المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 14
  • هشام نفاع

سلّطت عدة تقارير إعلامية الضوء، وإن لم تكن بالقوّة الملائمة، على أزمة غير جديدة لكن متفاقمة في مجال التعليم، وتتجسد في نقص دائم في المعلمين. وفصّلت وثيقة صادرة عن مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست أزمة القوى البشرية في جهاز التعليم في إسرائيل. ويُستدلّ منها أنه بالرغم من وجود توافق واسع على أن جهاز التعليم يواجه أزمة ممتدة، فإن الخلاف يتمحور حول تعريفها: هل هي أزمة نقص عددي شامل في المعلمين، أم أزمة نوعية وتموضع وتوزيع وتأهيل، أم مزيج مركّب من هذه العناصر؟

قال مركز الأبحاث إن الوثيقة أُعدّت قبيل انعقاد لجنة التربية والثقافة والرياضة، وتهدف إلى تقديم صورة محدثة تستند إلى معطيات رسمية، خصوصاً من مكتب الإحصاء المركزي، وإلى استطلاعات وتقارير ميدانية، إضافة إلى عرض خطوات وزارة التربية والتعليم حتى العام 2025. وهي تُحدّث تقريراً سابقاً صدر مطلع العام 2023، وتضع المسألة في إطار بنيوي يشمل: التأهيل، الدخول إلى المهنة، الاستبقاء، التوزيع القطاعي، وسياسات الاستجابة الحكومية.

معطيات: أزمة في تجنيد المعلمين وشَغل وظائف التدريس

جاء في الوثيقة أنه من بين القضايا المركزية التي تشغل النقاش البرلماني والعام المرتبطين بجهاز التعليم في إسرائيل، تبرز القضايا المتعلقة بنقص العاملين في سلك التدريس وجودة المعلمين. وعلى الرغم من وجود توافق بشأن استمرار أزمة في جهاز التعليم، فإن حجمها، حدّتها، أسبابها وتداعياتها لا تزال موضع خلاف.

تناولت الوثيقة مسألة النقص في القوى البشرية في جهاز التعليم، وتُعدّ تحديثاً لوثيقة سابقة صادرة عن مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست من مطلع العام 2023. من أبرز النتائج الواردة في الوثيقة:

  • يتناول النقاش حول القوى البشرية في التدريس جوانب متعددة، تتصل بمركّبات مختلفة لهذه المهنة ومراحلها المختلفة: التأهيل، الدخول إلى المهنة، العمل في التدريس، والانسحاب منها.

المعطيات القائمة في هذه المجالات ليست موحّدة؛ فبينما تشير تقارير ميدانية واستطلاعات إلى صعوبات في تجنيد المعلمين وشَغل الوظائف والحفاظ على جودة التدريس، فإن المعطيات الإحصائية الواسعة حول وضع جهاز التعليم لا تدلّ على وجود أزمة حادّة. كما أن المعطيات المتعلقة ببنية الجهاز تضيف تعقيداً إلى تحليل الوضع، لكنها تُمكّن من الوقوف على نقاط الضعف القائمة.

تشير معطيات ميدانية واستطلاعات إلى أزمة في تجنيد المعلمين وشَغل وظائف التدريس: وفقاً لاستطلاع المديرين الذي أجرته هيئة القياس والتقويم (راما)، أفاد 70% من المديرين بأن صعوبة تجنيد معلمين جيدين لها تأثير كبير على إدارة الطاقم التربوي (74% في التعليم الرسمي – العبري).

وبحسب استطلاع 2024، أفاد نحو 47.9% من المعلمين في إسرائيل العاملين في المدارس بأن قدرتهم على توفير تعليم ذي جودة تتضرر بسبب نقص المعلمين — وهي نسبة أعلى بمرتين من المعدل في دول منظمة الـOECD، كما أنها أعلى بشكل ملحوظ مقارنة بالاستطلاع السابق.

هناك معطيات إحصائية واسعة تشير إلى عدم وجود نقص شامل: وتُظهر معطيات المكتب المركزي للإحصاء أن نسبة الزيادة في عدد العاملين في التدريس وعدد الوظائف الكاملة كانت أعلى من نسبة الزيادة في عدد الطلاب. بين عامي 2000 و2024، انخفض متوسط عدد الطلاب لكل معلم ولكل وظيفة تدريس في جميع مراحل التعليم تقريباً وفي كلا القطاعين. على سبيل المثال، في التعليم الابتدائي انخفض المتوسط من 16.6 إلى 13.6 طالب لكل وظيفة كاملة. في السنوات الأخيرة، كان عدد العاملين الجدد في جهاز التعليم أعلى من عدد المنسحبين سنوياً. ويمكن ملاحظة ارتفاع في عدد المعلمين، ولكن أيضاً ارتفاع في عدد المنسحبين.

بالتالي، تشير المعطيات إلى مستوى ملاءمة فعلي بين مجال تأهيل المعلمين ومجال عملهم في التدريس، رغم أن جزءاً منهم — أحياناً بنسبة ملحوظة — لا يحملون تأهيلاً ملائماً لتدريس الرياضيات واللغة الإنكليزية. والاتجاه العام في السنوات الأخيرة يُظهر تحسناً في نسبة المعلمين الملائمين لتدريس هذه المواضيع.

معطيات تبرز تعقيد القضية ونقاط ضعف في الجهاز

في السنة الدراسية 2022/23، أنهى 8,461 خريجاً أحد المسارات الأكاديمية لإعداد المعلمين، وهو أدنى عدد خلال نحو عقد، بانخفاض يقارب 12% مقارنة بالسنة السابقة.

عدد الحاصلين على لقب B.Ed في تخصصات مثل الإنكليزية والرياضيات والعلوم لم يتغير تقريباً في السنوات الأخيرة، بعد انخفاض بين 2018 و2021.

من معطيات مسارات الدخول إلى التدريس يتبيّن أن نحو 3,000 من حاملي شهادة التدريس لا يُستوعبون سنوياً في جهاز التعليم، نحو ثلثيهم في التعليم العبري وثلثهم في التعليم العربي.

في السنوات الأخيرة سُجل ارتفاع معيّن في نسبة الداخلين إلى التدريس خلال سنتين من إنهاء الدراسة بين اليهود (من 64.8% العام 2018 إلى 69.4% العام 2023)، إلا أن العدد الإجمالي للداخلين إلى التدريس تقلّص.

تشير معطيات المكتب المركزي للإحصاء إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة المعلمين الجدد الذين يغادرون جهاز التعليم خلال فترة قصيرة:

21.5% من الذين دخلوا الجهاز العام 2018 غادروه خلال خمس سنوات؛

18.3% من الذين دخلوا العام 2020 غادروا خلال ثلاث سنوات؛

و 12.2% من الذين بدأوا العمل العام 2022 غادروا خلال سنة واحدة.

تشير المعطيات إلى ازدياد في استخدام أدوات مخصّصة للاستجابة الفورية للنقص، مثل تشغيل معلمين بتصريح استثنائي: ففي السنة الدراسية 2024/25 تم تشغيل 12,134 معلماً بتصريح استثنائي (زيادة 80% مقارنة بـ2022/23)، كما مُنح 1,176 تصريحاً لتشغيل متقاعدين.

كما يُلاحظ اتجاه تصاعدي ملحوظ في عدد المعلمين في التعليم العربي داخل التيار الرسمي- العبري، وكذلك في نسبتهم من مجمل المعلمين ومن بين المعلمين الجدد.

مبادرات وزارة التعليم في مجال القوى البشرية في التدريس 

أدرجت وزارة التربية والتعليم هدف "تعزيز وتطوير رأس المال البشري في جهاز التعليم" ضمن خطة عملها للعام 2025، وقد عرضت عدة مبادرات في هذا المجال. ويُعرض فيما يلي تفصيل المعلومات كما وردت من الوزارة ومن مصادر إضافية، مع الإشارة إلى أنه رغم طلبنا لم تُقدَّم معلومات مفصلة حول بعض الجوانب والمركّبات.

تحديد النقص والتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية: تُشغّل الوزارة عدة أدوات لرصد النقص والتنبؤ بالاحتياجات، منها: نظام لجمع تقارير حول وظائف تدريس غير مشغولة، نموذج قائم على الذكاء الاصطناعي لتقدير عدد المعلمين الناقصين استناداً إلى المعطيات القائمة وساعات التدريس المطلوبة، وتطوير نموذج تنبؤ متعدد السنوات. مع ذلك، لم تُسلَّم معطيات مفصلة حول حجم النقص الفعلي. ووفقاً لتقارير المؤسسات قبيل افتتاح السنة الدراسية 2025/26، كان هناك نحو 498 وظيفة تدريس غير مشغولة، منها 222 في مواضيع الأساس.

فحص منظومة إعداد المعلمين مع تركيز على مواضيع العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، والرياضيات: على خلفية تراجع متوسط تحصيل طلاب الصف الثامن في الرياضيات والعلوم، اتُخذ في نيسان 2025 قرار حكومي خُصصت بموجبه ميزانيات للمنح وبرامج تأهيل أكاديميين من عالم الهايتك والصناعة للتدريس بعقود شخصية.

كما دفعت الوزارة برامج إضافية مثل "زملاء تدريس" وبرامج تأهيل موجّهة، وشراكات مع الجيش الإسرائيلي والهيئة للخدمة الوطنية. وشكّل مجلس التعليم العالي لجنة خبراء لفحص منظومة إعداد المعلمين، أنهت عملها في أيلول 2025 وقدمت توصياتها إلى وزير التعليم ورئيس لجنة التخطيط والميزانية، لكنها لم تُنشر بعد.

الدخول إلى التدريس، التوظيف والاستيعاب: في حزيران 2023 أطلقت الوزارة "بوابة التدريس"لتجميع المعلومات حول الاندماج في التدريس، وتشمل مركز تشغيل هاتفي، بنك وظائف، ومساعدة في إيجاد وظائف ملائمة عبر مرشدين مناطقيين.

كما فُعّلت أدوات إضافية لاستنفاد التوظيف، منها التوجّه إلى خريجي إعداد المعلمين، توسيع التدريب السريري، وتحسين منظومة استيعاب المعلمين الجدد.

تشغيل معلمين بعقود شخصية في التعليم الابتدائي والإعدادي

في إطار اتفاق "أفق جديد" الموقع في تشرين الأول 2022، والذي بدأ تطبيقه في السنة الدراسية 2025/26، أُتيح تشغيل معلمين بعقود شخصية في 100 وظيفة، مع تركيز على مواضيع العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، والرياضيات.

وحتى كانون الثاني 2026، استُوعب 12 معلماً عبر هذا المسار، وتقدم 40 مرشحاً إجمالاً. كما أن اتفاق الأجور الموقع مع منظمة المعلمين في أيلول 2024 يتيح تشغيل معلمين بعقود شخصية أيضاً في المرحلة الثانوية.

في السياق، عقدت لجنة التربية والتعليم والثقافة والرياضة جلسة حول موضوع دمج المعلمين العرب في جهاز التربية والتعليم اليهودي. وعرض مندوب مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست خلال الجلسة معطيات مكتب الإحصاء المركزي الخاصة بالموضوع. وبحسب المعطيات فإن عدد المعلمين العرب في جهاز التربية والتعليم اليهودي ونسبتهم من مجمل المعلمين قد تضاعف خلال السنوات الخمس الماضية. وفي السنة الماضية عمل في المدارس اليهودية 4000 معلم ومعلمة من المجتمع العربي وهم يشكلون ما نسبته 4% من مجمل المعلمين. ويظهر أيضا من المعطيات أن نحو نصف المدارس الرسمية في المجتمع اليهودي قد استوعبت على الأقل معلما عربيا واحدا خلال سنة 2025. وتعتبر مدينة حيفا الرائدة في تشغيل المعلمين العرب في جهاز التربية والتعليم اليهودي.

 ويعمل معظم المعلمين العرب في المدارس الرسمية اليهودية في المدارس الابتدائية ويبلغ عددهم 1821 معلماً عربياً، أما في المدارس الإعدادية الرسمية اليهودية فيبلغ عددهم 1،169 معلماً، بينما يعمل في المدارس اليهودية الثانوية 1091 معلماً عربياً. وتعمل في رياض الأطفال في المجتمع اليهودي 214 معلمة عربية.

 أما بخصوص توزيع الدول التي تلقى فيها المعلمون شهاداتهم الأكاديمية، فتظهر نتائج سنة 2025 أنه من بين 286 معلماً عربياً يعلمون في المدارس الرسمية اليهودية ونالوا شهاداتهم من جامعات خارج البلاد، فإن 120 معلماً من بينهم تلقوا تعليمهم الأكاديمي في جامعات السلطة الفلسطينية.

وهنا شنّ عدد من أعضاء الكنيست وممثلون عن منظمات يمينية حملة تحريض على تشغيل معلمين عرب عموماً، وخريجي المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية، بنفس المزاعم المتعلقة بما يسمونه "الولاء". ودحضت ممثلة مكتب المدير العام لدائرة موظفي التربية في وزارة التعليم الادعاءات وقالت: "عندما يقوم مدير مدرسة بدراسة وفحص استيعاب معلم في مدرسته، فإن ذلك يحدث من دون أي علاقة بهويته الدينية"، على حد قولها.

أزمة القوى البشرية في جهاز التعليم ليست عددية بل بنيوية

في المحصلة، هناك تناقض بين المعطيات الكمية والانطباعات الميدانية، فاستطلاعات المديرين والمعلمين تشير إلى صعوبات كبيرة في تجنيد معلمين جيدين، وتأثير مباشر للنقص على جودة التعليم، بنسبة تقارب 48% من المعلمين في إسرائيل — ضعفا متوسط دول OECD. في المقابل، لا تُظهر المعطيات الإحصائية الواسعة نقصاً عددياً شاملاً: عدد المعلمين والوظائف الكاملة ارتفع بوتيرة أعلى من نمو عدد الطلاب، ومتوسط الطلاب لكل معلم انخفض منذ العام 2000.

وهكذا، تُظهر الوثيقة أن أزمة القوى البشرية في جهاز التعليم في إسرائيل ليست أزمة عددية شاملة بقدر ما هي أزمة بنيوية مركّبة تمسّ جودة التكوين المهني، والاستبقاء، والتوزيع التخصصي، ولا سيما في مواضيع الأساس والعلوم، التكنولوجيا، الهندسة، والرياضيات. فبينما تشير المعطيات الكلية إلى نمو في عدد المعلمين وانخفاض في متوسط الطلاب لكل معلم، تكشف المؤشرات الديناميكية عن تراجع في أعداد خريجي إعداد المعلمين، وارتفاع في معدلات مغادرة المعلمين الجدد، وفجوات مستمرة في ملاءمة التأهيل للاحتياجات الفعلية. هذا التناقض بين الصورة الإحصائية العامة والانطباعات الميدانية يعكس أزمة جاذبية واستدامة مهنية أكثر مما يعكس عجزاً عددياً مطلقاً، ويدفع إلى اعتماد أدوات معالجة إسعافية متزايدة بدل إصلاح هيكلي عميق طويل الأمد.

المصطلحات المستخدمة:

الكنيست

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات