المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 8
  • وليد حباس

يشكل مشروع "الممر الاقتصادي الهند- الشرق الأوسط- أوروبا" (IMEC) أحد أهم المشاريع الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين العام 2023 كممر متعددة الطبقات يربط الهند بأوروبا عبر الخليج وإسرائيل والبحر المتوسط. يقوم المشروع على دمج النقل البحري والبري، عبر موانئ وسكك حديد وأنظمة طاقة واتصالات رقمية، بما يختصر زمن الشحن ويعيد تنظيم سلاسل الإمداد العالمية. وتبرز أهميته اليوم في سياق التنافس الدولي، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، حيث يُطرح كبديل لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية. في هذا السياق، تتقدم إسرائيل إلى موقع مركزي في هذا المشروع، باعتبارها نقطة عبور بين آسيا وأوروبا، وهو ما يمنحها فرصة لإعادة تعريف دورها الاقتصادي والسياسي في النظام الدولي.


تمر نسبة كبيرة من التجارة الدولية عبر المسارات البحرية، ويعني ذلك أن أي تغيير في هذه المسارات يحمل آثارًا استراتيجية بعيدة المدى. يعمل مشروع IMEC على تقليل الاعتماد على المسارات التقليدية، مثل قناة السويس، من خلال خلق مسار بديل يجمع بين النقل البحري والبري، بما يسمح بتسريع تدفق البضائع وخفض التكاليف. في هذا الإطار، تسعى إسرائيل إلى تطوير بنيتها التحتية البحرية، خاصة ميناءي حيفا وأسدود، وربطها بشبكات سكك حديد تمتد نحو الخليج. هذا الربط لا يقتصر على البضائع، بل يشمل أيضًا الطاقة والبيانات، حيث تتحول إسرائيل إلى مركز عبور متعدد الوظائف. هذا التحول يعزز قدرتها على التأثير في تدفقات التجارة، ويمنحها دورًا يتجاوز حجمها الجغرافي، ليضعها في قلب الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
إلى جانب ذلك، يحمل المشروع أبعادًا عسكرية وأمنية واضحة. وتعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية بشكل متزايد على دمج الأمن الاقتصادي بالأمن القومي، حيث تصبح حماية الممرات البحرية والبنية التحتية اللوجستية جزءًا من العقيدة الأمنية. وتشير التقديرات إلى أن أي تهديد للموانئ أو خطوط النقل يمكن أن يؤدي إلى تعطيل واسع في الاقتصاد، ما يجعل هذه المواقع أهدافًا استراتيجية. لذلك، تعمل إسرائيل على تعزيز قدراتها البحرية، بما في ذلك تطوير أسطولها، وتعزيز أنظمة المراقبة والسيطرة، وتوسيع نطاق التعاون الأمني مع شركائها في المشروع. كما تسعى إلى تأمين الممرات البحرية في البحر الأحمر وشرق المتوسط، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة التي ظهرت خلال الحرب الأخيرة، سواء من إيران أو من حزب الله.
في هذا السياق، يبرز المشروع كأداة لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية. ويندرج ممر IMEC ضمن إطار أوسع من التعاون، يشمل تحالفات مثل I2U2 (أختصار للأحرف الأولى لأربع دول هي: الإمارات العربية المتحدة، إسرائيل، الهند، والولايات المتحدة). وتسعى الولايات المتحدة إلى تقليص نفوذ الصين عبر بناء شبكات بديلة، بينما ترى دول الخليج في المشروع فرصة لتعزيز مكانتها كمراكز لوجستية عالمية. أما إسرائيل، فتستثمر في هذا التحول لتكريس اندماجها في الإقليم، ولتحويل العلاقات السياسية إلى بنية اقتصادية مادية. هذا التحول يعزز مكانتها كـ"عقدة" لوجستية توفر الربط بين الأسواق، ويمنحها دورًا محوريًا في إدارة تدفقات التجارة والطاقة. في هذا الإطار، تصبح البنية التحتية أداة نفوذ، حيث تمنح السيطرة على الموانئ والسكك الحديدية قدرة على التأثير في قرارات الدول الأخرى، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة القوة من السيطرة المباشرة إلى التحكم في الشبكات.
تتجاوز هذه التحولات البعدين الاقتصادي والأمني لتصل إلى مستوى أعمق يتعلق بإعادة تعريف دور إسرائيل في النظام الإقليمي. بعد الحرب الأخيرة، تتبلور داخل الخطاب الاستراتيجي الإسرائيلي رؤية تعتبر أن إسرائيل تمتلك فائض قوة عسكرية وتكنولوجية، وتعمل على تحويل هذا الفائض إلى نفوذ سياسي واقتصادي. في هذا السياق، يُنظر إلى مشاريع مثل ممر IMEC كوسيلة لترجمة هذا الفائض إلى موقع مركزي في النظام الإقليمي. تقوم هذه الرؤية على فكرة أن السيطرة على البنية التحتية، وربط الاقتصادات الإقليمية بإسرائيل، يمنحها قدرة على فرض قواعد اللعبة، وتحويلها إلى قوة مهيمنة تتجاوز حدودها التقليدية.
مع ذلك، يواجه هذا المشروع تحديات جدية تتعلق بالبيئة الجيوسياسية. ويعتمد نجاح ممر IMEC على استقرار إقليمي يسمح بتدفق التجارة من دون انقطاع، وهو شرط معقد في ظل فشل إسرائيل والولايات المتحدة في هزيمة إيران (حليفة الصين) وحزب الله (الذي يقف على الحدود الشمالية لإسرائيل). إضافة إلى ذلك، تبرز تحديات تتعلق بالبنية التحتية، والتكلفة، وكذلك بالتنسيق بين الدول المشاركة، خاصة في ظل تباين المصالح. كما أن التهديدات الأمنية، سواء في البحر الأحمر أو في شرق المتوسط، تفرض الحاجة الملحة إلى استثمارات كبيرة في مجال الأمن البحري.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات