منذ العام 1967، وهو مسار ذو طابع سيادي واضح لأنه يفضي إلى تسجيل نهائي لملكية الأرض. كذلك، المسارعة في المصادقة على مخططات البناء وربط تجمعات استيطانية بالبنى التحتية. إلى جانب استثمار واسع في البنى التحتية والطرق وزيادة تخصيص المكونات الأمنية للمستوطنات ضمن خطة حكومية تبلغ قيمتها نحو 2.7 مليار شيكل على مدى خمس سنوات لتعزيز البنى التحتية خارج "الخط الأخضر".
وتعد الدراسة قرار المجلس الوزاري المصغر في نهاية آذار 2026 مثالًا مكثفًا على هذا الاتجاه، إذ أُقرت إقامة 34 مستوطنة جديدة في المنطقة المصنفة ج، من خلال شرعنة 10 بؤر استيطانية وبناء 24 مستوطنة جديدة. وترى الدراسة أن هذا الرقم يشكل سابقة من حيث عدد المستوطنات التي أُقرت في قرار واحد، ويرفع مع 68 تجمعًا استيطانيًا صادقت عليها الحكومة منذ كانون الثاني 2023 الحصيلة الإجمالية إلى نحو 102 مستوطنة.
وتوضح أن موقع هذه المستوطنات لقربها من التجمعات الفلسطينية بين المنطقتين المصنفتين أ و ب، وانتشارها في مناطق جنين ورام الله والخليل والأغوار يترك أثرًا مباشرًا في المجال الجغرافي الفلسطيني؛ لأنه يضرّ بالتواصل ويزيد التبعية لمحاور الطرق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية ويكثف الاحتكاك اليومي بين الفلسطينيين والمستوطنين. إذ أن معظم هذه التجمعات خُطط لها خارج الكتل الاستيطانية وخارج مسار الجدار، وهو ما يكشف التناقض بين الخطاب الأمني والسياسة الفعلية.
لا يقف التحول عند الأرض والاستيطان، فالدراسة تشرح أيضًا "مسار إنفاذ القانون" حيث قررت إسرائيل توسيع صلاحيات الإنفاذ إلى ما يتجاوز المنطقة المصنفة ج لتشمل المنطقتين المصنفتين أ و ب في مجالات المياه والبيئة والتراث والآثار. يتيح هذا التوسيع لإسرائيل إمكان إصدار أوامر ووقف أعمال والتأثير بصورة مباشرة في التخطيط والبنى التحتية والتنمية في المناطق الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية. وهو ما يؤدي إلى تقليص الاستقلال الإداري والتخطيطي للسلطة الفلسطينية وتعميق التدخل الإسرائيلي في تفاصيل الإدارة اليومية. وفي "مسار الإدارة"، تشير الدراسة إلى نقل صلاحيات التخطيط والبناء في منطقة المستوطنة في الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي إلى "الإدارة المدنية" مع تجاوز بلدية الخليل وكذلك إنشاء هيئة إدارة إسرائيلية لقبر راحيل بصلاحيات ثابتة وميزانية دائمة.
أما "مسار الحوكمة" فيتمثل في إضعاف السلطة الفلسطينية نفسها. وتوضح الدراسة أن الحكومة الإسرائيلية تستخدم أدوات ضغط اقتصادية وإدارية وسياسية، منها تأخير تحويل أموال المقاصة وتقليصها ومنع عودة العمال الفلسطينيين إلى العمل في إسرائيل وفرض عقوبات على مسؤولين كبار في السلطة؛ بهدف إنهاك قدرتها الوظيفية وتقويض مكانتها لدى الفلسطينيين.
تتناقض هذه السياسة مع موقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، كما تؤكد الدراسة، لأن السلطة الفلسطينية لا تزال، برأيها، الجهة الوحيدة القادرة على حفظ النظام العام وتلبية احتياجات السكان وكبح حركة حماس في الضفة الغربية، والعمل ضمن تنسيق أمني مع الجيش الإسرائيلي؛ فضلًا عن كونها الشريك المحتمل لأي حوار سياسي مستقبلي. وتحذّر الدراسة من أن تآكل قدرة السلطة على الحكم قد يزيد من خطر عودة الفصائل المسلحة، كما قد يرفع احتمال "قلب البنادق" أي توجيه أجهزة الأمن الفلسطينية سلاحها نحو الجيش الإسرائيلي ونحو المستوطنين.
وتؤكد الدراسة أن عنف المستوطنين يعمل بوصفه مسارًا مكمّلًا للأدوات المؤسسية، وأنه لا يتعلق بظاهرة هامشية، وإنما بنمط عمل منهجي يشمل التهديد والاعتداء على الأشخاص والممتلكات وإشعال الحرائق والنهب ورشق المركبات الفلسطينية بالحجارة والاستيلاء القسري على مناطق الرعي ودفع الفلسطينيين بعيدًا عن مصادر المياه والأراضي الزراعية وحيز العيش، وصولًا إلى التهجير الفعلي.
وفي ظل غياب إنفاذ رادع من الجيش والشرطة، ومع خطوات مقصودة لإلغاء الاعتقالات الإدارية، وإضعاف الوحدة اليهودية في جهاز الشاباك، يتحول هذا العنف - بحسب الدراسة- إلى أداة سياسية قائمة بذاتها تسهم في تغيير أنماط السيطرة في الحيز القائم.

تغيير جذري وعميق في بنية السيطرة الإسرائيلية في الضفة وفي طبيعتها

في المحصلة، يرى الباحثان من "معهد دراسات الأمن القومي" أن مجموع هذه المسارات يحدث تغييرًا جذريًا وعميقًا في بنية السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية وفي طبيعتها. ويشيران إلى أن ثمّة انتقالًا من نموذج سيطرة عسكرية مؤقتة على أرض متنازع عليها إلى نموذج سيطرة مدنية مؤسسية بصلاحيات واسعة، إضافة إلى نقل مركز القوة من المؤسسة الأمنية إلى المستوى السياسي المدني.
وفي الوقت نفسه، تتلاشى الفوارق بين المنطقة المصنفة ج والمنطقتين المصنّفتين أ و ب، وهو ما يعني التآكل السريع للإطار التعاقدي الذي قام عليه الاتفاق المرحلي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وإغلاق المنافذ التي قد تتيح مستقبلًا إمكان التوصل إلى تسوية سياسية متفق عليها تقوم على مبدأ الدولتين.
وتخلص الدراسة إلى أن سياسة الحكومة الإسرائيلية الحاليّة في الضفة الغربية تهدف إلى تشكيل واقع جديد تصبح فيه الضفة الغربية حيزًا خاضعًا لسيطرة إسرائيلية دائمة، وأن الضغط المتواصل على الفلسطينيين مع تآكل السلطة الفلسطينية وأجهزة التنسيق الأمني سوف يمهّد الطريق لتصاعد المواجهة مع الفلسطينيين.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات