المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 26
  • وليد حباس

يُعدّ نفتالي بينيت أحد أبرز البدائل المطروحة لرئاسة الحكومة في إسرائيل في حال فشل بنيامين نتنياهو في إعادة تشكيل ائتلاف حاكم. تكمن أهمية بينيت، إسرائيليًا، في جمعه بين خلفيات متعددة تمنحه شرعية داخل قطاعات مختلفة من المجتمع الإسرائيلي، بدءًا من المؤسسة العسكرية مرورًا بقطاع التكنولوجيا وصولًا إلى معسكر الصهيونية الدينية. وقد أسهمت هذه الخلفيات في تشكيل بروفايله السياسي ورؤيته الاستراتيجية لدور إسرائيل في المنطقة.

تستعرض هذه المقالة ملامح هذا البروفايل السياسي في ضوء إعلان بينيت عزمه خوض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

ثلاث خلفيات تشكل بروفايل بينيت السياسي

هناك ثلاث خلفيات ساهمت في تشكيل البروفايل السياسي لنفتالي بينيت، وهي: 

  1. خلفيته في الخدمة العسكرية: خدم بينيت في وحدة "سييرت متكال"، وهي وحدة استطلاع خاصة تُعد من أكثر وحدات الجيش الإسرائيلي سريةً ونخبوية، وتُعنى بعمليات الاستطلاع العميق والعمليات الخاصة، ولاحقًا أصبح ضابطًا في وحدة ماجلان، وهي وحدة كوماندوز متخصصة في العمليات خلف خطوط العدو واستخدام أسلحة دقيقة متقدمة. عززت هذه الخلفية حضوره داخل معسكر اليمين القومي الذي يمنح الخدمة في الوحدات النخبوية مكانة رمزية عالية في الشرعية القيادية. يمكن تصنيف بينيت ضمن معسكر "الصقور الأمنيين"، إذ تعكس مواقفه رؤية أمنية هجومية تؤكد الردع، والمبادرة العسكرية، ورفض الانسحاب الذي قد يخلق تهديدات أمنية. تشير العديد من التحليلات إلى أن سياسته الأمنية تجاه قطاع غزة (2022-2021) أثبتت أنه قد لا يقل "عنفًا" تجاه الفلسطينيين عن نتنياهو.
  1. خلفيته كخريج قطاع التكنولوجيا: بعد إنهاء خدمته العسكرية، بدأ بينيت مسيرته في قطاع الهاي-تك، حيث أسس شركة الأمن السيبراني "Cyota" التي طورت أنظمة لحماية المعاملات المصرفية عبر الإنترنت. حققت الشركة نجاحًا ملحوظًا وانتهى مسارها ببيعها في مقابل نحو 145 مليون دولار، في واحدة من عمليات "الخروج" البارزة في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي. عندما انتقل بينيت من عالم الأعمال إلى عالم السياسة، حمل معه رؤية يمكن وصفها بأنها "نيوليبرالية قومية"، تربط قوة الدولة بتطوير العقول والتكنولوجيا والمعرفة بهدف تعزيز قدرة إسرائيل على المنافسة والهيمنة في الأسواق العالمية. في هذا الإطار، أطلق خلال توليه وزارة التربية والتعليم (2015-2019) "خطة وطنية" لتعزيز دراسة الرياضيات والعلوم، وشجع على إشراك خبراء من قطاع الهاي -تك في الأوساط الأكاديمية. تقوم رؤيته على إنتاج قوة عاملة ذات مهارات علمية متقدمة تغذي تفوق إسرائيل اقتصاديًا وأمنيًا. 
  1. خلفيته كمستوطن:عاش نفتالي بينيت سنواتٍ في مستوطنة قرب شمال رام الله قبل أن ينتقل لاحقًا إلى العيش داخل إسرائيل. وينتمي بينيت إلى تيار "الصهيونية الدينية" المرتبط بالمشروع الاستيطاني، وقد شغل منصب المدير العام لمجلس المستوطنات "يشع" بين عامي 2010 و2012، حيث عمل على تعزيز شرعية الاستيطان داخل المجتمع الإسرائيلي وأمام الرأي العام الدولي. وبرغم أن كلًا من بينيت وبتسلئيل سموتريتش يعتبران "متدينين"، وينتميان عقائديًا إلى "الصهيونية الدينية"، فإن نسخة سموتريتش تعبر عن تيار متزمت، سلفي، يتجنب الحداثة، بينما بينيت يمثل نمطًا من التدين الـ Light، إذ أنه رغم ارتدائه "القبعة الدينية" فإنه لا يزال يعتقد أن الحداثة، والعلم، والتطور التكنولوجي لا يقل أهمية عن الرعاية الإلهية التي يتوخاها سموتريتش. 
  1. خلفيته كمنافس لنتنياهو: بدأ بينيت مسيرته السياسية العام 2006 عندما عمل مديرًا لمكتب بنيامين نتنياهو خلال فترة وجوده في المعارضة، الأمر الذي أتاح له بناء شبكة علاقات واسعة داخل معسكر اليمين. مع مرور الوقت تحولت العلاقة بينهما إلى منافسة سياسية. ومع صعود بينيت داخل تيار "الصهيونية الدينية" وتوليه لاحقًا قيادة حزب "البيت اليهودي"، طرح نفسه كزعيم يميني جديد يسعى إلى كسر احتكار نتنياهو لقيادة اليمين الإسرائيلي. في العام 2021، وبعد ثلاث جولات انتخابية فشلت في إنتاج حكومة مستقرة، نجح بينيت في تشكيل ائتلاف حكومي بديل أنهى حكم نتنياهو الطويل. ويعتقد بينيت أن هذه التجربة قد تتكرر مستقبلًا. مع ذلك، انهارت حكومته بعد عام واحد بسبب عجزها عن الحفاظ على أغلبية برلمانية في قضايا حاسمة، خصوصًا "قانون يهودا والسامرة" الذي ينظم الوضع القانوني للمستوطنين ويتطلب تمديدًا دوريًا عبر تصويت الكنيست. وكشف هذا الانهيار عن هشاشة معسكره اليميني مقارنة بمعسكر نتنياهو الذي يوصف غالبًا بأنه "يمين كامل".

موقف بينيت من حل الدولتين

طرح نفتالي بينيت في شباط 2012 خطة لإدارة الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني تحت اسم "مبادرة استقرار إسرائيل". استندت الخطة إلى أفكار سابقة دعت إلى ضم أجزاء من الضفة الغربية بشكل أحادي. رفض بينيت قيام دولة فلسطينية، وأعلن أنه سيعمل بكل ما يملك لمنع قيامها. وفي كانون الثاني 2013 اقترح تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى ثلاث مناطق: ضم المنطقة "ج" إلى إسرائيل، نقل المسؤولية عن قطاع غزة إلى مصر، وبقاء المنطقتين "أ" و"ب" تحت إدارة السلطة الفلسطينية مع بقاء السيطرة الأمنية بيد الجيش الإسرائيلي.

رأى بينيت أن السلام يمكن أن يتطور من خلال مشاريع اقتصادية مشتركة وبنية تحتية تربط المناطق الفلسطينية، مثل المناطق الصناعية المشتركة. في الوقت نفسه رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين ورفض الربط السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

مع مرور الوقت تبنى خطابًا أكثر وضوحًا يدعو إلى تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وضمها تدريجيًا. وفي العام 2016 دعا إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى اتخاذ قرار بضم "يهودا والسامرة" إلى إسرائيل، واعتبر أن انتخاب دونالد ترامب يفتح الباب لإنهاء فكرة حل الدولتين. ورغم هذا الخطاب اليميني، وافق خلال مفاوضات تشكيل الحكومة العام 2021 على تجميد أي خطوات ضم أو توسيع استيطاني أثناء توليه رئاسة الحكومة.

خلال حرب غزة في تشرين الأول 2023 دعم فرض حصار كامل على القطاع، ودعا إلى استراتيجية عسكرية تقوم على إنشاء مناطق عازلة وتنفيذ عمليات محدودة ضد حماس بدلًا من احتلال المدن الكبرى، مع هدف إضعاف الحركة وتقليل الكلفة الاقتصادية على إسرائيل.

ماذا فعل بينيت بعد انتهاء ولايته كرئيس حكومة؟

بعد انتهاء ولايته القصيرة كرئيس للحكومة في حزيران 2022، قرر بينيت أخذ "استراحة" من العمل السياسي، وعاد الى قطاع الهاي-تيك كمستشار يجمع بين مهارات السوق وعلاقاته السياسية- الدولية، وانخرط في شركات تكنولوجية واستثمارية، لا سيما في مجالات الابتكار والأمن السيبراني والتقنيات المتقدمة. 

في الوقت نفسه، كثّف ظهوره في الإعلام العبري والدولي، فشارك في برامج حوارية، وكتب مقالات رأي في صحف غربية وإسرائيلية محاولًا بناء صورة قائد مسؤول كبديل يميني. خلال الحرب، شدد بينيت على الحسم العسكري تجاه حماس، وكان باستمرار يدعو إلى تشديد الخط حيال إيران وبارك الحرب عليها. في الداخل الإسرائيلي، عمل على توسيع فريقه الاستشاري والإعلامي، قبل أن يشكل حزب بينيت-2026 تمهيدًا لاحتمال خوضه انتخابات 2026. 

عودة بينيت إلى السياسة وتأسيس حزب "بينيت 2026"

عاد نفتالي بينيت إلى الساحة السياسية في نيسان 2025 عندما أسس حزبًا جديدًا تحت اسم "بينيت-2026". حتى الآن لم يحسم قراره النهائي بشأن خوض الانتخابات المقبلة للكنيست، لكن خطواته التنظيمية تشير إلى استعداد فعلي للعودة إلى المنافسة السياسية.

بحسب وثائق تسجيل الحزب، يهدف المشروع السياسي الجديد إلى "استعادة الأمن لإسرائيل وتعزيز ثقة الجمهور بقدرة الدولة على الدفاع عن حدودها وداخلها"، مع تبني مفهوم أمني "صقري". ضمت قائمة المؤسسين عددًا من الشخصيات من مجالات السياسة والأعمال والإعلام، بينهم زوجته غيلات بينيت، والمسؤولة السابقة في وزارة الاتصالات ليران أفيسار بن حورين، والمدير السابق في مجموعة شتراوس غادي ليسين، إضافة إلى شخصيات أخرى من قطاع الأعمال والعلاقات العامة.

تشير تقارير إعلامية إلى أن بينيت سيحتفظ بسيطرة تنظيمية واسعة داخل الحزب، حيث سيقود الكتلة البرلمانية وسيحتفظ برئاسة الحزب حتى العام 2034، كما سيمتلك صلاحية اختيار مرشحي القائمة الانتخابية وتعيين الوزراء واختيار أعضاء لجان الكنيست. ويهدف هذا النموذج التنظيمي إلى منع الانشقاقات التي واجهها خلال حكومته السابقة وأسهمت في إسقاطها.

في أيلول أعلن بينيت أنه يسعى إلى تشكيل قائمة انتخابية ذات طابع يمين-وسطي تضم شخصيات من معسكرات سياسية مختلفة، مع طرح فكرة إقامة حكومة "وحدة صهيونية". ومع أنه لم يقل بصريح العبارة ما إذا كان يرفض العودة للتحالف مع حزب عربي لتشكيل ائتلاف حاكم، فإنه أشار إلى أن "الجهة التي تكون مستعدة للجلوس بجانبه في دبابة داخل خانيونس، سيكون حينها مستعدًا إلى الجلوس بجانبها في ائتلاف حكومي". 

 في تشرين الثاني 2025 أعلن عزمه الترشح لرئاسة الحكومة في الانتخابات المقبلة، مؤكدًا أن حكومته ستباشر فور تشكيلها بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إضافة إلى العمل على إلغاء مشروع قانون تجنيد الشبان اليهود الحريديم الذي تدفع به قدمًا حكومة نتنياهو.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات